الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 «أخيراً، ومع الوصول هنا الى النهاية، نهاية هذه الرحلة مع مكونات المساجد، وحين تحل لحظة الانفصال وتلويحة الوداع، لابد لنا أن نتذكر ان جهدنا كله الذي بذلناه هنا إنما كان من أجل الاتصال. ولم لا؟ أليس يعلمنا النوري ان (الاتصال مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار)؟ ألم يقل بعض أهل الحق: (معنى الاتصال أن ينفصل بسره عما سوى الله فلا يرى بسره معنى التعظيم غيره ولا يسمع إلا منه)؟ ألا يقول الكلاباذي: (الاتصال ألا يشهد العبد غير خالقه، ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه)؟». بهذه الكلمات اختتمنا الجزء الثاني من هذه الموسوعة عن «المساجد واحات لجماليات المكان» الذي تألف من حوالي مئة ألف كلمة تقريباً، كانت أقرب الى محاولة لمواصلة السير على درب طويل، يستهدف سبر أغوار هذا الموضوع، الذي أصبحنا الآن ندرك الى أي حد لا ينقصه الثراء ولا يعوزه العمق ولا التعقيد أيضاً. ها نحن على جسر من الاتصال، كما أدعو الله، نطل في مستهل الجزء الثالث من الموسوعة، عوداً على بدء، محاولين الايغال في سبر أغوار هذا الموضوع الجميل والجليل حقاً، قاصدين وجه الله الذي إليه الرجوع، لأنه مبدأ كل شيء حقاً وصدقاً، كما قال أهل الحقيقة، الذين نرفع الأكف الى الله جل وعلا، داعين أن يجعلنا نحرز شرف السير على دربهم، لعلنا نجترح ذات يوم نوراني المطالع المشي على المقامات بحالنا، لا بعلمنا، على أمل أن يكون العلم لنا عيناً. من جديد نعود لتؤرقنا قبضة من الأسئلة المحيرة، من المؤكد انها تشكل جانباً من ارتجافة القلق التي تساور كل رحالة مع الخطوات الأولى على دربه الطويل نحو آفاق مجهولة تمتد بلا انتهاء. وكم هو موجع ـ في حالتنا ـ أننا نعلم علم اليقين مدى طول الطريق ووحشته وقلة الزاد وضآلته وغياب الرفيق وانعدامه. فما هو حقاً الزاد الذي يمكننا الاستعانة به في رحلتنا الطويلة نحو هدف عصي هو تحقيق المزيد من المعرفة بالحقائق المتعلقة بجماليات المكان في حالة المساجد؟ من أين نبدأ في هذا المنعطف من رحلتنا الصعبة؟ إلى أين نمضي؟ أي المحطات نقصد على امتداد دربنا الوعر؟ في مواجهة هذا الدفق من علامات الاستفهام ـ وهناك غيره كثير ما برح يؤرقنا ـ ما كان يمكن إلا أن نعود الى أساتذتنا الكرام، أطال الله في أعمارهم ونفعنا بعلمهم، الذين تفضلوا علينا فاهتموا بجانب مما قلناه في الجزء الثاني من هذه الموسوعة، وتكرموا فتعرضوا له بالمناقشة والنقد، ولست أجدني إلا شاكراً وممتناً لما قالوه، فقد كان فيه الكثير مما غاب عني، وغير قليل مما قصرت فيه، وإني لحريص أشد الحرص، قدر الطاقة، على تدارك ما فاتني، وسبحان من له الكمال وحده. من هنا نبدأ كان جوهر الانتقاد الأساسي الذي طرحه أساتذتنا الكرام، الذين شرفت بتفضلهم بقراءة الجزء الأول ثم الثاني من هذه الموسوعة، انتقاداً هيكلياً، هو في صميمه انتقاد منهاجي، لا أملك إلا أن أصفه بأنه كان على جانب كبير من الوجاهة والعمق. فقد ذهب قائلهم الى ان جوهر ما قدمناه حتى الآن في هذه الموسوعة هو دراسة تأصيلية للمساجد من منظور جماليات المكان، امتدت من العمارة العربية قبل ظهور الاسلام لتشمل دراسة تاريخية لتطورها مع التركيز على الامتداد الجغرافي من الأندلس حتى الصين في كل مرحلة، وهو ما يعني عملياً بذل جهد مضاعف نظراً لاعتماد مجموعة من المناهج في الدراسة في آن، ثم عدنا بعد هذه الدراسة التي كانت أقرب الى مصافحة أولى لموضوع الموسوعة لنقدم دراسة تحليلية لعشرة من مكونات المساجد رأيناها الأكثر أهمية وجدارة بالتشريح، هي على التوالي بيت الصلاة، المنبر، المحراب، المئذنة، القبة، الصحن، الرواق، المرافق الصحية والميضأة، المقصورة، وأخيراً السد أو الدكة، كما يقال لها أحياناً. ويضيف قائلهم ان هذا الجهد استند على قاعدة نظرية جوهرها من ناحية محاولة التوصل الى فهم واضح ومبسط للمقصود بجماليات المكان كمنظور تناقش عمارة المساجد من خلاله، حيث تم الاعتماد على رؤية المهندس حسن فتحي في غمار مناقشته لفلسفة جماليات المكان الى جانب الاستعانة بدراسة جاستون باشلار المعروفة «جماليات المكان» وأطروحات يوري لوتمان عن المكان الفني ودراسات أ. مول وإ. رومير عن الحيز وجمالياته ثم في مرحلة تالية الاستعانة بمعطيات علم الجمال مع إشارة خاصة الى القيم الجمالية الاسلامية في السياق المعماري. من منظور أساتذتنا الكرام ان هذا الجهد النظري في محاولة التأصيل للدراسة ضروري ومهم، ولكنه ليس كافياً، لأنه في نهاية المطاف ظل تناول القيم الجمالية الاسلامية في السياق المعماري إشارة مهما كان قدر التفصيل فيها، وبقي القصور الأساسي في هذا الجهد التأصيلي هو انه لم يتم ربطه بشكل حقيقي بالنظرية الجمالية الاسلامية، على نحو ما تكاملت على أيدي عمالقة الفكر الاسلامي في زمن شموخ الحضارة الاسلامية، التي قدمت للدنيا العمارة، ومن بينها عمارة المساجد التي تشكل جماليات المكان فيها موضوع هذه الموسوعة. ويضيف هؤلاء الأساتذة الكرام انتقادات أخرى عديدة، لابد لي أن أقدم ثبتاً كاملاً بها مع نسبتها إليهم، ذات يوم، إذا قدر لهذا العمل أن يرى النور في صورة كتاب يتيح المجال للملاحق والملاحظات والاشارات واثبات الاعتراضات على المتون في الهوامش. أما الآن فلابد لنا من معالجة هذا الانتقاد المنهجي، بل ان شئت الدقة فقل لابد لنا من تأصيل معمق يربط جماليات المكان في ضوء معطيات النظرية الجمالية الاسلامية بما قدمه المعماريون المسلمون فملأ آفاق العالم القديم من الأندلس الى الصين، وهذا الربط يبدو لنا شديد الأهمية لأننا في هذا الجزء من الموسوعة سنناقش جانباً من جماليات المساجد سيبدو من دون انجاز هذا الربط بنجاح لغزاً يستعصي على الفهم، حيث سنناقش جهود المبدعين المسلمين في زخرفة المساجد وابداع حليها المعمارية. هنا نجد أنفسنا على الفور ـ إذا جاز لنا التشبيه ـ كما لو كنا نلج ذلك المسجد الجامع الذي سنعود اليه مراراً وتكراراً، وهو جامع السلطان حسن بالقلعة في القاهرة، فحين نعبر ذلك المدخل الصرحي الرائع سنجد أنفسنا بين يدي ما يشبه الردهة والذي يفضي بنا الى مجاز لابد لنا من اجتيازه، بطوله وضيقه وعتمته، قبل أن تصافح أعيننا من جديد النور، نور الصحن الذي يعكس روحانية فريدة واختلافاً مدهشاً عما تركناه وراءنا من فضاء دنيوي بعجيجه وغباره وهمومه. هكذا، إذن، نحن أمام خوض مجاز التعرف على ملامح النظرية الجمالية الاسلامية، قبل أن ينفتح الفضاء الفسيح أمامنا لدراسة موضوع هذا الجزء من الموسوعة، وهو زخرفة المساجد وحليها المعمارية. لكن هذا المجاز الذي نجد أنفسنا أمامه، تماماً كمجاز مسجد السلطان حسن، الذي لم يتردد الباحثان هنري وآن سترلان في كتابهما «روائع العالم الإسلامي» في وصفه بأنه «حصن إلهي»، ليس سهلاً ولا يسيراً ولا يفض أسراره بسهولة ولا يمنحها لكل عابر مار، وإنما عليك أن تقطف ثمار هذه الأسرار بعرق الجدارة والاستحقاق، فلنمض إذن في غمار محاولة عبور هذا المجاز الصعب. أود، بداية، أن يغفر لي القاريء أمرين، أولهما ان حبي القديم لمسجد السلطان حسن ومعرفتي الحميمة به قد أغرياني بأن أشبّه هذا التطرق الى النظرية الجمالية الاسلامية قبل خوض موضوعنا الأساسي، أي زخرفة المساجد وحليها المعمارية، بمجاز ذلك المسجد الجامع الفريد، الأمر الذي قد يوحي للقاريء بأننا أمام مهمة يسيرة سرعان ما ننجزها، بينما الواقع أننا في رحلة داخل الرحلة، وأحسب انها ليست بالرحلة القصيرة، وان كنت أعد بالايجاز فيها بقدر ما تسمح الضوابط الموضوعية. الأمر الثاني، الذي أتمنى أن يغتفره لي القاريء، هو انني سأسمح لنفسي بأن أبدأ من البداية ذاتها، كما يقولون، فأستهل الرحيل نحو النظرية الجمالية الاسلامية بالتطرق اللغوي الى المقصود بالجمال، في مجاراة للسلف الصالح، ونهجاً على ما جرى عليه أساتذتنا الكرام، فقد علمتني التجربة ـ المريرة غالباً ـ كم كان محقاً أستاذنا، المغفور له بإذن الله تعالى، د. حامد عبدالله ربيع وهو يستهل حديثه معنا عن الظواهر بمصافحة أولى، وضرورية، لأبعادها اللغوية، قبل المبادرة الى مواجهتها بمختلف مناهج البحث التي تناسبها. دعنا نتذكر ان محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي يلفت نظرنا في «مختار الصحاح» اى ان: «الجمال الحسن وقد جمل الرجل بالضم جمالاً فهو جميل والمرأة جميلة وجملاء أيضاً بالفتح والمد.. وجمله تجميلاً زينه والتجمل تكلف الجميل وتجمل أيضاً أي أكل الجميل وهو الشحم المذاب. قالت امرأة لابنتها: «تجملي وتعففي أي كلي الشحم واشربي العفافة وهي ما بقي في الضرع من اللبن». القاريء، بالطبع، مستدعى في هذا السياق الى ادراك الارتباط والترادف، الذي سيصحبنا على امتداد هذه الاطلالة بين الجمال والحسن، فها هو الرازي يسارع الى تذكيرنا بأن: «الحسن ضد القبح والجمع محاسن على غير قياس كأنه جمع محسن وقد حسن الشيء بالضم حسنا ورجل حسن وامرأة حسنة وقالوا امرأة حسناء.. وحسّن الشيء تحسيناً زينه. وأحسن اليه وبه وهو يحسن الشيء أي يعلمه ويستحسنه أي يعده حسناً. والحسنة ضد السيئة. والمحاسن ضد المساويء. إذا استقر ما تقدم، فإنه يبدو لنا جلياً انه لا سبيل الى فهم حقيقي للنظرية الجمالية الاسلامية ما لم نفهم حق الفهم المقصود بالجمال والحسن في القرآن الكريم. يقول الحق عز من قائل في الآيتين الخامسة والسادسة من سورة النحل: «والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون». ليس على المرء إلا القاء نظرة على الآية السادسة ليستقر في ذهنه ووجدانه اجتماع كل معاني الحسن والجمال فيها بوقعها المريح على الانسان وما تمنحه له من صفاء المتعة وراحة النفس. ولا يمكن للنظر ولا الذهن ولا الوجدان إلا التوقف في الآية الكريمة عند كلمة «تسرحون» بما تعكسه من زخم ودلالات، ففي اللغة العربية سرّح الشيء خرج عنه، وبالنسبة للشعر خلصه بعضه من بعض بالمشط ونحوه، وبذا نفهم كيف ان الجمال يعمل على اطلاق النفوس لتسرح في مدى رحب من الحرية والراحة والمتعة. والقرآن الكريم حافل بالدعوة الى تأمل جميل صنع الله تعالى، فلنقرأ في الآيات من الأولى الى السابعة من سورة الرحمن قول الحق عز من قائل: «الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان». هنا نرى بجلاء إشارة الى الحساب والتقدير الدقيق في بناء الكون الواسع وارتباطه بالله تعالى وإظهاراً لعظمة هذا الكون وتناسقه وجماله، والى قدرة مبدعه وجلاله. بهذا المعنى فإن الاسلام يعتبر أن موقع الأشياء الجميلة في الوجود كامن في آيات الله. والإنسان مدعو الى النظر في الحياة وما فيها والتأمل في الطبيعة والكون. وبالتوازي مع ذلك هناك أيضاً دعوة للاستمتاع بجمال الكون وكماله. هذا هو على وجه الدقة ما نجد في آيات كريمة لا حصر لها، فلنقرأ على سبيل المثال الآيات من الرابعة والعشرين الى الثانية والثلاثين، حيث يقول الحق عز من قائل: «فلينظر الإنسان إلى طعامه. أنّا صببنا الماء صباً. ثم شققنا الأرض شقاً. فأنبتنا فيها حباً. وعنباً وقضباً. وزيتوناً ونخلاً. وحدائق غلباً. وفاكهة وأباً. متاعاً لكم ولأنعامكم». وهذه الدعوة ذاتها تتكرر مرات عديدة الى النظر والتأمل في الطبيعة ومن ثم للاستمتاع بجمال الكون وكماله. ففي الآية الخامسة من سورة الملك نقرأ قوله سبحانه وتعالى: «ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح». هكذا تغدو السماء زينة للإنسان، حيث يتمتع برؤيتها ويرغب فيها ويسعى لمحبتها وذلك لوقوع جمالها في نفسه. ويلفت نظرنا على الفور ـ بحكم السياق الذي نهتم به وهو السياق المعماري ـ كيف ان الحق عز من قائل يختار في الآيات الكريمة التي أشرنا إليها وغيرها تثير صوراً ومعالم من أشياء الكون الرحب الكبير لتتحول الى مقاييس تلائم الكون، هكذا تصبح النجوم والكواكب الهائلة في السماء مصابيح صغيرة يمكن للإنسان التمتع بأنوارها، من دون أن يتصاغر أمام جمالها. ربما ليس من قبيل الصدفة قط ان العمارة الإسلامية على امتداد تاريخها الطويل حرصت على احتياز جزء من هذه السماء الرحيمة هو الصحن في المسجد والفناء في الدار ليتواصل هذا التأمل وهذا الاقتراب. ترى هل كان من قبيل الصدفة ان المهندس حسن فتحي لم يتردد في التأكيد ان العمارة الإسلامية في جوهرها احتياز للفراغ وتشكيل انساني لمكوناته. الادراك الجمالي يوجز الرسول، صلاة الله وسلامه عليه، جوهر الفهم الإسلامي للجمال في كلمات قلائل حين يقول: «إن الله جميل يحب الجمال». هكذا نجد أنفسنا أمام بعدين محددين، أولهما يشير الى حقيقة الجمال يختزله القسم الأول من الحديث الشريف، أما البعد الثاني فيلخصه الجزء الثاني من الحديث والذي يدعو الى حب الجمال بحكم كونه من محبة الله، وهذا الربط بين ادراك الجمال وحبه ليس صدفة، فشأن المحبة في الإسلام ـ كما نعلم جميعاً ـ شأن عظيم، فكل محبة إنما هي من محبة الله، المجردة من أي غاية غير رضاه، والامتثال لأمره. من هنا، على وجه الدقة، نبعت معاني الادراك الجمالي في الإسلام، ونتمنى ألا نكون قد عمدنا إلى التبسيط المخل، إذا قلنا ان هذه المعاني تنقسم إلى قسمين أساسيين: * القسم الأول يتناول إدراك الجمال الظاهر، أو بحسب التعبير المتداول في التقاليد الفكرية الإسلامية «جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس». وهذا التعبير عن التجربة الجمالية يثير دهشتنا بنضجه وأصالته إلى حد أننا نجد خطوطاً مشتركة كثيرة بينه وبين علم جمال الظاهريات الحديث، ولسوف نتعرض لهذا البعد تفصيلاً في موضع لاحق من دراستنا. * القسم الثاني يتعلق بإدراك الجمال الباطن، أو إن شئت الدقة فقل إنه يتناول جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة، كما يعبر الغزالي على نحو ما سنرى تفصيلاً في موضوع لاحق، ويلتقي هذا التعبير كذلك مع الادراك الجمالي الكلي، حيث الحقيقة والاعتقاد في الفنون يتمان بكل مدركات المعرفة، أي عن طريق «البصيرة الباطنية» حسب تعبير الغزالي أيضاً، وذلك لكون الأفعال يُدل عليها من الصفات التي هي في أساس خلفية الفاعل، وأحسن الصفات هي الصفات المقرّبة الى الله تعالى، لهذا فإن الادراك الجمالي الكلي لا يتم إلا بمعرفة الله، أي بعلم التوحيد. ربما لهذا بالضبط، وعلى نحو ما سنتطرق إليه تفصيلاً في موضوع لاحق من هذه الدراسة لا يتردد الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» في القول بوضوح ما بعده وضوح: «فمن رأى حسن تصنيف المصنف، وحسن شعر الشاعر، بل حسن نقش النقاش، وبناء البنّاء، انكشف له من هذه الأفعال صفاتها الجميلة الباطنة التي يرجع حاصلها من البحث إلى العلم والقدرة. ثم كلما كان المعلوم أشرف وأتم جمالاً وعظمة، كان العلم أشرف وأجمل، وكذا المقدور كلما كان أعظم رتبة وأجل منزلة، كانت القدرة عليه أجل مرتبة وأشرف قدراً، وأجل المعلومات هي معرفة الله تعالى، فلا جرم أحسن العلوم وأشرفها ما يفيد معرفة الله تعالى». وما نحسب ان هذه الاطلالة مفهوم الجمال إلا ناقصة أشد النقص وأعظمه، ما لم نبادر ولو بمجرد الاشارة السريعة الى الجمال، ومن ثم ارتباطه بالجلال، عند السالكين على الدرب من أهل الحقيقة. غير اننا نحار أين نبدأ معهم وأين ننتهي، فإن شئنا البدء بابن عربي، للفت نظرنا على الفور ربطه البليغ والعميق بين الجمال والجلال، حيث الجمال عنده نعوت الرحمة والالطاف من الحضرة الالهية، بينما الجلال نعوت القهر منها، وذلك أمر مفهوم عن تمعن في تأمل اجتهادات أهل الحقيقة، ذلك ان الجمال، بحسب الكاشي، هو تجلي الحق تعالى بوجهه لذاته، ذلك انه لجماله المطلق جلال، هو قهّاريته لكل عند تجليه بوجهه، فلم يبق أحد حتى يراه. وهو علو الجمال وله دنو يدنو به منا، وهو ظهوره من الكل. والكاشي يأبى إلا أن يوضح لنا ما قد يبدو لبعضنا غامضاً، فيذهب إلى إيضاح انه لجمال الحق تعالى جلال هو احتجابه بتعينات الأكوان. فلكل جمال جلال ووراء كل جلال جمال. ولما كان في الجلال ونعوته معنى الاحتجاب والعزة، لزمه العلو والقهر من الحضرة الالهية، والخضوع والهيبة منا. ولما كان في الجمال ونعوته معنى الدنو والسفور، لزمه اللطف والرحمة والعطف من الحضرة الالهية، والأنس منا. أما الجيلي فيوسع المعنى، ولذ نراه يضيق العبارة فيقول: جمال الله تعالى عبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى. ويتعرض التهانوي لجوانب شتى في مفهوم الجمال كما يراه الصوفية، فيبادر إلى إيضاح ان الجمال عبارة عن إلهام الغيب الذي يرد على قلب السالك. ويرد أيضاً بمعنى إظهار كمال المعشوق من العشق وطلب العاشق. والجمال الحقيقي صفة أزلية لله تعالى مشاهدة في ذاته أولاً مشاهدة علمية، فأراد أن يراه في صنعه مشاهدة عينية، فخلق العالم كمرآة شاهد فيه عين جماله عياناً. ويحدثنا الجرجاني بأن الجمال من الصفات ما يتعلق بالرضاء واللطف. ولا ينسى الهجويري أن يحدثنا فيوجز ويصيب بالقول ان الحسن بفتحتين ما يوافق الأمر. هذا الجمال بمعانيه المتعددة وبادراكه في التقاليد الفكرية الاسلامية ما كان يمكن إلا أن يتجلى في صقال مرآة العمارة الإسلامية، وبصفة خاصة في عمارة المساجد. ولست أريد تفصيل القول في هذا الشأن الآن، لكنني سأضرب مثالين محددين، يبتعد أحدهما عن الآخر، فيوغل كثيراً، في الزمان والمكان لكنهما يفصحان حقاً عن صحة ما ذهبنا إليه حالاً. المثال الأول، أو إن شئت فقل النموذج الأول، مأخوذ من خطط المقريزي، وقد كان الرجل من أبناء القاهرة، عارفاً لها، وعاشقاً مستهاماً بها، ومن ثم نراه يقول عن الجمال كما يتجلى في مبانيها في نص موجز، لكنه يستعصي على النسيان حقاً: «تحوي مصر والقاهرة من الجوامع، والمساجد، والربط، والمدارس، والزوايا، والدور العظيمة، والمساكن الجليلة، والمناظر البهيجة، والقصور الشامخة، والبساتين النضرة، والحمامات الفاخرة، والقياسر المعمور بأصناف الأنواع، والأسواق المملوءة مما تشتهي الأنفس، والخانات المشحونة بالواردين، والفنادق القاظة بالسكان، والترب التي تحكي القصور ما لا يمكن حصره، ولا نعرف ما هو قدره». وإذا كان من الممكن القول ان المقريزي يصدر في قوله هذا عن عشق لمسقط رأسه لا يدع مجالاً لرؤية العيوب، فلا ترى العين إلا جمالاً حيثما اتجهت، فدعنا نتذكر ان شيخه ومعلمه ابن خلدون الذي قدم من الأندلس وتونس الخضراء هو الذي قال عن القاهرة إنها حاضرة الدنيا وبستان الإسلام.أ ما المثال، أو النموذج الثاني، على تألق الجمال على صقال العمارة الإسلامية فيبادرنا به المقري في كتابه «نفح الطيب» حيث يفصل القول في وصف مجلس قصر الناصر في مدينة الزهراء بالأندلس، ويلفت النظر إلى ملمح فريد، حيث يقول: «وهذا المجلس في وسط صهريج (بركة) مملوءة بالزئبق، وكان في كل جانب من هذا المجلس ثمانية أبواب قد انعقدت على حنايا من العاج والأبنوس المرصع بالذهب وأصناف الجواهر، قامت على سواري من الرخام الملون، والبلور الصافي. وكانت الشمس تدخل على (تلك) الأبواب فيضرب شعاعها في صدر المجلس وحيطانه، فيصير من ذلك نور يأخذ الأبصار. وكان الناصر إذا أراد أن يفزع أحداً من أهل مجلسه، أومأ إلى صقالبته، فيحرك ذلك الزئبق، فيظهر في المجلس كلمعان البرق من النور، ويأخذ بمجامع القلوب، حتى يخيل لكل من في المجلس ان المحل قد طار بهم». دلالة الحائرين ذلك هو الجمال، إذن، الذي كان التعرف عليه بمثابة الخطوة الأولى في مجاز، نأمل أن يفضي بنا الى فضاء رحب نناقش تحت سمائه موضوع هذا الجزء الثالث من موسوعتنا، الذي يدور حول الزخرفة والحلى المعمارية كجزء من جماليات المكان في المساجد. لكن ذلك المجاز، كما سبق لنا القول، هو رحلة داخل الرحلة، ولما كنا نأمل ألا يطول بنا المضي عبر هذا المجاز فقد رأينا الاستعانة بخارطة نأمل أن نجد فيها دلالة الحائرين إلى الفضاء الرحب المضيء الذي نقصده. وهذه الخارطة، أو دلالة الحائرين كما نرجو، تضم الملامح التالية: 1ـ المستشرقون وموقفهم من الجماليات الإسلامية التي ظل جدلهم وفي أحيان كثيرة تخرصهم بشأنها مستمراً ربما حتى عام 1997 أي حتى سنوات قلائل خلت. 2ـ طبيعة النظرية الجمالية الإسلامية. 3ـ العمالقة الخمسة الذين تكاملت على أيديهم النظرية الجمالية الإسلامية. 4ـ الجماليات الأساسية كما تتجلى في العمارة الإسلامية. فلنبادر، إذن، إلى تأمل هذه الأبعاد الأربعة طويلاً، قبل أن نناقشها، فإن بدت لنا درباً طويلاً، فإننا لا نملك إلا أن ندعو بأن نكون من السالكين وإن طال الطريق، وقل الزاد. ولم لا ندعو بأن يكون هذا حظنا وقدرنا ومصيرنا؟ أليس يقول ابن عربي: «السالك هو الذي مشى على المقامات بحاله لا بعلمه فكان العلم له عيناً؟» ألا يعلمنا الكاشي أن: «السالك هو السائر إلى الله المتوسط بين المريد والمنتهى مادام في السير»؟ ألا يوضح لنا الجرجاني ان: «السالك هو الذي مشى على المقامات بحاله لا بعلمه وتصوره فكان العلم الحاصل له عينا يأبى من ورود الشبهة المضلة له»؟