الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 في ساعات ما بعد الظهر من احد ايام الثلاثاء الرطبة في بلدة ايرشتاين الفرنسية، كان الميجور هاتش قد انهى تناول غدائه في مركز الشرطة عندما تلقى مكالمة هاتفية، لم تكن ايرشتاين الواقعة في منطقة إلزاس الريفية، قد شهدت اية جريمة في الاشهر الاخيرة، ولكن في هذا اليوم الموافق السابع والعشرين من نوفمبر 2001، وجد اثنان من المتنزهين من كبار السن شيئاً في قناة قريبة متفرعة عن نهر الراين، كان الوقت قد اوشك على الغروب والصيادون بدأوا يوضبون اغراضهم عندما شاهد المتنزهان وميضاً فضياً لمعدن في الماء. وبتحريك ذلك الشيء المتلأليء ذهلوا عندما عثروا على وعاء فضي استخدم قبل 500 عام في القداسات الدينية. وبعد ان احضروا قارباً، قاموا بانتشال كنوز اخرى من الذهب والفضة والخزف. وعلى الفور ابلغ الاثنان مركز الشرطة المحلي. تسير القناة ببطء عند تلك النقطة ولأنها مغطاة بأشجار الحور، فإنها تعتبر مكان التقاء مثالياً للعشاق. كان هاتش يتوقع ان يجد جثة مع الوعاء الديني في القناة، وقال متنهداً: يفضل ان نرى ماذا يوجد هناك ايضا في الاسفل، وبعد يومين، تمكن رجال الضفادع التابعون للشرطة من انتشال تحف ثمينة بلغ عددها الاجمالي 100 قطعة. وفي وقت لاحق تم العثور على سجادة منسوجة يدوياً، اطلق عليها لاحقاً من قبل وسائل الاعلام الفرنسية اسم «سجادة غوبلين» «نوع من السجاد الباريسي» وكانت قيمة جداً، ولانه لم يعرف ماذا سيفعل بالكنوز هذه، فقد اودعها هاتش في مركز الشرطة حيث ظلت خلف القضبان. احد الرقباء العاملين في الخدمة طلب من كاهن البلدة ان يمده بالنصيحة، ولكن الكاهن كلود وينكلر القى نظرة واحدة على الوعاء الديني وصرح قائلا: ان هذه القضية تتجاوز قدرتنا على الفهم. التقدم في التحقيق بخصوص القضية كان يسير بوتيرة بطيئة، ولم يتم تنفيذ اية اعتقالات عندما قام هاتش بعد اسبوعين بتفتيش القناة من جديد، فتم انتشال سبع قطع اخرى من بينها نشاب من القرن السابع عشر وسوط من جلد غير مدبوغ ونظراً لان الغنيمة قد تم العثور عليها بالقرب من بلدة ايرشتاين فإن التحقيقات كانت تتم تحت الاشراف القضائي لسلطات تلك البلدة. ولكن بحلول نهاية يناير 2002، ادرك هاتش الذي احرج من «لغز القناة» ان الامر لن يبقى مسألة محلية وهكذا كان، فقد ارسل مقر الشرطة المركزي في ستراسبورغ جاك باستيان، وهو خبير تحف له صلات بفرقة التزوير والتزييف في المدينة، وعندما شاهد باستيان القطع الـ 107 مرمية وغير مؤمنة وربما متضررة في المركز، احتج بشدة على قائد الشرطة قائلاً: ميجور هاتش انت مجنون! هذه فضيحة! اثار التلف ما كان يمكن لتلك الاشياء ان تكون قد امضت وقتاً طويلاً في الماء، إلا انه لم يظهر عليها آثار التلف، وكان معظم تلك القطع التي قيمت بما يتراوح بين 6 ـ 7 ملايين جنيه استرليني، من القرنين السادس عشر والسابع عشر، واصلت الشرطة تحقيقاتها بينما تم استدعاء المؤرخين والمرممين لتقديم يد المساعدة، كانت المجموعة مختارة بعناية، ولكن كيف تمت سرقتها؟ ولماذا يتم دفن مثل هذه الكنوز في قناة مائية؟ تعتبر الزاس التي عثر فيها على الكنوز، مقاطعة حدودية شرقي فرنسا، وفي هذه المقاطعة تقع قرية نائية اسمها اشنتزويلر. يعمل جميع سكان هذه القرية البالغ عددهم 950 فرداً في سويسرا، فالرواتب افضل هناك والحدود لا تبعد سوى اقل من 20 دقيقة بالسيارة. وفي احد منازل تلك القرية عاش فرنسي يدعى ستيفان بريتوايزر لمدة خمسة اعوام مع صديقته آن كاثرين كلاينكلاوس ووالدته ميريل ستنجل، كانت كلاينكلاوس ممرضة مسجلة في مستشفى مدينة مولهاوس الرئيسي بينما كان يعمل بريتوايزر ووالدته عبر الحدود. فستنجل كانت موظفة في عيادة ببازل فقد كانت تعمل ممرضة هي الاخرى، وكان ابنها يعمل نادلاً ومساعداً في المطبخ، وفي كل يوم كانوا يسافرون عبر الراين الى سويسرا، وكان بريتوايزر الكفء والمجد مكسباً لفندق بازل حيث كان يعد البطاطا ويقدم المشروبات للسياح بصورة جيدة. وفي اوقات فراغه، كان يزور المتاحف والمعارض والمزادات، وكان يبيع ويشتري بما يكسبه اشياء صغيرة، فهو وان كان يحمل مؤهلاً في الادارة السياحية، إلا ان عشقه الحقيقي كان للفن. دللته امه التي طلقت من والده وهو في سن صغيرة واغدقت عليه المال وتحملت مزاجه السييء. ولكن حبه للتحف الفنية دفعه الى سرقة اشياء صغيرة مما يخف حمله من صالات العرض. تطورت الحالة بعد ذلك مع بريتوايزر وبدأ يسرق اشياء اكبر من المتاحف، ووجد في ذلك متعة كبيرة، وفي الاوقات التي كان لا يسرق فيها، كان ينتابه شعور بالفراغ يجعله عليلاً. وقد تفاخر فيما بعد عقب القاء القبض عليه بأنه كان يسرق في وضح النهار بدون اقتحام للمكان وفي ساعات الزيارة. وهكذا انتهت قصة هذا اللص الذي كان يسرق للمتعة وليس من اجل المال والثروة. ضرار عمير