الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 دفعت المخاوف التي تتملك عدداً كبيراً من دول العالم من ظاهرة الاحتباس الحراري والنتائج الوخيمة التي يمكن ان يسببها اهمال معالجة هذه الظاهرة المناخية الخطيرة حكومات كثيرة في مختلف ارجاء العالم الى البحث عن بديل لانواع الوقود غير النظيفة التي اعتمدت عليها بلدان العالم طوال الاعوام الطويلة الماضية. ولاشك ان الامر بدا تحديا صعباً يتطلب بذل طاقات غير عادية لاسيما في ضوء تلاشي الامل في الاعتماد على محطات الطاقة النووية التقليدية التي كان ينظر اليها في السابق على انها العلاج الرئيسي والشامل لازمة الطاقة في العالم، فقد بددت المخاوف المتعلقة بالنفايات النووية والحوادث المرتبطة بالاعتماد على هذه الطاقة الآمال المعقودة عليها واثرت سلباً على عزم الحكومات على اللجوء اليها كبديل محتمل. فضلاً عن ذلك لاتزال الشكوك تحيط بقدرة الطاقة المتجددة ان توفر اكثر من مصدر ثانوي للطاقة في العالم. لذا كان السعي وراء الاعتماد على استغلال مصدر طاقة النجوم، وهو المشروع الذي يعكف العلماء الاوروبيون حالياً على بلورته والوصول الى مراحل متقدمة منه بغية الاستفادة من هذه الطاقة كمصدر نظيف يعتمد عليه في مجال توليد الطاقة. هذا السعي ليس حديثا بأي حال من الاحوال، حيث يعكف عليه العلماء منذ اكثر من 50 عاماً بهدف الاستفادة من عملية الاندماج النووي، تلك العملية التي تساعد الشمس والنجوم على الاحتفاظ بقواها الاضائية منذ مليارات السنين، حيث اصبح هذا الهدف هو الشغل الشاغل للعلماء بصفته الوسيلة الوحيدة في حال تحقيقه لعلاج ازمة الطاقة عالمياً. فمن الناحية العلمية تكون ذرات الهيدروجين الموجودة بشكل لامتناه في مياه البحار الوقود الاساسي لهذه الطاقة ويؤدي تسخين تلك الذرات الى مستوى عال يسمح بتفكيكها الى تكون بلازما او مادة عالية التأين بها اعداد متساوية من النويات الذرية المؤينة والالكترونات الطليقة، وعند القيام برفع درجة الحرارة الى مستويات اعلى بعد تكون البلازما يحدث اندماج قوى للنويات مما يؤدي الى انبعاث كميات رهيبة وضخمة للغاية من الطاقة، الى درجة ان الكيلوغرام الواحد من الوقود الناتج من عملية الاندماج يحتوي على كمية طاقة تعادل تلك المستمدة من 8 الاف طن من النفط. وتكمن المشكلة في هذه العملية في الوصول والمحافظة على درجة الحرارة اللازمة لاحداث الاندماج، حيث ينبغي الوصول الى مليون درجة مئوية او اكثر حيث يتأتى حدوث الاندماج. وبعد اعوام بل عقود من الفشل والانتكاسات والاحباطات يعتقد العلماء انهم في النهاية ربما اصبحوا على وشك الوصول الى مبتغاهم. مصدر الثقة التي تملأ هؤلاء العلماء حاليا ينبع من الانجازات التي تحققت في مشروع «غيت» الخاص بالاندماج النووي والذي تحوله عدد من الدول الاوروبية ويتم تنفيذه في مدينة كولهام بالقرب من اكسفورد، فمنذ اواخر السبعينيات يعكف العلماء في هذا المشروع على العمل على احداث اندماج نووي فيما اطلقوا عليها آلة «توكاماك» وهي كلمة روسية تعني «الزجاجة السحرية» داخل هذه الزجاجة يتم وضع عدد من البلازمات والحفاظ على وضعها عن طريق تفعيل مجالات مغناطيسية مكثفة تم القيام بتسخينها برفع درجة حرارتها الى مليون درجة مئوية باستخدام اشعة من موجات لاسلكية مشعة موجهة بدقة كبيرة وكذلك جزئيات سريعة الحركة. في عام 1997، اعلن القائمون على مشروع غيت ان الزجاجة السحرية استطاعت ان تولد طاقة تبلغ 16 ميجاوات وهي الطاقة التي يمكنها اضاءة مدينة بالكامل، ولكن كان هناك سلبية كبيرة من هذا الكشف العلمي تمثلت في ان آلة الصهر تلك تحتاج كي تواصل عملها الى تقريباً ضعف الطاقة التي قامت بتوليدها. لذا كان الكشف خالياً من اي قيمة اقتصادية لانه اذا كان الهدف هو ان تتحول هذه الطاقة الى مصدر بديل، فإن حجم الطاقة المولد من هذه الآلة يجب ان يكون اكثر بكثير من الطاقة اللازمة لتشغيل الآلة نفسها. ويعتقد العلماء انهم قد توصلوا الآن الى الوسيلة التي تمكنهم من الحصول على تلك النتيجة وجاء هذا الاعتقاد في اعقاب اعلان خبراء اميركيين في مجال الاندماج النووي عزمهم على التعاون مع علماء أوروبا وروسيا واليابان وكندا لانشاء ما يطلق عليه المفاعل النووي الحراري التجريبي، وهو أول آلة من نوعها لاحراق البلازما. ويعد هذا المفاعل بالفعل مشروعاً ضخماً فريداً من نوعه وتكلفته وكذلك في حجمه، فعند اكتماله بحلول عام 2018 تقريباً كما يخطط هؤلاء العلماء سوف يبلغ طوله تقريبا طول مبنى مكون من 10 طوابق وسيتكلف انشاؤه حوالي ثلاثة مليارات جنيه استرليني ومنطقياً يعد هذا الحجم وهذه التكلفة مناسبة لأي آلة يمكن ان يتوقع منها الحصول على مصدر طاقة اضاءة النجوم وتوصيله الى الارض. وعلى الرغم من اجماع معظم العلماء على فعالية المشروع، كانت هناك حتى فترة وجيزة شكوك حقيقية فيما يتعلق بقدرة هذا المفاعل على تحقيق الهدف المرجو منه، فقد انسحبت اميركا عام 1995 من الاقدام على بناء نسخة مماثلة للمفاعل الذي يخطط لبنائه حالياً بل كانت تفوقه في الحجم بمقدار الضعف، مدعية انه لا يمكنه تحقيق المراد وتتمركز هذه الشكوك حول الطريقة التي تتحرك بها البلازما داخل هذا القدر الهائل من الحرارة اللازمة لاحداث عملية الانصهار، حيث يحدث تقلب وتناثر للبلازما داخل الآلة على الرغم من محاولة تثبيتها عن طريق المجال المغناطيسي. ويقول البروفيسور ستيف كولي، خبير الاندماج النووي من جامعة امبريال بلندن، ان هذا التحرك وعدم الثبات يؤدي الى هروب الحرارة من البلازما بسرعة شديدة ومن اجل التغلب على هذا الامر يجب ان تكون آلات الاندماج كبيرة بالقدر الذي يؤدي الى زيادة مساحة الوقت الذي تحتاجه الحرارة للهروب والتسرب من البلازما. ويعتقد البروفيسور ان الحجم المطلوب لمثل تلك الالات ربما يصل الى درجة من الضخامة يصعب معها تنفيذ المشروع، وهو الامر الذي القى بظلال سيئة على مستقبل المشروع برمته. لكن هذه الظلال بدأت في الانقشاع مرة اخرى مؤخراً عندما اعلن الباحثون في مشروع «غيت» انهم وصلوا الى طريقة مبتكرة باستخدام الموجات اللاسلكية والمجالات المغناطيسية للسيطرة على حركة البلازما، ولكن على الرغم من ذلك بقيت بعض المخاوف المتعلقة في قدرة المفاعل على انتاج طاقة تزيد 10 مرات على الطاقة التي يستهلكها الامر الذي دفع البعض الى التفكير في بناء نماذج اخرى من هذا المفاعل تكون لها القدرة المشار اليها آنفاً. ولكن حتى لو نجح مشروع المفاعل على المستوى العلمي فإن الصورة لم تتضح بعد، فيما يتعلق بإمكانية نجاحه اقتصادياً لاسيما وان الانتهاء منه لايزال امراً لن يتحقق قبل 20 عاماً. فعلماء البيئة يشيرون الى التكلفة غير المعروفة بعد والخاصة بعملية الصيانة اللازمة لمثل تلك المفاعلات ووسائل السيطرة على نفاياتها النووية والاشعاعية. وفي الوقت نفسه يرى المناصرون للمشروع ان النفايات المتعلقة بهذا النوع من الطاقة ابسط بكثير مما ينتج عن المصادر الاخرى ويؤكدون ان هذه المفاعلات ستكون ناجحة جداً من الناحية الاقتصادية. لذا ومع هذا التضارب في الآراء يبقى اليقين امراً بعيد المنال في هذه القضية الشائكة التي لن يحسمها إلا القيام بالتجارب اللازمة وبناء المفاعل المذكور، ووقتها فقط يمكن حسم القضية.