الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 قبل عام مضى، كان بركان جبل إتنا في صقلية على موعد مع الانفجار. كان ذلك في وضح النهار والشمس محجوبة من السحب والسماء تتشح بلون أصفر قاتم يميل إلى الرمادي. واحتشد عدد قليل من الاشخاص لمشاهدة هذا الحدث في نطاق الحصار الذي ضربته الشرطة على المكان حرصاً على ارواح الناس. وظل عدد آخر داخل سياراتهم لكي يكون بالامكان الفرار سريعاً من المكان اذا اقتضت الضرورة. وفي طرف المكان، كان هناك رجل يبيع القهوة والبسكويت المحلي في كشك نصبه لهذا الغرض. غير ان قرقرة البطون ضاعت وسط صوت هدير الارض العالي، ولم يعد لاحد من الموجودين شهية للأكل. وتمازح بعضهم بالقول إنه اذا ما قدر للحمم البركانية ان تزحف إليهم، فعلى الاقل قد يكون هناك وقت لطلب قدح قهوة اسبريسو مضاعف قبل ان يغادر المرء هذه الحياة. وعلى ارتفاع مئات الامتار عن الموقع، كان عمودان هائلان ينطلقان من البركان وينفثان الرماد فوق صقلية وكان الدخان يسير مثل الامواج المتلاحقة والارض تهتز اهتزازاً خفيفاً. وبدا وكأن العالم كله يتحرك. اما الرماد، فقد تساقط مثل المطر الاسود مصدراً صوتاً يشبه صوت حبات المطر وهي ترتطم باشجار الصنوبر والعرعر. ومن وقت لآخر، كانت الريح الساخنة بشكل غير طبيعي تهب على المكان وكأنها تهرب من القمة إلى بر الامان. وفي ابعد نقطة عن الكشك، وقفت ثلة من علماء البراكين الهواة تسجل الملاحظات باهتمام بالغ. كانوا خليطاً من مختلف الجنسيات ومع اختلاف لغاتهم. الا انهم كانوا قادرين على ان يتفاهموا بلغة الجيولوجيا والحسابات المتعلقة بالبراكين. احساس الهلاك وعلى امتداد الوف السنين، صبغ بركان «اتنا» كل شيء حوله باحساس الهلاك، كان سيبدو من النوع الميلودرامي لولا التهديد الحقيقي الذي تشكله الثورات المنتظمة للبركان. والقرى الصغيرة الواقعة عند سفحه تعتمد على التربة الخصبة من اجل نجاح محاصيلها من العنب والمشمس واللوز، ولكنها تخضع ايضاً للاغراق والازالة. ففي عام 1971، ادى ثوران البركان إلى تدمير المرصد الذي بني لاصدار تحذيرات بثوران البركان. وفي عام 1992، طمر جزء من بلدة زافيرانا اتنيا. وفي عام 2001، جاء الدور على بلدة سابنزا. تعتبر كتانيا أقرب مدينة كبيرة لبركان إتنا، وباعتبارها مدينة مبنية من حجر البازلت البركاني، فانها تخضع لهيمنة البركان مادياً واقتصادياً. وهذه المدينة التي كانت ميناءً كبيراً ذات يوم، باتت شوارعها الكئيبة فريسة سهلة للمافيا، وسكانها يعتمدون الآن في كسب عيشهم على السياحة التي يجلبها بركان «اتنا». وبين الفينة والاخرى، يذكر اتنا المدينة بمن هو المسيطر وكأنه يقدم درساً في الكبرياء. ففي عام 1669، دمر المكان بالكامل، واحيطت قلعته بخندق من الضخور الذائبة ويبدو من الملائم ان تتحصن المافيا هنا. فهو مكان للانشطة الشريرة التي تنفذ بوسائل عنيفة. وبينما كان الجميع يتطلع بانبهار لما يجرى فوق الجبل، برز رجل فرنسي على نحو مفاجيء من وسط الضباب الدخاني المتشكل حولهم. كان وجهه ملطخاً بالسخام والعرق يجهده، فقد عاد لتوه من موقع يطل على نهر الحمم المتدفق عبر الشارع على بعد كيلو مترين من الطوق الذي تفرضه الشرطة على المكان. اخبر الفرنسي الجميع ان هناك موقعاً افضل لمشاهدة الحمم البركانية المتدفقة يقع على الجانب الآخر من الجبل. وضب الجميع اغراضهم واتجهوا نحو السفوح المؤدية إلى بلدة أدرانو الواقعة على المنحدرات الغربية لجبل اتنا. وعلى بعد بضعة كيلو مترات عن بلدة سابنزا، صادفهم طوق امني آخر، ولكنه كان اكثر ترتيباً من الاول. الجميع هنا احتشدوا لمشاهدة الشمس وهي تغرب خلف اعمدة الرماد وتصبغها باللون الاحمر المائل إلى البني. اعمدة الرماد ومع انحسار الشمس، ذابت اعمدة الرماد في الظلام تاركة بقعاً ساطعة هنا وهناك مع تشقق نهر الحمم كاشفاً عن باطنه الملتهب. يعتبر الدافع البشري للسيطرة على الطبيعة واضحاً وايجابياً بل وضرورياً في حالة البراكين. فملايين الاشخاص يعيشون في ظل الجبال البركانية، ومعظمهم من المزارعين الفقراء، الذين يعتمدون على التربة البركانية الخصبة في زراعاتهم. وقد جعل تطور تقنيات التنبؤ باندلاع البراكين امراً ممكناً إلى حد بعيد. فباستخدام تقنيات الاقمار الصناعية، استطاع علماء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا. مؤخراً، ان يلتقطوا النشاط البركاني في اربعة براكين بجبال الانديز. ومع ذلك، فإن علم دراسة الثورات البركانية لا يزال غير مفهوم بالكامل، ولا يزال هناك الكثير من العمل الذي ينبغي انجازه. ولكن العلم نفسه لا يمكنه ان يضمن الامان والسلامة خاصة وان العديد من البراكين تقع في مناطق ذات موارد اقتصادية ضئيلة. لا توجد سجلات تذكر عدد الاشخاص الذين دفنوا تحت حمم بركان إتنا، ولكن لابد انهم كانوا كثيري العدد، فالبركان ينشط كل بضع سنوات منذ بدأت سجلات التاريخ المكتوبة. فقد كتب بندار، اول وصف له في عام 475 قبل الميلاد. وشهد فيرجيل ثورة بركانية اخرى وقال انها الانفاس المحترقة للجبار انكيلادوس وهو يحاول ان يخلص نفسه من السجن الذي وضعه فيه زيوس تحت الارض.