الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 قبل عشرين عاماً وفي كهف فوق جرف بالقرب من لوس انجلوس، شق فرخ نسر أميركي طريقه الى خارج البيضة. وبينما كان يتخلص مما تبقى من القشرة، وتقوم أمه باحتضانه بدفء، لم يكن ليخطر على بال أي منهما ان فصيلتهما على وشك الانقراض، وانهما سيتجوان مع ما تبقى من نسور الفصيلة نفسها والبالغ عددها 25 نسراً الى العيش في الأسر. كانت سنوات الثمانينيات وقتاً عصيباً بالنسبة للنسر الكاليفورني، فأعداده كانت في انخفاض من تأثير الزحف الاستيطاني البشري، مما حمل علماء البيئة على الرجوع عن خططهم الأولية الرامية الى محاولة الحفاظ على أعداد النسور في البرية، وهكذا ناشدت مصلحة الثروة السمكية والحياة البرية الاميركية دائرة الثروة السمكية والصيد في كاليفورنيا ان تسمح لها باحضار ما تبقى من النسور لبرنامج تكثير لاعدادها. وهاجم النقاد هذه الخطوة، وحجتهم في ذلك ان الطيور ستفقد طبيعتها البرية الى الابد، ولكنها اعتبرت الطريقة الوحيدة لانقاذ النسر الكاليفورني. وبحلول عام 1987 تم الامساك بآخر نسر يطير بحرية في السماء وأُخذ الى حديقة سان دييغو للحيوانات البرية التي ستقوم بادارة البرنامج الى جانب حديقة الحيوان في لوس انجلوس. يبدو ان القرار كان قراراً صائباً حيث هناك الآن حوالي 200 نسر، نصفها يعيش في البرية، وفي الربيع الماضي تزاوج بعضها. ويبدو وكأن دعاة المحافظة على الحياة البرية قد نجحوا في القيام بما قال عنه الكثيرون انه أمر مستحيل، فقد أنقذوا نسر كاليفورنيا. ومن وجهة النظر الوراثية على الأقل، فإن برنامج الانعاش كان ناجحاً تماماً بانتاجه حلقة وراثية متنوعة قدر الامكان مع الأخذ بعين الاعتبار العدد الذي بدأ به المشروع وهو 27 نسراً، ولكن شأن العديد من الحيوانات فإن جوهر النسر لا يمكن فقط في مورثاته وإنما ايضاً في السلوكيات التي تتناقلها الأجيال من الطيور الأكبر سناً والأكثر خبرة الى الطيور الأصغر. وهذه «الثقافة النسرية» تعتبر أكثر غموضاً من مورثاتها وأصعب في الحفاظ عليها. وهي ضرورية للطير إذا ما أراد ان يبقى على قيد الحياة في البرية. وإذا كان المشروع قد علّم دعاة الحفاظ على البيئة البرية شيئاً فإن ذلك الشيء هو ان الحيوانات التي تربت في الأسر لا يمكن ان تكون برية من جديد ما لم تستعد عاداتها المكتسبة وكذلك سلوكها المبرمج وراثياً. وكان العاملون على المشروع مدركين لذلك منذ البداية.. يقول منسق البرنامج بروس بالمر ان «الوراثة كانت مجرد جانب من التحدي الخاص ببرنامج المحافظة على الطيور. إن هذه الطيور اجتماعية للغاية وذكية وإذا ما راقبتها وهي تتفاعل مع بعضها البعض، فإنك سترى انها تدرس وتتعلم من بعضها بعضاً طوال الوقت، وبينما كانت تلك الطيور في الأسر، كان الهدف هو تشجيع هذا التدفق في المعلومات بين الطيور، ولكن في الوقت نفسه، منعها من تعلم خدع جديدة من آسريها. ويقول قائد الفريق مايك والاس من جمعية حدائق الحيوان في سان دييغو: «لم يكن باستطاعتنا ان نجعل الطيور تتفاعل مع البشر وتدرس سلوكنا إذا كنا نريد لها ان تحظى بفرصة ان تصبح برية من جديد». انعدام التفاعل غير ان انعدام التفاعل مع البشر أوجد تعقيدات وبخاصة في البداية. من المعروف ان نسور كاليفورنيا تضع بيضة واحدة في السنة، ولكن والاس عرف من خبرته السابقة في تكثير نسور الانديز في البيرو انك عندما تأخذ البيضة الأولى وتحضنها صناعياً، فإن الزوجين سيقومان على الأرجح بوضع بيضة أخرى بعد ذلك بوقت قصير ويتصرفان وكأن شيئاً لم يكن ولكن المشكلة كانت تكمن في كيفية اطعام ذلك الفرخ الأول باليد بدون أي اتصال مباشر مع الانسان. وكانت الحيلة في التعامل مع الفرخ هي استخدام دمى تشبه رؤوس النسور، وهذه الدمى لم تقم باطعام الفراخ فحسب وإنما خدمت ايضاً هدفاً نفسياً. ويقول مايك كلارك المخضرم في استخدام دمى النسور ان «الدمى اعطت الطيور الصغيرة صورة نسر كبير لكي تركز عليها». ومع ترعرع الفراخ، تم حرمانها من أي فرصة لمراقبة البشر. ولفترة قصيرة في بداية المشروع، تم تعريض الفراخ لظروف قاسية حيث كان العاملون يدخلون اليها ويضايقونها، ولكن هذا الأمر توقف خوفاً من تأثيره على سلاح الطيور والعاملين. وفي ظل انتاج الكثير من الازواج فرخين في العام، ازدادت اعدادها باضطراد وبحلول عام 1992، شعر الفريق بأنه قد حان الوقت لاطلاق سراح بعض منها لم تكن النتائج جيدة. فمن بين الطيرين اللذين أطلق سراحهما في البداية، مات الأول بعد ابتلاعه لمادة مضادة للتجمد وكان لابد من اعادة الامساك بالآخر لأنه كان يواصل اللعب مع الموت بهبوطه على أعمدة وأسلاك الكهرباء ذات الفولتية العالية. ولكن الفريق لم ينزعج من فشله الأول وقام باطلاق سراح ستة طيور اخرى في أواخر عام 1992، وجميعها تربى في الأسر. وكانت النتيجة ان مات ثلاثة منها وتم اعادة الثلاثة الأخرى الى الأسر بسبب أسلوبها الخطر في الهبوط على أسلاك الكهرباء ذات الفولتية العالية. ومع نهاية عام 1993 تم اطلاق المزيد من الطيور ولكن في مناطق بعيدة عن أعمدة الكهرباء وأسلاك الضغط العالي هذه المرة، ولكن ذلك لم يحدث فرقاً فقد وجدت طريقها في النهاية الى المناطق المدنية، ومجدداً أعيد اصطياد تلك التي بقيت على قيد الحياة.. وفي النهاية توصل المشرفون الى وسيلة تمنع هذه الطيور من الوقوع ضحية لصدمات الكهرباء وذلك بتعليمها الابتعاد عنها في الأسر ومن ثم اطلاقها، وهكذا نجحت جهودهم وبات بالامكان اطلاق سراح المزيد من الطيور في البرية بسلام. ضرار عمير