الخميس 25 شعبان 1423 هـ الموافق 31 أكتوبر 2002 على جزيرة سان توماس الكاريبية المشبعة بالشمس، ينمو نبات يعرفه السكان المحليون باسم «الشجرة السائحة» لأن لحاءها يتقشر في اضلاع طويلة شاحبة اللون مثل التقليمات التي تظهر على بشرة السياح المصطافين عندما يحترق جلدهم مثل رقائق البطاطس. والحقيقة المؤسفة ان البعض منا غير مجهز فيزيولوجيا للتعامل مع اشعة الشمس، حتى لفترات قصيرة. لكن كيف استطاع تاريخ التطور البشري أن يقوم بمثل هذه الحيلة المعقدة الخطرة؟ لطالما افترض العلماء منذ زمن بأن الاصبغة الموجودة في جلدنا تحمينا من الشمس. ويبدو الامر واضحا، نظرا لانك كلما اقتربت من خط الاستواء، تجد لون بشرة السكان المحليين اكثر اسمراراً. وقد تعززت هذه القناعة باكتشاف صلة بين الاشعة فوق البنفسجية والسرطان. لكن اذا كانت البشرة الداكنة ميزة كبيرة الى هذا الحد، لماذا لم نخلق جميعا ببشرة داكنة قدر الامكان؟ هذا السؤال حير الخبراء طيلة عقود وظهرت فيها تفسيرات عديدة تراوحت من الاشارة الى ان الذكور يفضلون النساء ذوات البشرة الافتح الى فكرة ان الافتقار الى اشعة الشمس في المناطق البعيدة من خط الاستواء يتسبب في شحوب لون البشرة، بالطريقة نفسها التي فقدت فيها الحيوانات التي تعيش في الكهوف الوانها. لكن ايا من تلك التفسيرات لم يكن مقنعا تماما. اما الآن فتعتقد نينا جابلونسكي في اكاديمية كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو انها وجدت الاجابة المقنعة. اذ تقول ان «لون البشرة ليس نتيجة علاقة وحيدة مباشرة بين الاشعة فوق البنفسجية والميلانين (صباغ الجلد). انه جملة معقدة من الوظائف المتضاربة. وبعبارة اخرى ان البشرة السمراء لها فوائدها، لكن هناك فوائد ايضا للبشرة الفاتحة. والتنوع الكبير في الاصبغة البشرية ما هو إلا نتيجة صراع بين قوى متضادة في محاباة السمار والبياض. الحماية من الحروق بدأت القصة قبل ملايين السنين عندما بدأ الأوائل بالتجوال في السهول العارية بالمناطق الاستوائية، حيث احتاج الانسان لبشرة سمراء لحمايته من حروق الشمس التي تعيق عملية التعرق الحيوية لبقائه، وليمرر بعد ذلك مورثات الصباغ الجديد الى الاجيال التالية. لكن جابلونسكي تعتقد ايضا ان السبب الرئيس وراء اكتساب الإنسان اللون الاسمر هو منع تفكك مادة مغذية اساسية تعرف بالفولات، تنتمي لعائلة فيتامين «بي كومبليكس» وتشتهر اكثر باسم أحد اشكالها الفرعية حمض الفوليك. يلعب حمض الفوليك دوراً حاسما في نمو الانبوب العصبي الجنيني ذلك ان انخفاض مستوياته تحت المعدل الطبيعي يمكن ان يؤدي الى اضطرابات عصبية خطيرة تتراوح من تشوه «سبينا بيفيدا» (العمود الفقري المشقوق) الى عدم اكتمال نمو الدماغ الجمجمة. كما ان الفولات تلعب دورا مهما في الاجهزة البيولوجية المتصلة بانقسام الخلايا مثل انتاج النطاف والدم، لذلك فإن نقص هذا العنصر المغذي يمكن ان يؤدي لخفض خصوبة الذكور. وتقول جابلونسكي إن «الصلة الخفية تكمن في ان الفولات مادة حيوية بيولوجياً وحساسة للاشعة فوق البنفسجية في ذات الوقت. وتستشهد ببحث قام به لورنزو بوتو من مركز السيطرة على الامراض في اطلنطا، اظهر ان جزئيات الفولات تتفكك عندما يتعرض الجسم للاشعة فوق البنفسجية ذات الامواج الطويلة. ومن الواضح ان اسلافنا الذين عاشوا في السهول الاستوائية كانوا بحاجة ماسة لعامل يحميهم من وطأة اشعة الشمس في العراء. وهنا جاء دور الميلانين، وهو مركب من جزئيات ضخمة مكون في حلقات كربونية وبروتينات متداخلة، يتميز بقدرته على امتصاص وتبديد الاشعة فوق البنفسجية. ونحن جميعا نمتلك تقريبا عدد الخلايا المنتجة للميلانين نفسه، لكن كمية الميلانين التي تحتوي عليها تلك الخلايا يمكن ان تتراوح بين عرق وآخر. وعلى سبيل المثال فإن كمية الميلانين في اجسام الافارقة ذوي البشرة السمراء الداكنة يمكن ان تصل الى 43 ضعف كميات الميلانين في اجسام العرق القوقازي الابيض. وقد اثبتت جابلونسكي مؤخراً وجود صلة بين الاصطباغ البشرة ومستوى التعرض للاشعة فوق البنفسجية. لكن دراستها تشير الى ان الهدف في وجود الميلانين يقتصر على حماية البشرة من حروق الشمس، بل يتعدى ذلك ليشمل حماية الانسان في نقص مادة الفولات. وتعاونت جابلونسكي مع جورج تشابلين المتخصص في انظمة المعلومات الجغرافية بجامعة مانشستر متروبليتان، حيث قاما باستخدام صور التقطتها وكالة ناسا بالأقمار الصناعية لمسح كثافة الاشعة فوق البنفسجية في انحاء الكرة الارضية، وتحليل قواعد بيانات 85 مجموعة بشرية اصلية لتمثيل لون البشرة. وكما هو متوقع ظهرت علاقة قوية بين الاشعة فوق البنفسجية ولون البشرة. لكن بالنظر عن كثب للتقلبات الموسمية في كثافة الاشعة فوق البنفسجية، ظهر شيء غير متوقع وهو ان ذروة الاشعة فوق البنفسجية في الصيف لا تتلازم مع درجة اسمرار البشرة التي تبلغ ذروتها في الخريف والشتاء. وكان ذلك مفاجئا، لانه لو كانت وظيفة الميلانين الرئيسية حماية البشرة من حروق الشمس، فإن اي شخص يعيش ضمن زاوية خمسين درجة في خط الاستواء يجب ان تزداد درجة اسمراره قدر الامكان في الصيف للحصول على اكبر وقاية ممكنة من اشعة الشمس. لكن حقيقة ان معظمنا ليس كذلك تشير الى وجود ابعاد اخرى للموضوع. اشعة الشمس اذن ما الذي يجري؟ خارج المناطق الاستوائية لا تسبب اشعة الشمس الشتوية اذى مباشراً للبشرة لكنها تدمر مادة الفولات في الجسم. وذلك لأن الفولات حساسة بشكل خاص للاشعة فوق البنفسجية ذات الامواج الاطوال والتي تستطيع اختراق غلاف الارض الجوي في الشتاء، حتى في المناطق البعيدة عن خط الاستواء. وتقول جابلونسكي ان هذه النتائج تعزز صحة فرضية علاقة لون البشرية بالفولات. لكن انتاج الميلانين ليس مكلفا بيولوجيا، فلماذا تنخفض مستوياته عند الشعوب التي تعيش في مناطق اقل تعرضا للأشعة فوق البنفسجية؟ وإذا كان الميلانين ضروريا لحمايتنا من الاضطرابات العصبية الناجمة عن نقص الفولات، فلماذا لا نولد جميعنا ببشرة سمراء قدر الامكان؟ تقول جابلونسكي ان الامر برمته يتعلق بالفيتامينات ، لا سيما فيتامين «د3» الذي يساعد الجسم على اختصاص الكالسيوم وايداعه في العظام. ونحن نحتاج الاشعة فوق البنفسجية لتصنيع هذا الفيتامين. اذن فالميلانين الذي احتاجه اسلافنا لحماية اجسادهم من حروق الشمس يعيق في الوقت ذاته تصنيع الفيتامين «د3» الذي قد يؤدي نقصه الى شلل الاطفال وحالات اخرى أسوأ. ومن هنا ينبع «ضغط انتقائي آخر يعمل في الاتجاه المعاكس نحو الترويج للبشرة الفاتحة» وفقا لجابلونسكي. وإذا كانت جابلونسكي مصيبة، فإن لون بشرتنا هي حصيلة موازنة بين متطلبات السمار من اجل حماية مادة الفولات المغذية ومتطلبات البياض من اجل انتاج فيتامين «د3». علي محمد