الخميس 18 شعبان 1423 هـ الموافق 24 أكتوبر 2002 تسبب النيازك قلقاً كبيراً للناس والعلماء على حد سواء، ورغم ان احتمالات اصابة الأرض بنيزك كبير الحجم، ضعيفة. إلا ان النتائج والعواقب تكون وخيمة لو حدث ذلك. فقد تحدث موجات محيطية هائلة وتغيرات في المناخ أو حتى انقراض كثير من الاحياء. ولحسن الحظ لا يحدث ذلك كثيراً. لقد حدث ذلك على سطح الأرض منذ أربعة مليارات عام.. كانت الأرض لاتزال في مرحلة الشباب (بداية التكوين) وكان النظام الشمسي يعج بالنيازك والشهب الكبيرة ومن الصخور التي تتكون منها الكواكب. كانت هذه الصخور تصدم الأرض يومياً. وأطلق العلماء على تلك الفترة «حقبة القصف الشديد». واستمرت هذه الحقبة ما بين 4.5 الى 3.8 مليارات عام مضت. لم تكن هذه الحقبة أبداً في صالح الحياة على الأرض، لو كانت ظهرت الحياة في ذاك الوقت. حقبة القصف الشديد كانت حقبة قصف الأرض الطبيعي بالصخور والنيازك والشهب موضوع نقاش خلال اجتماع عقد مؤخراً في معهد شانيافر جزيرة كريت التابع لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بعنوان «رؤى حول الأحياء والفضاء»، وأشار المؤتمرون الى شيء غريب في هذا الاجتماع عن نهاية فترة القصف الشديد. ومن المعروف ان أقدم السجلات الجيولوجية (من نحو 3.8 مليارات عام) ان هناك حياة على الأرض يرجع تاريخها الى هذا العمر. ويفيد وجود حياة ميكروبية (أحياء دقيقة) خلال تلك الفترة التالية للقصف الشديد بأن الحياة بدأت على الأرض خلال حقبة القصف ذاتها. فكيف يمكن ان يحدث ذلك؟ فهل جاءت الشهب والنيازك بنوع من الحياة الى سطح الأرض؟ قد تكون الحياة تطورت بسرعة من مكونات عضوية ألقت بها النيازك والشهب.. العلم عند الله. ويتوق علماء الاحياء والفضاء الى دراسة الحفريات الصخرية والكيماوية التي ترجع الى هذا التاريخ، لكن ذلك غير متاح بسبب محو هذه الآثار بفعل الرياح والأمطار والزلازل والحركات التكتونية. غير ان العلماء المؤتمرين في هذا المؤتمر يفترضون ان هذه السجلات الحفرية والجيولوجية موجودة، ليس على الأرض، بل على القمر. القصف نحو القمر عندما يصطدم جسم كبير بالأرض يتناثر حطاماً بسرعة كبيرة بعيداً عن الأرض ويدور حولها في مدار أرضي. ومنذ أربعة مليارات عام قد تكون الأرض محاطة بمدارات من الحطام الصخري الذي يدور حولها بهذه الطريقة (القمر ذاته قد يكون قطعة صخرية كبيرة تدور حول الأرض بهذه الطريقة عندما اصطدمت صخرة بحجم المريخ بالأرض منذ 4.5 مليارات عام). كان القمر قريباً من الأرض خلال فترة القصف الشديد مقارنة بموقعه الآن، وقد يكون أقرب من موقعه الآن ثلاث مرات. هذا الموقع يعتبر مثالياً بالنسبة لالتقاط الحطام الذي يتطاير من الأرض. وقد يكون هذا الحطام لايزال موجوداً على سطح القمر لأنه لا يوجد به غلاف جوي (يسبب تعريه) ولا نشاط تكتوني يمحو هذه الآثار الصخرية. ورغم ذلك قد يكون بعض هذه الصخور قد تحطم أو تدمر بسبب ارتطام النيازك والشهب بالقمر، لكن المؤكد ان البعض الآخر لايزال هناك. وتفيد احدى الدراسات الحديثة في هذا المجال بأن هناك نحو عشرين الف كيلوغرام تقريباً من صخور الأرض يمكن ان تكون موزعة على مساحة مئة كيلومتر مربع على القمر. ويقول ديفيد مكاي عالم الأحياء والفضاء بمركز جنسون الفضائي التابع لوكالة «ناسا» ان القمر كان في وضع مثالي لتتجمع عليه الصخور المتطايرة من الأرض. فإذا بحثنا في المكان المناسب سوف نجد مخزوناً من الصخور التي تستحق الدراسة على القمر. وتثير الصخور التي تزن 400 كيلوغرام التي جاءت بها سفينة أبولو من القمر الى الأرض تساؤلاً، وهو ما إذا كان هناك صخور من أصل أرضي في هذه الصخور الأرضية. ويجيب مكاي على ذلك بالنفي ويقول انه لا يعرف أي تقارير تفيد بأن هذه الصخور القمرية احتوت على أي صخور أرضية، لكنه يعتقد ان سبب ذلك عدم بحث أي شخص عن آثار لصخور أرضية فيها. ويقول ان هذه الفكرة لم تكن موجودة منذ 30 عاماً عندما انطلقت وعادت أبوللو. أين البحث ؟ ولكن أين يتجه رواد الفضاء في القمر للبحث عن صخور ذات أصل أرضي؟ هناك عدة احتمالات كما يقول العلماء. يقول جون ارمسترونغ ان المكان الصحيح للبحث هو الجهة الشرقية للقمر، كما يُرى من الأرض، فإن دوران القمر حول محوره يتزامن مع دورانه حول الأرض، وهذا يعني ان الجهة الشرقية من القمر تواجه الجهة نفسها من الأرض ودائماً تكون كذلك. وبما ان الجهة الشرقية من الأرض حسب اتجاه دورانها هي التي يحتمل ان تنطلق أو انطلق منها الحطام، فإن احتمال وجود هذا الحطام على القمر يمكن ان يكون من جهته الشرقية أيضاً. وينطبق ذلك على الحطام الذي دار حول الأرض في مدار بعيد (نسبياً). وهناك احتمال آخر تكون الصخور التي انطلقت من الأرض اتجهت مباشرة نحو القمر، في هذه الحالة لابد ان توجد في أي مكان على القمر مواجهة للأرض، كما يقول ارمسترونغ. والاحتمال الثالث ان يكون الحطام اتجه نحو مدار شمسي أطول عمراً، وفي هذه الحالة قد تكون المواد استمرت في الدوران آلاف الملايين من السنين ثم ارتطمت بالقمر في مواقع عشوائية. كيف نفرق بين صخور القمر والأرض؟ لكن كيف يمكن التفريق بين صخور القمر ذاته والصخور الأرضية متناهية القدم التي قد توجد هناك؟.. في نهاية القمر ذاته قطعة قديمة جداً من مادة الأرض، ويقول أرمسترونج ان هذا السؤال لايزال محل بحث. ويضيف ان هناك اختلافات كيماوية محتملة بين الأرض والقمر، احداها وجود المياه. فقد تكونت المحيطات على الأرض عقب انفصال القمر عنها. وصخور القمر جافة، لكن صخور الأرض تحتوي على معادن وهيدروجين، أي تفاعلت المياه مع تركيبها الجزيئي. وهناك ايضاً وجود الهيدروكربونات أو الكربونات في صخور الأرض ولا توجد في صخور القمر. ويقول مكاي: قد تؤدي بعض الرحلات الى القمر الى العثور على هذه الصخور (الأرضية). وقد نطور تكنولوجيا انسان آلي يمكنه مسح الآلاف من الملايين من الصخور بحثاً عن صخور الأرض على القمر، لكن الأمر سيكون مثل البحث عن ابرة في كومة من القش، أي قد تكون مهمة مستحيلة دون استخدام تكنولوجيا معينة.