الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 منذ حوالي عقد مضى من الزمان يتحدث المراقبون والمعلقون والمحللون العسكريون عن الاستراتيجيات العسكرية الجديدة والثورة في الشئون العسكرية، لكن التغيير لم يقع فعلاً إلا في 13 سبتمبر، حينما تم استخدام الطائرات المدنية كأسلحة مدمرة، فحينما شهد العالم تطبيقات الثورة في الشئون العسكرية، مع انطلاق هذه الاستراتيجيات الجديدة ليتغير شكل الحرب الى الابد. وبالنسبة لعالم عاش اربعة عقود في حالة الجاهزية القصوى بين الشرق والغرب، حينما كانت اي بوادر لتحرك محتمل من جانب تعني تدمير العالم بأسره فإن سرعة التغيرات الراهنة تجعلها تبدو غير واضحة، وفي احيان اخرى مذهلة، وقد لا يحتاج المرء لأكثر من التفكير في مجريات الحرب في افغانستان للوقوف على هذه التناقضات التكتيكية المتضمنة في هذا الشكل الجديد من اشكال الحرب، حيث رأينا احدث ما انتجته مصانع السلاح الاميركي واكثر تكتيكات العمليات الخاصة معاصرة وهي تستخدم ضد عدو ليس لديه من السلاح سوى البنادق والصواريخ الفردية البسيطة. وقد وصف الجنرال جون جامبر رئيس اركان القوات الجوية الاميركية هذه الحرب بأنها تمثل عالماً فكرياً عسكرياً مختلفا بالكامل ويوضح هذا التفكير الجديد بضربه عدة امثلة برزت في حرب افغانستان، فهناك قاذفات ب 52 المصممة لتكون قاذفات استراتيجية في حرب باردة كانت تقوم بعمليات دعم ناري قريب للقوات البرية، وجنود القوات الخاصة المجهزة بأفضل واحدث العتاد الحربي الفردي كانوا ينفذون عملياتهم على صهوات الخيول ويطاردون اهدافهم بالتنسيق مع القيادة عبر اجهزة الكمبيوتر النقال التي اصطحبوها معهم. يقول جيمس روش سكرتير القوات الجوية الاميركية: اكتشفنا اننا نستطيع ان نقوم بشيء ظننا لوقت طويل جداً لا نستطيع القيام به، وهو ارساء علاقة عملياتية بين القوات الجوية وجنود المشاة. ان جامبر فيقول انه «تفكير مبتكر» غير ان السرعة التي تنتقل بها المعلومات في الميدان تفرض ايضا متطلباتها على بساطة التخطيط. مثال آخر على هذا التغير تمكن مشاهدته في حرب افغانستان ايضا، فبعد برنامج تعديل سريع، اصبحت طائرات ايه سي 130 الضخمة قادرة على استقبال صور فيديو متواصلة وحية من طائرات آركيو/ايه/يدايتور بدون طيار والتي كان يفترض بها اصلا ان توجه نيران المدفعية المتمركزة على الطائرة الضخمة نحو مواقع المقاتلين الأفغان، وقد نجحت التجربة بشكل كبير مما دفع الاميركيين الى تطويرها والمضي بها خطوة اخرى ففي هذا الشهر، كما يقول جامبر، ستجرب القوات الخاصة الاميركية برنامجاً جديداً للكمبيوتر المحمول اسمه «روفر» يمكن الجنود على الارض من رسم ما لديهم من معلومات مباشرة على الخريطة الطبوغرافية للميدان المستهدف وذلك بوضع دوائر متباينة حول مواقع الاعداء ومواقع الاصدقاء وارسال هذه المعلومات مباشرة الى طائرات ايه سي 130 المحلقة فوقهم لتجنب اي خلط بين المواقع. يقول الجنرال راندال شميث النائب المساعد لرئيس اركان العمليات الجوية والفضائية، لقد ربطنا بين الانظمة المستحدثة والانظمة القديمة مثل طائرات ايه سي 130 لتعزيز عملية تصويب النيران الحساسة جداً لعامل الوقت، هذا الشكل من التفكير الجديد هو الذي وضعنا في موقف نستطيع انطلاقاً منه استخدام تقنياتنا بطريقة ابداعية لتحقيق النصر في حروب القرن الحادي والعشرين. غير ان الابتكار، خاصة حين يوضع موضع التنفيذ بشكل متسرع، تكون له مخاطره ايضا. ويذكر جامبر مثالا من افغانستان على ذلك، فبينما كان الجندي المناوب في وحدة من القوات الخاصة الاميركية على الارض يقوم بتنسيق عملية تصويب النيران باستخدام كمبيوتره المحمول عبر نظام تحديد الموقع العالمي، اضطر لتغيير بطارية جهازه قبل ارسال المعلومات. وهذا ما كلفه حياته، اذ نتيجة لثغرة في البرنامج، ما ان وضعت البطارية الجديدة في الجهاز، حتى ارسل موقعه هو الى مقاتلة امريكية محلقة في الاجواء باعتباره موقعا معاديا، وكانت النتيجة المحتومة هي الموت لهذا الجندي ومن المهم هنا، كما يقول جامبر، التخلص من مثل هذه العيوب في النظام قبل استخدامه، والأفضل دوما هو تغذية السلاح بالبيانات ثم المصادقة عليها من قبل حلقة بشرية في سلسلة العمل اولا. وأصبحت الدرجة التي يفترض تطبيق تقنيات الأتمتة وتوظيف الروبوتات في ميدان المعركة موضوعا لجدال كبير لا يزال في بدايته المبكرة بعد. وقد شدت هذه القضية الانتباه عقب حدوث مجموعة من الاخطاء الفادحة سببت خسائر فادحة في صفوف القوات الاميركية والغربية وغيرها خلال الحروب الاخيرة التي شهدها العالم، مثل تدمير مقر السفارة الصينية في بلغراد عام 1999 وعملية القصف التي ذهب ضحيتها عدد كبير من المدنيين الافغان في يوليو الماضي، حينما هاجمتهم مدفعية طائرة إيه س 130. وفي كلتا الحادثتين كانت البيانات التي ادخلها البشر في الانظمة هي العامل المشترك. ويعتقد الكثيرون ان بنية «النظام التسليحي» هي السبب وراء تفوق العسكرية الغربية في حروب المستقبل. وكانت افغانستان حقل تجارب لاختبار حرب الشبكة المركزية، وهي العنصر الاساسي في الثورة في الشئون العسكرية. والرؤية النهائية التي يتطلع لها العسكر للحرب الشبكية المركزية هو شبكة خالية من نقاط الضعف، تعمل وكأنها انترنت عسكرية، يمكن عبرها تدفق المعلومات والبيانات، ويستطيع ان يغذيها كل من له الصلاحية للقيام بذلك بالبيانات وأن يحصل عليها حين يحتاجها. ويصف مايك تشيستر، مدير تطوير انظمة القيادة والتحكم والاتصال والمعلومات في شركة راثيون الاميركية للصناعات العسكرية ـ يصف حرب الشبكة المركزية بأنها آلية تكاد تخلو من الاخطاء يمكن فيها فقدان طائرات «اواكس» (نظام الانذار المبكر المحمول جوا) من دون فقدان الصورة كاملة، وذلك بسبب تعدد مداخل البيانات للشبكة. ويقول تشيستر انها تتميز ثانيا بالمقدرة على تعقب هدف على نحو متواصل نتيجة تعدد انظمة التجسس التي تلاحقه من عدة زوايا. وهذا لا يزيد فقط من دقة البيانات، بل يلغي حالات الاصابة بنيران صديقة. ثالثا: يمكن بهذه الطريقة تقليص زمن تسلسل عملية تدمير الهدف. فالاطلاق يكون اسرع نتيجة قدوم المعلومات الموثوقة بشكل اسرع كما يكون اطلاق النيران بسرعة لان انظمة التجسس ترى لمسافات ابعد.. لكن متى يمكن وضع شبكة كاملة مثل هذه موضع التنفيذ؟ تختلف الآراء حول الرد على هذا السؤال على نحو كبير. فالمؤسسة العسكرية الاميركية لا تزال في المراحل الاولى من نضج مقدرتها على تفعيل عمليات الشبكة المركزية في الحرب. ويعتقد كبار المسئولين في وزارة الدفاع الاميركية ان الطريقة الافضل لتحقيق مستوى مريح من الشبكة المركزية تمر بتجارب مكثفة ومناورات مشتركة وتشكيل وحدات مشتركة تجريبية مكرسة لتنفيذ هذا العمل. ويقول مسئول عسكري اميركي في هذا الصدد: «اننا حتى الآن لا نقوم بما يكفي من هذا العمل. فحينما نتحدث الى فروع القوات المسلحة بهذا الشأن يقولون كلهم انهم مشغولون وأنه ليست لديهم المقدرة التنظيمية حاليا على تشكيل هذه الوحدات». وقد اصبحت اجزاء من هذه الشبكة مدرجة في الخدمة حاليا، مثل قوة الاشتباك المشترك في البحرية الاميركية والتي تم تجهيزها بالتكامل بين سفن ايجيس وبعض العتاد الخاص بالمراقبة الجوية بشكل يربط بين انظمة الاستشعار فيها بشكل آني منذ اواخر الثمانينيات. كما بدأت البحرية البريطانية ايضا بتبني قوة الاشتباك المشترك مؤخرا بعد تخفيف القيود الاميركية على تصديرها للحلفاء. كما ان القوات الجوية الاميركية تمضي قدما في صياغة مبادراتها الشبكية المركزية الخاصة بها وبتصوراتها، لتعمل كقوة متصلة ببعضها بالكامل، ومع جهوزية كل الوصلات والعقد ضمن تسلسل عملية تدمير الهدف في مكانها، ستشهد هذه القوة ثورة في الامكانيات ابتداء بالنصف الثاني من العقد الحالي، حسب رأي قادتها، ويصف مسئول رفيع في القوات الجوية الاميركية مستوى «الاتصال» الراهن فيما بينها بأنه «محدود» الا انه سيكون «ذا شأن» في غضون عام او اثنين من الآن. اما بعد اربع سنوات فسيصبح «مهيمنا» على عمليات القوة. فالامور تتطور بهذه السرعة الكبيرة فعلا. يقول الجنرال شميت: «ان مقدرتنا على اكتشاف وتحديد وتعقب واستهداف الهدف والاشتباك معه وتقدير نتيجة الهجوم عليه قد تطورت بشكل كبير. كما تعززت اكثر باستخدام عمليات القوات الخاصة. كما نسعى لتطوير هذه السلسلة القتالية بارساء تكامل افقي بين العتاد، مثل انظمة الاستشعار والاطلاق وارساء سلاسة تقدم عملية اتخاذ القرار الهجومي. وبالجمع بين امكانيات العيون على الارض والاسلحة القادرة على العمل في كل ظروف الطقس تحت تحكم عمليات القوات الخاصة يوفر لنا امكانيات مراقبة وتعقب واستهداف واشتباك سريعة ودقيقة». ويتوجب على القوات البرية النظامية بدورها ان تطور لنفسها مكانا ضمن هذه الرؤية للحرب السريعة والحركية والمشتركة بشكل يتجاوز مجرد ادخال تقنيات رقمية حديثة في فرقها المدرعة الموجودة حاليا. ومن هنا طور الجيش الاميركي برنامج «القوة الموضوعية» للوفاء بهذا المطلب. ويتضمن هذا البرنامج هيكلا يشتمل على انظمة سلاح ارضية وروبوطيات وطائرات بدون طيار وأنظمة اسلحة فردية للجند ترتبط كلها مع بعضها بأنظمة راديو وشبكات معلومات. ويخطط لهذه الانظمة ان تبدأ بدخول الخدمة في الجيش مع حلول عام 2008. وتقوم هذه القوة الأخف وزنا على اساس الفكرة القائلة ان توفير مستويات عالية من المعلومات يمكن ان يكون بديلا للمدرعات والتشكيلات القتالية البرية الكبيرة المحتشدة وفيما تعمل برامج التطوير التقنية على توفير انظمة جديدة، فإن الجيش بدأ بدوره بصياغة مفهوم قتالي جديد يفضي الى استخدام قوة أخف وزنا ضمن برنامجه الجديد، وهو «الألوية القتالية المتوسطة» المجهزة بعربات سترايكر المدرعة متوسطة الوزن. وبالتوازي مع ذلك، تعمل فروع القوات المسلحة على توفير امكانية تبادل المعلومات بينها من دون مشكلات تذكر، لكن ذلك الهدف سيتطلب وقتا اطول بكثير من غيره. يقول احد المسئولين الكبار في اوساط الصناعة العسكرية الاميركية: «ان نظاما شبكيا مركزيا كاملا يجمع بين فروع الاسلحة يحتاج الى عشر سنوات على الاقل لظهوره» ومن بين المشكلات الحالية التي تعيق تحقيقه توفير انظمة اتصال بالحزمة العريضة. وأصبح السعي وراء مثل هذه الرؤية يجعل اي شيء يعد بتعزيز قوة الشبكة هذه مؤهلا للاستفادة من قرار ادارة بوش الذي اعقب هجوم 11 سبتمبر ضخ 50 مليار دولار في شرايين وزارة الدفاع الاميركية. غير ان التفعيل السريع للأنظمة والشبكات الهادفة لتحقيق امكانية القرار شبه الآني والرد السريع على اي تطور يتطلب كما يقول محللو البنتاغون مراجعة شاملة للمبدأ القتالي الاميركي. كما ان هناك بعض العقبات في برامج المشتريات فتوجيهات التخطيط العسكري للسنوات المالية بين عامي 2004 ـ 2009 تؤكد على توفير امكانيات القيام بضربات استباقية، وهي الاستراتيجية التي كانت شبه مستحيلة التفكير بها قبل سنة ونصف تقريبا. وتتلخص هذه الامكانيات في النقاط التالية: ـ مواجهة اسلحة الدمار الشامل والهجمات الارهابية. ـ تطوير عمليات جمع المعلومات وتوزيعها. ـ تطوير شبكة الكمبيوتر العسكرية والمقدرات الهجومية في الميدان الآخذ باكتساب مزيد من الاهمية: العمليات المعلوماتية. ـ تطوير الضربات الهجومية بعيدة المدى. ـ استخدام الفضاء والسيطرة عليه. وحتى تفي بهذه المتطلبات والتوجيهات فإن على فروع القوات المسلحة الاميركية ان تكتسب عدة برامج تسليحية جديدة، من بينها: ـ ادخال سرب من 12 مقاتلة بدون طيار في الخدمة بحلول عام 2012. ـ تطوير صاروخ بحري بسرعة تبلغ اضعاف سرعة الصوت وبمدى يبلغ 600 ميل بحري وادخاله الخدمة بحلول عام 2010. تسريع تطوير اسلحة الليزر والميكروويف عالية الطاقة. ـ تطوير سلاح خاص بتدمير التحصينات المضادة للأسلحة النووية. ـ تطوير امكانيات عمليات المعلومات وحرب المعلومات. ـ توسيع نطاق استخدام قوات العمليات الخاصة. يقول ضابط كبير في الجيش الاميركي: «انها استراتيجياً مختلفة تماماً عن استراتيجية الاحتواء والرد الهجومي: «فالعسكرية الاميركية ليست لديها الا تجربة محدودة في هذا الميدان كما أن المخططين يعملون لايجاد السبل الكفيلة بتطبيقها. غير أنهم يلاحظون فعليا انه من غير الواضح بعد ما هو الدور الجوهري الذي ستقوم به الضربة الاستباقية، ان كان لها هذا الدور، ضمن الاستراتيجية العسكرية الاميركية. وتقوم «القوة الموضوعية» المستقبلية للجيش على الرغبة في تحقيق عدة اهداف هي: تحقيق ادراك كامل للوضع الميداني، امتلاك ناصية القتال الليلي، امكانية التعبئة الاستراتيجية واخيراً المقدرة على الرد السريع. كل هذه الاهداف يجب تحقيقها لبناء قوة قادرة على التحرك بشكل استباقي وقائي كما يقول هذا الضابط.ولتوفير التمويل اللازم لانجاز هذه التغييرات «التحويلية الانتقالية» في العسكرية الاميركية في ظل طلبات شراء ضخمة ينتظر تقديمها ابتداء من عام 2007، تفكر وزارة الدفاع حاليا في تقليص حجم المشتريات في برامج اخرى وتقليص القوة العددية البشرية لقواتها. ومن بين هذه التقلصات يشير البعض الى احتمال تخفيض أو الغاء العديد من الانظمة التسليحية التي حصلت فروع الاسلحة عليها وتنتظر تسلمها بما فيها المقاتلة إف 22 راتبور ـ من لوكهيد مارتن وحاملة الطائرات سي في إن إكس والطائرات المروحية الهجين أوزبري في 22 من بيل ـ بوينج ومروحية كوماتشي آر أي إتش 66 الخاصة بالاستطلاع والهجوم من بوينج ـ سيكورسكي.كما تدرس وزارة الدفاع الاميركية ايضا امكانية تقليص عدد الجنود الكلي على المدى الطويل لتوفير التمويل، واكثر الاقتراحات اثارة للجدل في هذا الصدد هو الغاء فرقة من الجيش واجراء تخفيض مماثل في العدد في القوات الجوية. وتشكل المدفوعات للجند 25 في المئة من الموازنة الاجمالية للبنتاغون، الا ان هذه المقترحات تواجه معارضة شرسة من القوات المسلحة والكونغرس. بل ان البحرية لوحدها تطالب الآن بتوفير 4 آلاف بحار جديد لها للوفاء بمطالبتها بتوفير مزيد من الحماية للقوات. ومن بين التغييرات التي افرزها 11 سبتمبر سعي القوات الجوية الاميركية لادخال حماية الاجواء الاميركية ضمن بنية ومبدأ القيادة والتحكم لديها. وتقول قيادة هذه القوات انها درست حتى الان اكثر من 125 مجلدا من الوثائق في هذا الصدد منذ 11 سبتمبر حتى الان. ويقول الجنرال شميت: «لقد اكتشفنا انه في حين لايزال مفهومنا الحربي الحالي كافيا، فإننا بحاجة للمزيد من التدريبات الخاصة بحماية الاراضي الاميركية لاختبار طرق عمل جديدة خاصة بالقيادة والتحكم وتوفير مزيد من الابتكارات التقنية لها. والهدف النهائي لادارة الامن الداخلي تحويل الامن الداخلي الى مسألة اساسية في كل اوجه سياسة القوة الجوية واجراءاتها ومبدأها القتالي وكانت هذه الادارة قد شكلت في يناير 2002. وسواء أكان الامر سيسفر عن مبدأ جديد أم لا، فإن المسئولين الحكوميين والعسكريين على السواء يضغطون للحصول على مزيد من السلاح تدعمه الشبكات التي تجعل الرد شبه الآني أمراً ممكناً. يقول روش «أتى 11 سبتمبر الى داخل الولايات المتحدة بالجدل القائل انه كان علينا امتلاك انظمة مراقبة واستطلاع ومعلومات. كما اكد على أننا حينما نرى شيئاً يجب ان نبدأ بالهجوم، ان نفعل شيئاً فورا، ان طلعة قصف بقاذفة ب 52 بعد 16 ساعة قد تكون متأخرة». ويتحدث اخرون عن وجود نوايا لدى الرئيس بوش لامتلاك نظام عسكري يسمح للقيادة العسكرية الاميركية بشن هجمات انتقامية ضد أي هجمات مماثلة مستقبلاً وضد أي هدف في العالم في غضون ساعتين من تنفيذه. وتنجز القوات الجوية الاميركية حاليا دراسة بخصوص تقنية طائرة هجومية بعيدة المدى لخلافة قاذفات ب 1 ، ب 2، ب52 في غضون 15 عاما من الان. ويتوقع مسئولو هذه القوات ان الدراسة ستتمخض عن طائرة فوق صوتية تحلق على ارتفاعات عالية، بطيار أو بدون طيار أو هجين منهما، على كل حال يبدو ان التوجه السائد يريد انجازها في موعد اقرب بكثير. ففي يوليو الماضي تحدث الجنرال جامبر عن مقاتلات بدون طيار لاتزال قيد التصميم أو في مرحلة النموذج التجريبي بحيث تكون «الخطوة الاولى المحتملة نحو سلاح اكثر طموحاً بكثير، مثل طائرات فضائية مدارية أو تحت مدارية، قادرة على اطلاق الاسلحة بدقة كبيرة وسرعة، اي تجسيداً للرد الفوري الذي يتحدث عنه روش. ويقول جورج مولنر المسئول عن كل البرامج الجوية في شركة بوينج ان هناك ارادة حالياً لتجريب طائرة فضائية. وقد بدأت فعلاً بعض البرامج الموضوعة سابقاً مثل مشروع الطائرة الوطنية الفضائية إكس 30 بين ناسا ووزارة الدفاع، الا انها فشلت. وكان الفشل دوماً نتيجة تقنيتين تحديداً وهما المحركات والمواد حيث لم تكونا جاهزتين لهذا التحدي بعد. يقول مولنر: «بعد عشر سنوات على انطلاقة هذه المشاريع نشعر بالحاجة الآن لمثل هذه الطائرات. لكننا في مشروع بوينج فانتوم الذي كنت رئيسه حتى شهرين من الآن، لدينا تقنيات ناضجة فعلاً يمكن تطويرها لتلبية الحاجة لصواريخ كروز بأضعاف سرعة الصوت او طائرة قادرة على التحليق حول الارض دون توقف بأضعاف سرعة الصوت. وقد بدأت العسكرية الاميركية تشعر بالرغبة الشديدة في امتلاك الامكانية لضرب الاهداف سريعة الظهور والاختفاء بسرعة، خصوصاً حينما تكون منصات اطلاق صواريخ متحركة منذ حرب الخليج حينما كانت عربات اطلاق سكود العراقية تخرج من تحصيناتها وتنصب صواريخها وتطلقها قبل ان تتراجع وتختفي داخل التحصينات في غضون 10 دقائق من خروجها. ويقول الجنرال غريغوري مارتن قائد القوات الجوية الاميركية في اوروبا ـ انه لزيادة فرص نجاح التحييد الكامل لهذه الاهداف يجب على العسكرية الاميركية ان تنعتق من سلسلة «الشبكات الحربية» الحالية لتصوغ نفسها ضمن «شبكة حربية» واحدة تسمح بادراك توقعي للوضع الميداني. وهذه الميزة ستمكن المخططين من توقع حركة الانظمة المتحركة عند الخصم وتمكن القوى الصديقة من تتبعها وتدميرها بدقة اكبر.والعنصر المحوري في الادراك التوقعي للوضع الميداني هو في الوجود المتواصل لأنظمة الاستشعار فوق الميدان والمقدرة على استخدام البيانات الواردة منها ضمن صورة واحدة شاملة ومنسجمة. ويعتبر تطوير هذه الامكانية احد اهم اولويات القوات الجوية الاميركية الآن وتشير اليها بعبارة «التكامل الافقي» لعتادها الارضي والجوي والفضائي. وفي شكله الكامل يسمح الادراك التوقعي للوضع الميداني لهذا العتاد بالتركيز على التحركات المتوقعة للخصم بدلاً من عمليات اكتشاف هذه التحركات الاكثر استهلاكاً للوقت، حسبما تقول وثيقة قدمتها القوات الجوية الاميركية للكونغرس. وطوال عقد كانت هدف العشر دقائق بين اكتشاف الهدف وتدميره وهو ما يشار اليه بفجوة «من الحساس للقاذف» ـ كانت اولوية القادة الميدانيين. غير ان ما يقوله روش وجامبر يشير ايضاً إلى ان الحاجة للرد السريع تسري ايضاً على القرارات الاستراتيجية، بشكل يجعل وكأن السرعة هي التي ستصبح الرادع المستقبلي وليس القنبلة النووية. والاقرار بعزم القيادة الاميركية الراسخ على امتلاك مجموعة من آليات الرد السريع تحت تصرفها دوماً قد اعاد النشاط لمحاولات الجيش الاميركي بناء قوة يمكن تعبئتها ونشرها بسرعة ومباشرة في ميدان المعركة في اي مكان. والتحدي الذي يواجه الجيش اذا اراد تحقيق هدفه هذا، هو التغلب على المتطلبات العملياتية ومحدودية امكانيات النقل الجوي التي تمنع وحداته الثقيلة من ان تكون عنصراً اساسياً في امكانية العمل الفوري. واصبحت امكانيات النقل البحري السريع والقادر على تجاوز المياه الضحلة تحتل اهتماماً خاصة. كما ان قوات مشاة البحرية ايضاً تحاول امتلاك آليات سهلة التعبئة والنشر بما فيها عتاد الدعم الناري. اعداد: جلال الخليل