الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 في مركز احتجاز هارموند زويرث تقبع شابة روسية تدعى «تاتيانا» وهي تنتظر ان يتم ترحيلها أو ازالتها بلغة وزارة الداخلية البريطانية وكأنها لطخة ينبغي ان تزال، بينما هي امرأة حامل في شهرها الثالث، تشعر بالغضب الشديد ازاء احتمال ترحيلها. كانت «تاتيانا» قد هربت من كازاخستان قبل عامين بعد ان تعرضت طوال شهور للمضايقة من قبل الكازاخستانيين المناهضين للروس. وبدأ الامر بمكالمات هاتفية تهددها بالقتل، ثم تصاعد الموقف. وقاموا بعد ذلك بسلخ جلد كلبها وترك اشلائه عند عتبة بابها. وانتظروها خارج مكان عملها، وأجبروها على دفع اموال مقابل حمايتها. وأمروها بأن تغادر كازاخستان وإلا فإنهم سيقتلونها. وفي اكتوبر من عام 1999، اقتحم اربعة رجال مقنعين منزلها، وعصبوا عينيها ثم قاموا باغتصابها مرات عديدة. وقالوا لها انها اذا لم تغادر البلاد فإن القتل سيكون مصيرها وقبل ان يغادروا المكان اشعلوا النار في المنزل. وكانت تاتيانا وحيدة وخائفة مما دفعها الى الهرب. لقد اخذ الشخص الذي هربها الى المملكة المتحدة كل ما كان لديها من مال، مقابل اعطائها تذكرة سفر. ولم يكن لديها ادنى فكرة عن المكان الذي يأخذها اليه، ولكنها كانت فرصتها الوحيدة لبدء حياة جديدة، وكان ان بدأت تلك الحياة في موقف سيارات تابع لاحد الفنادق حيث تركها. وحصلت على عمل كنادلة في احد مطاعم لندن، ووقعت في حب رجل روسي وانتقلت للعيش معه. وعندما أصبحت حاملا كانت سعيدة لتأسيس اسرة في بلد يمكن لطفلها فيه ان يترعرع بسلام. وحاولت ألا تقلق بشأن دعواها للمطالبة باللجوء السياسي، فقد كان لديها رقم تأمين وطني وترخيص بالعمل، وكلاهما جعلاها تشعر بالأمان. لكن محاميها لم يبلغها بقرار رفض دعواها. والمرة الاولى التي عرفت بالقرار كان في صبيحة احد الايام من مايو الماضي، عندما وصل عشرة اشخاص يرتدون زي الشرطة الى منزلها. وعلى الرغم من اصرارها على انها تحمل رقما وطنيا وترخيصا بالعمل، الا ان هؤلاء الاشخاص اقتادوها الى مركز الشرطة حيث قضت 24 ساعة في زنزانة قبل ان يتم ايداعها في مركز احتجاز هارموند زويرث. يعتبر مركز هارموند زويرث بناية قبيحة من الطوب الاصفر تقع تحت مسلك للطائرات بجوار مطار هيثرو ومحاطة بأسيجة عالية تعلوها اسلاك شائكة. ويتم تصوير «الزوار» وأخذ بصمات اصابعهم قبل ان يمروا عبر جهاز لكشف المعادن. وفي قاعة الزيارة، المحروسة من قبل رجال الامن، يتم ابلاغ المحتجز بالجلوس على كرسي احمر والزائر على كرسي ازرق. تقول تاتيانا حول ظروف احتجازها: «قال الطبيب: كيف تعرفين انك حامل؟ فقلت له: لقد اجريت الفحص ثلاث مرات، ولكنه قال انه لا يمكنه ان يعطيني شهادة بالحمل. وقد سبق له ان اخذ عينة من البول والدم للفحص، ولكنه اضاعها» وتشعر تاتيانا بالغضب ازاء الطعام وتقول بهذا الخصوص «البارحة احضروا لي الكعك والفواكه واليوم قالوا اما الكعك او الفواكه. انني امرأة حامل. ولا اطلب ان يقدموا لي الروبيان كبير الحجم. ربما لست لطيفة، ولكنني جائعة». تاتيانا لديها مبرر لكي تغضب. فالمملكة المتحدة لا تحترم التزامها بالمعاهدات الدولية التي توفر الحماية للاجئين. ويبدو ان معظم البريطانيين لا يستطيعون ان يتصوروا حجم المعاناة التي يتحملها الذين يهجرون بيوتهم وعائلاتهم للهرب من الحرب او الفقر. كما انهم ينسون ان الكثيرين منهم هم عمال مهرة وأن اولئك الذين لا يملكون مهارة معينة يكونون مستعدين في الغالب للقيام بأعمال يتأفف الآخرون عن القيام بها وأنهم يعيشون في ظروف مزرية، والمحظوظون منهم هم الذين لا يتم ترحيلهم من بريطانيا. يحق للمحتجزين من طالبي اللجوء السياسي ان يتقدموا بطلب لاطلاق سراحهم بكفالة بعد مرور سبعة ايام على احتجازهم، ولكن دراسة تمت لصالح منظمة العفو الدولية وجدت ان 86% لم يتم تقديم طلبات بالكفالة نيابة عنهم. وبحسب المنظمة فإن صلاحية الاحتجاز في المملكة المتحدة تعتبر «استثنائية وغير مقيدة بشكل كبير» والقرارات التي يتخذها ضباط الهجرة حول من ينبغي احتجازه لا تحكمها اية معايير تشريعية، وانما تحكمها توصيات موجودة في كتيبات التنفيذ الفعلي. وتشعر وزارة الداخلية بالقلق من احتمال فشلها في تحقيق هدفها المتمثل في ترحيل 30 ألفا من طالبي اللجوء السياسي سنويا لدرجة انها لا تتقبل الاستثناء حتى وان كان يتعلق بمصير طفل صغير. والمثال على ذلك هو ما جرى مع عزيز احمد من زنجبار، الذي قدم بصحبة زوجته «حسنة» وابنتهما الوحيدة آسيا البالغة من العمر ثلاث سنوات الى بريطانيا طالبا اللجوء السياسي. وبعد احتجاز دام فترة من الوقت، اقدمت السلطات البريطانية على ترحيله في الاول من هذا الشهر مع علمها بأنه قد يواجه عقوبة السجن في حال عودته الى وطنه وعلى الرغم من المناشدات المتكررة التي قدمها 29 عضوا من اعضاء البرلمان. وبعد صدور قرار الترحيل، هربت زوجته وابنتها واختفتا في لندن ولم يعثر عليهما حتى الآن. ضرار عمير