الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 المنظر من زاوية كالي لويس بونيويل ليس بذاك المنظر الذي يمكن للمرء ان يتوقعه من شارع يحمل هذا الاسم تكريماً للمخرج السينمائي السريالي. ففي واجهة المنظر يظهر وادي اراغون الواسع الاخضر وفي الخلفية ترتفع القمم البيضاء الموحشة لجبال البيرنية، ولكن بونيويل كان من اراغون، ولهذا يتم الاحتفاء به في ارتيدا وهي قرية تضم 100 نسمة، التي لا يوحي الهدوء الذي يكتنفها والمناظر الطبيعية الرائعة بها بالوحشية التي تكمن على بعد اميال قليلة باتجاه مجرى النهر، أو حتى يوحي بجو الدمار الذي يخيم على هذا المكان الهاديء. الفريدو سولانو تخلق هنا، فالقول بأنه ولد وعاش هنا قد لا يوحي بدرجة التصاقه بالمكان وارتباط المكان به، وقد شكل مع ثلاثة من جيرانه مزرعة تعاونية، يمارسون فيها زراعة الارض وتربية الماشية، والعمل يسير على ما يرام ولكن الموضوع الذي يشغل باله لا يتعلق بالرزق وانما يتعلق بهويته المرتبطة بهذا الوادي. ويقول بلغة لا تنقصها الفصاحة: ان الامر المذل هو ضد الاستعمار المحدث الذي سيدمر كل شيء يتعلق بحياتي وتقاليدي وسيقتلعني وعائلتي وجيراني من هذا الوادي لا لشيء إلا لكي يتمكن شخص ما ـ ربما من بلد آخر ـ من الحصول على منزل آخر على الساحل على بعد اميال من هنا. وفي تورتوسا، الواقعة على بعد 250 ميلاً، حيث يصب نهر ايبرو في البحر المتوسط، يقول مانولو توماس بابتسامة ساخرة، هنالك قوانين تحمي الطيور والنباتات الموجودة هنا في الدلتا، ولكن لا يوجد اي منها لحماية البشر. وبالنسبة كسولانو وتوماس، فإن القضية هي واحدة وتتلخص في الماء، ولكنها في الحقيقة لا تتعلق بالماء بقدر ما تتعلق بالمال. تحويل المياه ان فكرة تحويل المياه من مكان غني بها لمكان آخر يفتقر اليها هي فكرة قديمة قدم الزراعة نفسها، ولكن الخطة الرامية لبناء 118 سداً و14 قناة مائية، واحدة منها بطول 434 ميلاً، لنقل المياه من اجزاء في البلاد تملك فائضاً «منها الى اجزاء اخرى تعاني من نقص» فيها ربما كانت لتجعل الفراعنة يتقلبون في قبورهم، وحتى الحكومة الصينية كانت لتجد صعوبة في حفر ذلك القدر من الوحل ومزج تلك الكمية من الاسمنت في ثمانية اعوام، ولكن هذا هو ما تعتزم الحكومة الاسبانية القيام به في اطار خطتها المقترحة المسماة «الخطة المائية الوطنية». ويتم عرض الخطة من قبل الحكومة باعتبارها الفرصة العظيمة لاسبانيا بدون تحديد الشيء الذي تعتبر فرصة عظيمة لتحقيقه اللهم إلا القول انها ستحل جميع المشكلات المائية في البلاد، بتكلفة تقدر حاليا بـ 13 مليار جنيه استرليني. واذا كانت الحكومة غامضة بعض الشيء حيال ما تهدف اليه الخطة، فإن خصومها الكثيرين يعتبرون اكثر وضوحاً، ويقولون انها فرصة لحشو جيوب اصدقاء الحكومية في الشركات الكبيرة بالاموال، وخاصة اولئك العاملين في مجال البناء والطاقة الكهربائية، ويقول توماس، الناطق بلسان «منبر الدفاع عن ايبرو» ان «الحكومة قد ربطت بين الماء والاعمال والانشائية في اذهان الناس. فهم لا يتحدثون ابداً عن واحد منهما دون الآخر. ولكن هذه الخطة ليس موضوعها الماء وانما الانشاءات وهذه اموال الشعب، واموال اوروبية، يتم وضعها في جيوب اصحاب الاعمال الكبيرة في اسبانيا». ويقول بيدرو أروخو وهو محلل اقتصادي في جامعة زراغونرا موافقاً على الرأي السابق «هذه خطة للاسمنت ولن تفيد سوى الشركات الكبيرة العاملة في مجال الانشاءات والطاقة الكهربائية المولدة من المياه وشركات البناء المضاربة التي تتوقع صفقات مربحة على الساحل». يذكر ان اسبانيا تملك 1200 سد كبير، وتحتل المرتبة الرابعة في العالم من حيث بناء السدود بعد الصين والهند والولايات المتحدة. وتشير خريطة اسبانيا الى انها بلد يضم الكثير من البحيرات الكبيرة، ولكن تلك البقع الزرقاء ما هي إلا مياه تحتجزها السدود. والمشكلة في المشاريع المائية المقترحة في اسبانيا هي انها ستؤدي الى اغراق مساحات واسعة من الارض الزراعية الخصبة التي تعيل قرى وبلدات صغيرة تعتمد في عيشها على زراعة تلك الاراضي. والى جانب ضررها الاقتصادي على هؤلاء الناس، هنالك ضرر اجتماعي وثقافي يتمثل في تشتيت هذه البلدان واقتلاعها من جذورها من اجل مشروعات يكتنف الشك اهدافها. ضرار عمير