الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 لم يشهد العالم لعقود طويلة أزمة ثقة توازي تلك التي مر بها في خريف العام الماضي فلقد هزت هجمات 11 سبتمبر صناعة السياحة العالمية برمتها. وتأثرت على نحو خاص الحركة الجوية الدولية التي خلف تراجعها تأثيرا ملحوظا على صناعة الفندقة وشبكات التوزيع والآن وبعد مرور عام على الاحداث، وبزوغ بعض التوقعات في المناطق المتزعزعة سياسيا، عادت حركة السياحة العالمية لتضع قدميها بقوة على طريق الانتعاش والنمو. وقد شهدت السياحة عامين استثنائيين في 2000 و 2001. ففي عام 2000 نمت السياحة الدولية بواقع 45 مليون زيارة لتصل الى مستويات غير مسبوقة. في عام 2001، انخفضت معدلات السياحة بنسبة 0.6 بالمئة، لتكون هذه هي أول سنة تتراجع فيها السياحة الدولية منذ عام 1982. لكن نتائج 2001 كان يمكن ان تكون متناغمة مع الاتجاه العام في العقد الأخير، لولا الازدياد الهائل في اعداد السياح في عام 2000. ولم تكن احداث 11 سبتمبر التي حددت نتائج السياحة الدولية في عام 2001. سوى عامل واحد، وان كان هو العامل الأهم، من بين عدة عوامل ادت في مجملها الى تراجع الاحصائيات المتعلقة بالسياحة، فالوضع الاقتصادي في البلدان الغربية، مثل ألمانيا والولايات المتحدة بدأ بالتدهور في اواخر عام 2000، في حين ان الانحطاط بدأ حتى قبل ذلك في اسيا بسبب انخفاض اعداد السياح اليابانيين. وبدأت تتجلى تأثيرات انكماش الحركة السياحية باتجاه مناطق مثل الاميركيتين وجنوب اسيا والشرق الاوسط خلال الشهور الثمانية الأولى في عام 2001. ثم تلا ذلك هبوط كبير في تدفق السياح الدوليين، بسبب غمر وسائل الاعلام بصور الاحداث المأساوية، في نيويورك وواشنطن وتضخيم تكهنات الردود الدبلوماسية والعسكرية لعدم توفر معلومات دقيقة في هذا السياق ومن ثم تدفق فيضان من التقارير في هذا الشأن. وفي الاشهر التي عقبت 11 سبتمبر، لم يتوقف الناس عن السفر كليا. بل قام الكثير منهم باعادة هيكلة عادات ترحالهم لصالح الوجهات السياحية الاقرب الى اوطانهم باستخدام وسائل مواصلات تعتبر أكثر امنا، اي وسائل مواصلات فردية بدل الجماعية وادى ذلك الى مفاقمة وضع صناعة النقل الجوي. ومازالت تداعيات هذه الحالة تتوالى بحيث يصعب الآن التنبؤ بنتائجها النهائية. ويفضل الخبراء والمسئولون عدم الخوض في تقويم حالة سوق السياحة في الوقت الحالي لانهم لم يحصلوا على معلومات كافية عن التغيرات الطارئة على انماط استهلاك العطلات، وقليلة هي البلدان التي تتوافر لها آلية احصائية يتيح تقويم الفترات الأخيرة بدرجة معينة من الاعتمادية. وربما تكون التقديرات المحلية متميزة لمصالح ونوايا عشوائية، في حين ان سلسلة البيانات المستخدمة قد تندرج تحت فئات مختلفة (زوار، سياح، زبائن، ليالٍ سياحية.. الخ) أو توافق فترات مختلفة من السنة، تتراوح عادة من يناير ـ مارس الى يناير ـ يوليو. صعوبة كبيرة وثمة صعوبة كبيرة اخرى تكمن في حقيقة ان البلدان لا تقدم عادة معلومات عن يوليو واغسطس. وهذان الشهران حاسمان بالنسبة لموسم الصيف في نصف الكرة الشمالي، وبالنسبة لعدد لا بأس به من البلدان في نصف الكرة الجنوبي، يعتبر يوليو اهم شهر عطلات، بسبب الاحوال الجوية الجيدة في الفترة الممتدة بين يوليو وسبتمبر. واذا اخذنا كل العوامل السابقة بعين الاعتبار، فإننا يمكن ان نخلص الى الخصائص الاساسية التي ميزت حركة السياحة الدولية في النصف الأول من 2002. وابرز تلك الخصائص حدوث انكماش في السياحة الدولية بسبب انخفاض تدفق سياحة الرحلات الطويلة. لكن يبدو ان هذا الانكماش يتحلل تدريجيا بمضي الشهور. والانتعاش فيما يخص عدد الرحلات السياحية لم يترافق مع ازدياد متناسب في العائدات. ويتوقع ان تنمو عائدات الشركات بوتيرة أبطأ. ولقد حافظت السوق على بعض الخصائص التي كانت ملاحظة في السلوك السياحي منذ أواخر العام الماضي، لاسيما في موضع تأخير الحجوزات وشراء التذاكر في اللحظة الأخيرة. ولاتزال الشركات في صناعة السياحة تعطي عامل الربح أولوية على الأهداف الاخرى. ومن الخصائص البارزة الاخرى التي ميزت النصف الأول من العام الجاري وجود نزوح واضح نحو اتباع استراتيجية اعمال تتضمن تبني سياسة ناشطة في التحالفات والاندماجات بين الشركات كطريقة لخفض التكاليف وضمان النتائج الايجابية. كما ان الادارات السياحية تواصل حشد الموارد وتطبيق افضل الممارسات الادارية ودعم صناعتها، كما فعلت منذ 11 سبتمبر وقد بدأت ثمار تلك الجهود تتجلى بشكل واضح في نتائج صناعة السياحة والتغيرات في اشكال عملياتها. وتنم التوقعات متوسطة المدى في جميع الأسواق عن ملامح صورة ايجابية للمستقبل. شائعات عديدة ومن ناحية اخرى فان الشائعات بخصوص عمليات عسكرية محتملة في مناطق جغرافية قريبة من تلك التي تأثرت بأحداث 11 سبتمبر قد جعلت الناس ينظرون الى بعض المقاصد السياحية على انها مناطق خطرة. وليس هناك في الافق المنظور حل للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي والتوتر بين باكستان والهند يهدد تنمية السياحة في بعض الوجهات السياحية في شبه القارة الهندية. كما ان الفيضانات الاخيرة التي اجتاحت بلدان وسط اوروبا الحقت الضرر بنطاق عريض من البنى التحتية (لاسيما الاتصالات والنقل) فضلا عن الضرر الذي حل بالمنشآت السياحية والتأثير السلبي على سوق السياح الألمان. مازال من المبكر جدا تقدير مدى تأثير تلك الكوارث الطبيعية، لكن لاشك انها سوف تؤثر على نتائج السياحة من المناطق المتضررة. وقد اظهرت سوق السياحة عدة توجهات جديدة اهمها النزوع الى قضاء ايام اقل في العطلات الخارجية، وتجزيء العطلات السنوية بسبب خفض ساعات العمل وزيادة ايام الاجازات مدفوعة الأجر. كما شهدت الفترة الأخيرة ازدياداً نسبيا في الطلب على وسائل الراحة والاقامة التقليدية غير الفنادق. وهناك ايضا تحول في اسلوب العطلات الرائجة الناشطة الى العطلات بوصفها تجربة حياة واقعية. وفي هذا المجال تسير السياحة على خطى انماط اخرى من الاستهلاك. والغاية من العطلة هنا تحقيق تجربة مشاركة كاملة، تعطي السائح معارف جديدة ومشاعر اصيلة. وفي منظور العرض، يكمن التحدي في امكانية التنبؤ بالتغيرات الطارئة على الطلب، لضمان مستويات وافية في الجودة وايصال مثل هذه القيم للزبائن من خلال ايجاد واقرار العلامات التجارية. وكبديل عن ذلك هناك مساع لتأسيس معايير جودة تقرها هيئات معترف بها. وفي المدى القصير، تحاول المشروعات السياحية التأقلم مع الوضع الراهن بالعمل على خفض التكاليف الانشائية وضبط وتثوير ادارتها المالية وتطبيق اجراءات تسويق تؤثر على المنتجات وانظمة التوزيع. هناك صيغة واحدة لاتزال سارية المفعول كما كانت طيلة العقود الماضية وهي صيغة التعاون بين الحكومات والقطاعين العام والخاص. وعلى هذا الصعيد تبذل منظمة السياحة العالمية كل ما في وسعها من خلال اقسامها وهيئاتها المختصة المختلفة لتنوير صناعة السياحة بخطوطها الارشادية وخططها التنموية. والان اكثر من اي وقت مضى، تحتاج القطاعات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة الى آليات خلاقة وفعالة تتيح لها العمل سويا لاستعادة الثقة السياحية وابقاء المنظومة السياحية في حالة عمل.