الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 يدين تاريخ الفن لبابلو بيكاسو بتفجر مواهب الرسام البلجيكي الشهير رينيه ماغريت الذي قال ذات مرة خلال حواره مع صحافي زار كوخه المسيج بالاوتاد في ضواحي العاصمة البلجيكية بروكسل: «ككثير من الرسامين الشبان في العشرينيات اردت ان اعيش في باريس لكن في باريس كان يعيش ذلك الرسام الاسباني الجامح الذي راح يستنفذ كل تقنيات الرسم حتى تأكدت من انه لم يترك لنا شيئا نبتكره عندها قررت انني سوف اتجه نحو رسم الافكار. ماغريت وبيكاسو بأفكارهما المختلفة جدا، كلاهما يتألقان الآن في «السريالية 1919 ـ 1944»، المعرض الفني الذي سجل ارقاما قياسية في اعداد الزوار بمدينة دسلدورف الالمانية ويحتفي المعرض ايضا بمشاهير آخرين من امثال دالي وميرو وارتست وآرب وتانفاي وجياكوميتي وغيرهم من الرسامين والمبدعين الذين ينتمون الى الحركة السريالية التي لايتهيب القيّم على المعرض فيرنر سبيس من وصفها بأنها الحركة الفنية الاكثر اهمية في القرن العشرين لان كل الفنانين العظماء في القرن العشرين كانوا على صلة بها. يتضمن المعرض 500 لوحة ومنحوتة يوثق بها التشكيلة المتنوعة الكاملة للنتاج السريالي الكبير الساعي وراء عنصري المفاجأة والغموض حتى انه من بين المعروضات جدار كامل من محترف الاب الايديولوجي للسريالية في باريس اندريه بريتون والذي علق على الجدار على مدى 44 عاما مجموعة مثيرة من التذكارات العجيبة الى جانب تشكيلته الخاصة من اعمال روسو وكاندينسكي وميرو. الصورة الجمالية التي رسمها ماكس ايرنست عام 1922 لرفاقه السرياليين في لوحة «لقاء الاصدقاء» تظهر 17 فنانا منهم في ذلك الحين فضلا عن عملاق عصر النهضة الكبير رفايبل ـ مرتدين بذلات انيقة وربطات عنق في لقطة جماعية تحت قمم جبال الالب ويقف الكاتب الفنان بريتون في الوسط رافعا ذراعه للاعلى لاظهار انه زعيمهم وبريتون هذا هو الذي فجر الضجة الكبيرة حول التيار السريالي في عام 1928 عندما كتب «الفن.. انا ان يكون هائجا عنيفا او ان لايكون». انطلاق السريالية ويولي المعرض اهتماما مناسبا لانطلاقة السريالية من مرحلة التلقائية الفنية والتي تعني اجتناب التفكير الواعي بغية اتاحة المجال للافكار والمشاعر اللاواعية والمكبوتة للتعبير عن نفسها فنيا وفي عام 1923، خرج ارنست لبعض الوقت عن مسار التلقائية ليرسم جداريته الكبيرة المفاجئة «عند اول كلمة واضحة» على جدارين متجاورين بغرفة نوم الشاعر السريالي بول ايلو ارد على اطراف باريس ويقوم المعرض باعادة توحيد الالواح المنفصلة منذ زمن لاول مرة ليحير عقولنا ويسلب البابنا بالالغاز الواضحة التي تكتنف المنزل الذي كان فيه ايرنست وايلوارد كلاهما مشغولين بزوجة ايلوارد الجميلة جالا وتصور احدى اللوحات يدا تقبضد على كرة ممدودة في نافذة بأصابع انثوية توحي بأنها يد جالا، في حين تصور اللوحة الاخرى نباتات بمظهر خشن ربما تمثل ارنست وايلوار ويشير سبيس الذي كان مديرا لمركز بومبيدو الغني بباريس الى ان «السريالية لا تمنحك اي اجابة قط، اللوحات السريالية العظيمة تظل لوحات مقلقة مشوشة ابد الدهر». في اواخر العشرينيات بزغت مرحلة الحركة السردية التي تألق فيها ماغريت وسلفادور دالي ومن ابرز الامثلة على ابداعات تلك المرحلة الخلاقة لوحة «القاتل المهدد» التي يصور فيها ماغريت رجلين مخيفين من التحريات السرية بالحجم الكامل ينتظران في مخبئهما للانقضاض على قاتل تبدو عليه سمات الرجل المحترم لايزال يتجول بقرب جثة ضحيته العارية ومن المثير ان الصورة تبدو متعاطفة مع القاتل وفي الحقيقة فان السرياليين عبروا احيانا عن اعجابهم بالمجرمين لكونهم مبدعين في كسر القوانين. وتكمن احدى مفارقات السريالية في حقيقة ان الحركة الفنية المكرسة للتحرر من القواعد والقيود كانت نظرية وتجريدية الى حد كبير وليس مفاجئا ان بعض اقوى شخصياتها اصطدموا في نهاية المطاف مع بريتون وعلى سبيل المثال فان تقديس جوان ميرو لفكرة «الهلوسة» واستخدامه لاشكال احيائية كتلك المستخدمة في لوحة «اشكال ونجوم» كانا بمثابة خروج صارخ على قاموس بريتون. وفي عام 1933 اعلن ميرو: «انني دائم الانشغال في تكوين اللوحة بحد ذاته وليس فقط دلالاتها وهذا الذي يفصلني الان عن السرياليين وماغريت نفسه خرج عن الجماعة الباريسية بعد بريتون عندما طلب من زوجته في اجتماع لجماعة السرياليين ان تنزع الصليب من عنقه. حالة خاصة وكان بيكاسو حالة خاصة ففي اوائل الثلاثينيات كان قد اصبح قريبا جدا من السرياليين كما يتضح في اعمال له مثل لوحة «القبلة» وفي الاشكال مقطعة الاوصال في لوحة «امرأة ترمي حجرا» التي يقال انها متأثرة كثيرا باسلوب ميرو لكن بعد حوالي عشرة اعوام شق بيكاسو لنفسه طريقا خاصا وكان سبيس صديقا مقربا لكل من ايرنست وبيكاسو في الستينيات وهو يسترجع الان الاختلافات المقامة بين الفنانين اذ يقوللالا «لقد كان ايرنست مصقولا تماما واتذكر انه كان قارئا نهما للشعر والعلوم الطبيعية وكل شيء، اما بيكاسو فكنت اشعر ان بمقدوره ان يرفع الكتاب الى محاذاة عينيه من دون ان يفتحه ويمتص كل ما فيه برؤيته الفورية الثاقبة التي تخترق الاشياء مثل اشعة اكس». ومع هروب اعضاء الحركة السريالية من فرنسا المحتلة من قبل النازيين للمنفى في الولايات المتحدة في الاربعينيات كانوا في طريق رجوعها الى «عهدهم القديم مع «التلقائية» لتكون تلك بداية للظلال القاتمة على اعمالهم ولتشتتهم ودالي الذي تزوج من جالا ايلوار، استثني من آخر فعاليات السرياليين في المعرض الكبير الذي اقيم في نيويورك عام 1942 بعد ذلك انفصل بريتون المولع الى حد كبير بالشهرة عن الاخرين وكانت لوحة دالي لعبة حزينة «مفرطة في العري والجرأة لدرجة ان رفاقه السرياليين انفسهم صدموا بها. لكن معرض «السريالية 1919 ـ 1944» يتيح لدالي الانعتاق من خطيئته بتسليط الضوء على لوحته المثيرة «حلم سببه تحليق نحلة حول رمانة لثانية واحدة قبل استيقاظها» وتصور اللوحة زوجته جالا في مظهر فينوس، وهي تضطجع عارية فوق بعض الصخور، وفوقها نمران يقفزان من فم سمكة ذهبية صغيرة وكأنهما سيخرجا من اللوحة نفسها. وفي زمن لا يتلازم دائما مع خط العقلانية، تعلمنا كيف نتقبل اللاعقلانية السريالية ويتذكر احد زوار المعرض فجأة كيف تابع مع صغاره مؤخرا فيلما كرتونيا من انتاج ديزني يظهر فيه ميكي ماوس واصدقاؤه وهم يمشون الهوينى عبر حقل من ساعات دالي المنصهرة.