الخميس 19 رجب 1423 هـ الموافق 26 سبتمبر 2002 تعتزم الحكومة الجديدة في هولندا السماح باقامة مشروع ضخم لانتاج الغاز في واحدة من اكبر المحميات الطبيعية في أوروبا وهي «وادن سي». لكن نشطاء البيئة الهولنديين يعارضون هذا الامر بقوة قائلين ان الحفر سيدمر نظاما بيئيا فريدا ومهما على المستوى العالمي. ومن جانبهم يقول المؤيدون ان مخاوف نشطاء البيئة مبالغ بها وأن البيئة لن تعاني. ولكن هل من الممكن ان يتم الحفر بحثا عن الغاز في محمية طبيعية بدون ان يؤدي الى تشويهها؟ تعتبر محمية «وادن سي» منطقة بحرية ساحلية ضحلة محاطة بسلسلة من الجزر التي تحميها من بحر الشمال. ويعتبر هذا البحر، الذي يمتد من الساحل الشمالي لهولندا الى جنوب الدانمارك، ساحة شاسعة وديناميكية من القنوات المدية والمسطحات الطينية والضفاف الرملية المتغيرة والسبخات المالحة والمروج والكثبان الرطبة. ملاذ آمن وهي منطقة ذات جمال خلاب وتعد ملاذا امنا للعديد من الحيوانات والنباتات المحمية، من بينها طائر الزقزاق المهدد بالانقراض وطائر الخرشنة الصغير والليموزية اسود الذيل. وتستخدم اسماك بحر الشمال مثل الرنكة وسمك الموسى والبلايس المنطقة كمرعى لها، وهي مشهورة بمجموعات الفقمة التي تقطنها. ولكن اهم وظيفة بيئية تؤديها هي حقيقة كونها ملاذا للطيور، فحوالي 50 نوعا من الطيور تعتمد عليها. وفي كل عام تزور ملايين الطيور المهاجرة البحر لكي تبحث عن الطعام على المسطحات المدية الغنية وملايين غيرها تقضي الشتاء هناك. وفي عام 1978 وانطلاقا من ادراكها للأهمية الدولية للمنطقة، وقعت هولندا وألمانيا والدانمارك اتفاقا لحماية البحر. وفي عام 1984، اعترفت معاهدة رامسار الدولية حول الأراضي السبخية بمنطقة «وادن سي» كمنطقة ذات اهمية عالمية، وفي عام 2005 ستقترحها الدول الثلاث التي تحد البحر كموقع للتراث العالمي. وهي محمية ايضا بموجب قوانين الاتحاد الاوروبي للطيور ومواطنها الطبيعية. وباختصار، فإن اي شيء يحدث في منطقة «وادن سي» يعد شأنا دوليا. غير ان البحر لا يعتبر كنزا لزواته البيئية فحسب. فتحت قاع البحر، يقبع حوالي 40 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي وهي كمية تكفي لامداد اكبر اربع مدن في هولندا بحاجتها من الغاز لمدة 18 عاما. دور مهم لقد لعب الغاز الطبيعي دورا مهما في الاقتصاد الهولندي منذ اكتشاف حقل غروننجن للغاز في الخمسينيات من القرن الماضي الذي يدر ارباحا هائلة من التصدير ويزود البلاد بالكهرباء والغاز. وفي السبعينيات قادت عمليات التنقيب الاضافية الى اكتشافات مهمة جديدة في بحر الشمال ولكن عين الصناعة كانت مسلطة منذ فترة طويلة على منطقة «وادن سي» ايضا. وعندما كانت البيئة مسألة ليست ذات اهمية كبيرة في الستينيات، حصلت مجموعة من شركات النفط على حقوق انتاج دائمة على اجزاء واسعة من «وادن سي» ولكن الحكومات الهولندية المتعاقبة قاومت السماح لحقوق الانتاج تلك بأن يتم ممارستها بشكل كامل. وحتى الآن لا يوجد سوى منصتان للغاز في وادن سي. والسبب في ذلك هو امتناع الحكومات السابقة عن السماح باستغلال الحقول المكتشفة في المنطقة اما الآن فإن الحكومة الجديدة تتجه الى الموافقة على استخراج الغاز بكميات تجارية. ومنطقها في ذلك هو ان الغاز يعتبر سلعة مهمة استراتيجيا واقتصاديا بحيث لا يمكن تركها في باطن الارض. ويذكر ان اكبر احتياط لهولندا من الغاز الطبيعي موجود في اليابسة في حقل غروننجن لكن الحكومة قررت في عام 1974 ان هذا الحقل ينبغي توفيره لأيام الشدة وتبنت سياسة الحقل الصغير التي تشجع على التنقيب والانتاج من حقول صغيرة كتلك الموجودة في بحر الشمال. والسؤال الذي يطرح الآن بقوة هو: ماذا سحل بالبيئة في ضوء هذه المشروعات؟ تقول شركات النفط انها تستطيع استخراج الغاز بدون الحاق الاذى بالبيئة. اما المشككون فيقولون ان هذا الامر غير مضمون، حيث ان التلوث سيشكل خطرا دائما. ولكن الخوف الاكبر يأتي من احتمال حدوث انخساف في قاع البحر. استخراج الغاز يعتبر الانخساف الارضي نتيجة لا يمكن تجنبها لاستخراج الغاز. فازالة الغاز تخفض الضغط في مساحات الصخور الحاملة للغاز وتضغطها وخطورة هذا الامر تختلف اعتمادا على عمق مخزون الغاز ونوع الصخور وسماكة الطبقات وشكل وحجم الحقل. وبشكل عام فإن حقلا صغيرا وعميقا سيسبب انخسافا اقل حدة من الحقل الكبير الضحل. يعتبر معدل ومدى الانخساف الذي يتوقع حدوثه في اعقاب استخراج الغاز من وادن سي موضع خلاف كبير فالبيئيون يزعمون ان الانخساف سيسبب ضررا لا يمكن اصلاحه من خلال تخفيض مستوى قاع البحر واغراق المسطحات الطينية المدية الفنية بالغذاء، والتي تعتبر عنصرا حيويا في النظام البيئي. واذا ما اضيف التأثير المحتمل لارتفاع في منسوب مياه البحر في اعقاب التغير المناخي فإن منطقة «وادن سي» برمتها قد تختفي تحت الأمواج. ضرار عمير