الاربعاء 18 رجب 1423 هـ الموافق 25 سبتمبر 2002 ان معاملة الابناء فن يستعصي على كثير من الآباء والامهات وكثيرا ما يتساءل الآباء عن احدى السبل للتعامل مع ابنائهم.. وهناك الكثير من الآباء والامهات يفرطون في تدليل اطفالهم وبالتالي تقل لديهم فرصة الاستقلال بأنفسهم او بمعنى اخر يعيق الدلع والحب الزائد تنمية الذات المستقلة للطفل، فالحب الكثير للطفل شأنه في ذلك شأن الحرمان من الحب يولد روح الانانية ويجعل الطفل دائما متقوقعا داخل نفسه متصورا انه مركز الحياة ومحورها وعندما يصبح رجلا لايجد نفس الحب والاهتمام ممن حوله ويشعر ان الدنيا لا تقدره وسرعان ما يتغير شعوره نحو العالم فاما ان يكون عدوانيا او ينعزل عن الحياة وبذلك يكون الافراط في الحب سببا في اختلال تكيفه مع الاخرين اما انعدامه فقد يتسبب عنه مشكلات نفسية واجتماعية لذا يجدر بالاباء والامهات التوفيق في مسألة الحب لابنائهم وعدم الافراط فيه او حرمانهم منه، حول الافراط في حب الابناء والدلال كان ل«دنيا الناس» هذا التحقيق. الدكتور حسان شمسي يقول: من الاهمية ان يعرف الوالدان كيف يتجاوبان برفق وحزم في آن واحد مع مشاعر الطفل فلا مواجهة حادة بالكلام او الضرب ولا مشاجرة بين الام وابنها وانما باشعاره بحزم ان ما قاله كلام سييء لا يمكن قبوله وانه لن يرضى هو نفسه عن هذا الكلام ولا يعني ذلك ان يتساهل الوالدان بترك الولد يفعل ما يشاء بل لابد من وجود ضوابط واضحة تحدد ماهو مقبول وغير مقبول فمن حق الطفل ان يعبر عن غضبه بالبكاء او الكلام ولكن لا يسمح له ابدا بتكسير الادوات في البيت او ضرب اخوته ورفقائه. وينبغي على الابوين ان يحرصا على حب الاطفال ولا يقوما باعمال تبغضهم بهما كالاهانة والعقاب المتكرر والاهمال وعدم تلبية مطالبهم المشروعة وعليهما اذا اضطرا يوما الى معاقبة الطفل ان يسعيا لاستمالته بالحكمة لئلا يزول الحب الذي لاتتم تربية بدونه وليس معنى الحب ان يستولي الاطفال على الحكم في البيت ويقوموا بما تهوى انفسهم دون رادع او نظام فليس هذا حبا بل انه هو الضعف والخراب. ويضيف: لابد ان نترك لابنائنا قليلا من الحرية والاجتهاد في اقناعهم بان هذه الحرية ستسلب اذا اساءوا استعمالها: ان الطفل يشعر بدافع قوي للمحاربة من اجل حريته فهو يحارب مثلا من اجل الا يستسلم لارتداء الجوارب بالاسلوب الصحيح والحقيقة ان الطفل يحتاج الى ان تحبه وان تحضنه لا ان تحاصره ويحتاج الى الرعاية الممزوجة بالثقة والى ان نعلمه كل جديد من دون ان تكرهه عليه. الحب مطلوب تمام محمود (موظف) يقول: لايوجد اب او ام لايرغبان في منح اطفالهما الحب والثناء والتقدير فكل والدين يدللان اطفالهما بما يملكان خاصة لو كان لديهما طفل وحيد او بنت بين مجموعة من الاولاد ولا اتصور ان هناك اي شيء سلبي في هذا الحب والدلال فالحب كلما كان كبيرا كان لصالح الطافال والآباء والامهات معا فالطفل عندما يعرف ان والديه يحبانه نجد ان ثقته بنفسه تكون كبيرة ويتمتع بقدر كبير من الحرية والقدرة على اتخاذ القرار ومعاملة الناس والاطفال المحيطين حوله بآدب واحترام فالحب مهما كان كثيرا او قليلا فهو في الاخير حب ولابد منه لان الحرمان منه قد يعرض الطفل لعقد وامراض نفسية عديدة هو بغنى عنها خاصة عندما يشاهد ابوان يحضنان طفلهما ويستمع منهما لعبارات الحب والدلع لهذا الطفل فنجده يثور داخليا ويشعر بالحقد والحسد الشديد لهذا الطفل وقد يرغب في ضربه لانه افضل منه وينال المحبة من والديه بينما هو يفتقد هذا الحب ويضيف: وقد يتولد في نفسه الكره والحقد على والديه لانهما لايمنحانه الحب الكافي مثله مثل بقية الاطفال.. وهناك فرق بين الحب الزائد والدلع فالاخير يعني ان يكون الاب والام كالخدم عند طفلهما يلبيان كل مطالبه بالحرف الواحد ولايرفضان طلبه ابدا واذا اخطأ يعفيان عنه بدون عقوبة واذا مرض يقعدان الدنيا لاجله وهنا يحس الطفل بانه مخلوق غريب عن بقية الاطفال وانه افضل واحسن منهم فهو كالامير يأمر وينهي وتلبى طلباته بالاشارة والحرف الواحد وعندما يرفض اي طفل ان يعامله معاملة الامراء يبتعد عنه ولا يقترب ابدا منه ويفضل ان يخلق صداقات عديدة له بشرط ان يكون هو القائد الذي يوجه اصدقاءه لانه يشعر بعظمة نفسه.. المساواة في الحب سوزي (موظفة) تقول: محور اهتمام كل الاطفال هو الحصول على حب والديهم فاذا شعروا باختلال ميزان الحب ثارت غيرتهم وهذه الغيرة تظل في نفوسهم الى سن كبيرة لانتصورها وهناك الكثير من الاباء والامهات يفضلون طفلا من اطفالهم على البقية ويغدقون عليه الحب الزائد والدلال ربما لانه متفوق دراسيا ويبدأ الوالدان بالمدح والتشجيع له دون اخوته الباقين ما يشعرهم بالدونية والاهانة ومن ثم الغيرة من اخيهم الذي يحصل على كل هذا المدح والتشجيع وقد يعتقد الآباء ان هذا شيء طبيعي بل امر محفز للمتفوق وتشجيع للبقية للسير على خطى شقيقهم ولكنه اعتقاد خاطيء جدا بنظري فلابد من المساواة في اظهار الحب وعدم الميل الى الطفل المتفوق او الهاديء فالحب من حق كل الاطفال وعلى الوالدين الا يستخدما الحب كوسيلة للثواب او العقاب فالرسالة المهمة التي يجب ان تصل الى جميع الاطفال هي اننا نحبهم جميعا كما هم بصفاتهم وقدراتهم وعندما نغضب انما نغضب من التصرفات ولكن الحب شيء ثابت للجميع بنفس القدر والافراط فيه قد يؤثر سلبا على طفل دون الآخر.. فالاباء الذين يدللون اطفالهم المتفوقين دون البقية ينالون حب المتفوق فقط دون بقية اطفالهم وعندما يكبر الاطفال نجد ان الطفل المتفوق والمدلل والذي نال الحب الزائد من والديه غالبا ما يكون انانيا يفكر في نفسه فقط لانه يشعر بأهميته فالوالدان منحاه كل ما يريد وبدلا من ان يقدر لهما هذا الجميل ويرد هذا الحب حبا مضاعفا نجده يتصرف بشكل سلبي تجاه والديه وغالبا ما يكون شحيحا في عواطفه ويحقد على كل من هو افضل منه في الاستماتة من اجل النجاح مهما كانت الوسائل والسبل. الافراط ضياع سامر احمد (موظف) يقول: التوازن في الحياة مطلوب في كل امر من الامور سواء من ناحية الطعام او الحب.. فالافراط في الطعام يعطي نتيجة عكسية لبدن الانسان فبدلا من ان يكون الطعام وسيلة لامداد الجسم بما يحتاج اليه من فيتامينات وبروتينات يكون وسيلة لجذب المرض اليه والامر كذلك بالنسبة للحب فالافراط فيه يحقق نتيجة عكسية للاطفال فهناك الكثير من الاباء والامهات لايدركون اهمية الحب في نفس الطفل وبشكل لا ارادي نجدهم يضربون عن منحه لابنائهم وهناك آباء وامهات يفرطون في الحب والدلال بشكل كبير ولاسباب عديدة منها جمال الطفل او لانه الطفل الوحيد او لانه مريض او لانه ذكي وغيرها من اسباب. والكثير من الاطباء والتربويين يحذرون من الافراط في حب الاطفال لانه يصبح عامل دمار وضياع للطفل بدلا من ان يكون عامل تميز وتفوق في المدرسة والبيت والحياة ففي احيان كثيرة نجد ان الحب الزائد يخلق طفلا هامشيا وغير قادر على الاندماج في الوسط الذي يحيط به سواء بالمدرسة او وسط اصدقائه لانه تعود منذ البداية على الدلال من والديه فاصبح عالمه هو والدية فقط وحبهم اما الناس والمحيطون به فلا يعنون له شيئا ويقول: الطفل الذي ينال حظا اكبر من الحب من قبل والديه قد يصاب بمرض التوحد نتيجة الدلال فيرفض اللعب والتحدث مع اي شخص الا مع والديه وبالطبع هناك امراض عديدة ترافق الطفل المدلل مع مرور الايام والسنوات والتجارب اثبتت ان المدللين هم اكثر الاشخاص حزنا في الحياة واتعسهم حظا عندما يكبرون. الدلال والفشل داود.س (موظف) يقول: من خلال مشاهداتي في هذه الحياة وجدت ان الاطفال المدللين هم اكثر الناس فشلا في حياتهم واذا بحثت عن السبب تجد ان الطفل المدلل تعود منذ نعومة اظفاره ان يلبس احس لبس وينال اعلى مراتب المحبة والثناء والتشجيع من والديه حتى ولو كان مخطئا في بعض الامور وان تنفذ كل طلباته واذا ما احتاج امرا من الامور يسعى الوالدان لتيسيره له ومواجهة كل العقبات دون اطلاع ابنهم على ذلك، لذا نجد ان هذا الطفل يشعر بان الدنيا وردية ومتى ما اراد شيئا يحصل عليه بكل سهولة فتتزايد مطالبه مع الايام وغالبا ما يميل الى العناد والتكبر والغرور والنظر لمن حوله بالدونية خاصة لو كانوا يعانون من مشاكل مادية وازمات كما انه ينظر لكل الامور من زاوية المصلحة الشخصية وليس العامة حتى لاقرب الناس له.. ويضيف داودس: لدينا صديقه لديها بنت وولدان وهم الان في سن المراهقة.. ومنذ الصغر كانت الوالدة تفضل منح الحب والحنان للابنة اكثر من الولدين باعتبار انها انثى ووحيدة بين صبيين وعندما كبرت البنت اصبحت عصبية جدا وتعتمد على والديها في تنفيذ كل ما يخصها وعندما وصلت للمرحلة الثانوية اعتمدت على قرار الوالدة في اختيار التخصص العلمي او الادبي لانها في الاساس اعطت والديها الحق في التصرف في كل امورها بالحياة حتى تلك التي تخصها بشكل دقيق كما انها سلبية كثيرا في الحياة فلا تنظر للناس نظرة اعتيادية بل ترى نفسها افضل حالا منهم واذا لم يعجبها شخصا ما يتردد على المنزل ترفض قطعيا مجالسته والتحدث معه واذا صادف وجلست معه تتفنن في تحطيم معنوياته حتى لايعاود زيارتهم. التوسط تشير احدى المواقع بالشبكة الى ان تربية الطفل على الرفاهية والتدليل الزائد تجعله ضعيف الشخصية تافه الاهتمامات ومن مظاهر الترف الاهتمام الزائد بمظهر الطفل واناقته مما يسفه اهتماماته ويجعلها محصورة في الشكليات وكذلك تلبية جميع طلباته فينشأ الطفل منعماً، همه نفسه ولا يبالي بالآخرين ولا يريد ان يتعب او يجتهد لتحصيل الرزق او الحفاظ على النعمة.. ومن العجيب انه قيل ان اكثر من يحقد على والديه هو الطفل المدلل لأن دوام الحال من المحال وسيواجه المجتمع فيما بعد بمفرده. اذاً فمن سيلبي طلباته ومن يعينه على مواجهة صعوبات الحياة ومشكلاتها التي لم يعتدها ولذا ينصح علماء التربية بالتنبه لذلك منذ الاشهر الاولى فينصحون بعدم اعطاء الطفل كل ما يريد اذا بكى رحمة به ورأفة او رغبة في تسكيته منعاً للازعاج ويروي ان رجلاً اتى «مالك بن نبي» يسترشده لتربية بنت له ولدت حديثاً فسأله: كم عمرها؟ قال شهر قال: فاتك القطار وكان يظن بادئ الامر انه مبالغ ثم قال: عندما نظرت وجدت ان ما قلته الحق وذلك ان الولد يبكي فتعطيه امه الثدي فينطبع في نفسه ان الصراخ هو الوسيلة الى الوصول الى ما يريد ويكبر على هذا «فإذا ضربه اليهود بكى في مجلس الامن يظن ان البكاء يوصله الى حقه» ولكن لا ينطبق هذا السلوك على اعطائه شرابه اذا جاع لكن المقصود انه اذا بكى في الاشهر الاولى ـ دون مرض ـ بعد اعطائه طعامه وشرابه وتنظيف ملابسه وبدنه والحنان الذي يحتاج اليه بملاعبته وهدهدته ثم ما ان يوضع على الارض الا ويعلو صوته بالبكاء حتى يحمل فيسكت رغبة في استمرار حمله فهذا هو البلاء لأنه عرف ان البكاء هو الوسيلة لتحقيق مطلبه ورفاهيته فهنا لابد من مخالفة هواه.. غير ان حرمان الطفل من العطف والحب ومعاملته بالشدة حتى يكون جلداً يتحمل مصاعب الحياة خطأ جسيم في حق الطفل فالنفس مجبولة على الحب وتحتاج الحنان والشفقة وان حرم الطفل هذا الحنان سيبحث عنه في اي مكان ومن اي شخص ولو كان فاسقاً. والحرمان المستمر والكبت والتقييد حتى يكون الطفل جاداً نظامياً في حياته اسلوب خاطئ في التربية لان الطفل يشعر انه بحاجة الى ما طلب والحرمان المستمر قد يؤدي للانفجار.. واذا لم يكن في الامر ثمة اشكال فما المانع من اعطائه حاجته وما يريد في حدود المعقول فإنه اذا اعطى انشرحت نفسه وشعر بتحقيق ذاته والاستجابة لميوله فلابد من التوسط في العواطف فتكون شفقة في حزم فلا افراط ولا تفريط فلا نبالغ في الحنان والعواطف بشكل زائد ولا نبالغ في الجفاء ونحرم الطفل حقه من الحنان.. ويرى بعض الآباء ان معاقبة الطفل شيء خاطئ ويعتبرون ذلك اسلوباً حضارياً وتربوياً صحيحاً لكن الشيخ محمد قطب يقول: ان التربية بالعقوبة امر طبيعي بالنسبة للبشر عامة والطفل خاصة فلا ينبغي ان نستنكر ذلك من باب التظاهر بالعطف على الطفل او التظاهر بالعلم فالتجربة العملية ذاتها تؤكد ان الاجيال التي نشأت في ظل تحريم العقوبة ونبذ استخدامها اجيال مائعة لا تصلح لجديات الحياة ومهامها، والتجربة اولى بالاقناع من النظريات المجردة.. فالعطف والحب الحقيقي على الطفولة هما اللذان يرعيان مصالحها في مستقبلها والعقوبة لابد منها لكن ينبغي مراعاة احترام كيان الطفل وتقديرنا له كإنسان بالعبارات اللائقة وان يراعى التدرج السليم في التأديب وعدم فضح الطفل اذا اخطأ والا يذكر الوالدان اخطاءه امام الناس سواء كان على سبيل النصح والتوجيه او على سبيل الاخبار والحديث مع الاهل لما له اثر سلبي على نفسية الطفل. تحقيق: عائشة عثمان