الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 اذا كانت احداث الحادي عشر من سبتمبر قد كشفت ما حدث على السطح وما تحت قشرة العلاقة التي تربط الغرب وبالذات اميركا مع الشرق الاوسط كشفا لم ير مثله في تاريخ هذه العلاقة من قبل، فان هذا الحدث الذي هز اميركا وتهز تبعاته العالم الى اليوم، قد نبر ايضا ما تحت رماد العلاقة حينما صاح صمويل هنتنغتون بأن ما الح عليه في كتابه صراع الحضارات هو الان يمثل في صراع الحضارة الغربية مع حضارة الشرق الاوسط، وخصص اكثر حينما قال حضارة الاسلام.. ان الصيحات التي تعالت من الغرب من ضرورة اعادة النظر الى الاسلام والامة الاسلامية من جديد، وتلك التي تطرفت ووصفت بالارهاب والارهابيين، واولئك الذين ملأوا الكأس سم الافاعي ليتجرعه الغربيون والعرب على حد سواء فتح الباب الكبير امام الاسئلة الكبيرة.. ولان العالم اليوم صار فجأة يؤرخ تحركاته وتفاعلاته بما قبل وبما بعد الحادي عشر من سبتمبر، وكأن ذلك الحدث صار كوع التاريخ ومفصله الحاد، فان الكل اليوم من مهتمين ومن منغمسين في لجنة العلاقات الغربية الشرق اوسطية يفتحون مجالا لعلامات من الاستفهام كبيرة حول ما آل اليه حال العلاقة، وما يمكن ان يتطور اليه.. مساء الاحد الماضي كانت قاعة المحاضرات بندوة الثقافة والعلوم بدبي على موعد مع مثل هذا الغوص في واقع العلاقة وحولها، وكان الجميع هناك يتداولون السؤال الكبير «كيف يستطيع العرب التأثير في السياسة الاميركية تجاه الشرق الاوسط»، جاءت المحاضرة بهذا العنوان السؤال، كما جاء مقدمها وهو اميركي من اصل عربي، يعيش بقرب السياسة الاميركية وعلى محك دائم بصلب العلاقة العربية الاميركية، انه المستشار السياسي والاقتصادي بالولايات المتحدة الاميركية هادي عمرو، وهو ايضا ممن عملوا بجهد كبير من اجل فوز آل غور في حملة الانتخابات الرئاسية التي فاز بها بوش الابن في النهاية، حيث يقول عمرو، لقد جاهدت اياما طويلة عملت خلالها اربعا وعشرين ساعة من اجل ان لا يفوز بوش الابن، ولكن مع ذلك ارى ان اكثر تقارب حدث بين العرب والمسلمين الاميركان في اميركا حدث في عهد بوش.. حضر المحاضرة المستشار ابراهيم بوملحة النائب العام بدبي بالاضافة الى عددا اعضاء ندوة الثقافة والعلوم والمهتمين بشأن العلاقة بين واميركا والعرب.. وفي تقديم المحاضرة والمحاضر قال الزميل علي عبيد: ان هذا السؤال عنوان المحاضرة قد طرح كثيرا بل وآلاف المرات منذ ان اخذت الولايات المتحدة دورها في تشكيل النظام العالمي الجديد، ومنذ ان هاجر العرب الى اميركا ومنذ ان صار الوطن العربي منطقة جذب عالمية، واذا كان هذا السؤال ملحا، فمن المنطقي انه اكثر الحاحا الان وبعد سنة من احداث الحادي عشر من سبتمبر، الاحداث التي غيرت وجه العالم الى وجوه كثيرة.. نحن اليوم بحاجة لمن يجيبنا على هذا السؤال من داخل اميركا.. اما المحاضر المستشار هادي عمرو فقد استهل حديثه حول طبيعة المحددات والمؤثرات في السياسة الخارجية الاميركية وبالذات تجاه الشرق الاوسط، مؤكدا على ان الاعلام في اميركا يلعب دورا كبيرا في صنع القرار السياسي، وان اصوات الناخبين وردات فعلهم اليومية هي التي ترسم مزاج الادارة السياسية واعضاء الكونغرس الذين لا يجدون وقتا كافيا للانصات والاستماع الى شروح طويلة..واضاف: ان في ادارة بوش الابن هناك فريق عمل يعتمد على مبدأ مفاده ان على الولايات المتحدة المضي في اهداف سياستها دون الرجوع الى قرارات الامم المتحدة، مثل كوندوليزا رايس وديك تشيني اللذين لا يهتمان كثيرا بالاستماع الى مستشاريهما. ثم تطرق المستشار الاميركي هادي عمرو الى سياسة بوش الابن تجاه الجالية العربية والمسلمة مشيرا الى انه خلال احداث سبتمبر اختار الرئيس ان يتحدث اليها من خلال المركز الاسلامي، او اقدم مسجد ، وقال ان الرئيس الاميركي اعتبر الجالية العربية والمسلمة مواطنين اميركان يحترمهم كثيرا، وهذا ما رفع شعبية بوش وسط الجالية، لكن نسبة هذه الشعبية تراجعت بعد ذلك من جراء بعض احداث المضايقات التي تعرض لها العرب والمسلمون. وقد حاول المستشار عمرو ان يرسم من خلال حديثه صورة وردية لعلاقة العرب الاميركان والمسلمين بأميركا الان وبعد الاحداث، مشيرا الى ان هناك الان وعيا بدأ يتنمى لدى الاميركان تجاه الاسلام والعرب، على الرغم من الحوادث المتفرقة التي تقع هنا وهناك، وان هذه الصورة بامكانها ان تتعزز لو حاول العرب والمسلمون دفعها الى الامام وباتجاه الشعب الاميركي، وقال المستشار عمرو: لم يحدث من قبل ان تستمع الحكومة ورجالها الى العرب الاميركان، ولكن اليوم هذا يتحقق على ارض الواقع وانا وزملاء لي عربا نلمس هذا بشكل كبير.. وحاول هادي عمرو الاميركي العربي طيلة المحاضرة ان يبرر براءة الشعب الاميركي والحكومة الاميركية من أي ضغينة ضد العرب والمسلمين، مستفيضا في ضرب الامثلة والقصص القصيرة، ومؤكدا ان الساسة ورجال الحكومة يتأثرون بالاعلام كثيرا، وان الاعلام وان كانت تسيطر عليه اليد اليهودية والصهيونية، فان على العرب ان يلعبوا اللعبة ذاتها للتأثير في القرار الاميركي والسياسة الاميركية، وقال: ان ذلك ليس بمستحيل، فالملايين التي يدفعها اليهود في الشارع الاميركي من اجل اثبات وجهات نظرهم بالضرورة ستؤثر في رسم ملامح القرار السياسي الاميركي، وبامكان العرب ان يؤثروا لو انهم قلدوا اليهود.. وحول رده على جملة اسئلة توجه بها الحاضرون، حاول هادي عمرو ان يدفع بالكرة في ملعب العرب الذين يراهم من وجهة نظرة انهم امام فرصة كبيرة لتغيير العلاقة والتأثير فيها، وان عليهم ان يفعلوا الكثير من اجل افهام كل بيت في اميركا بقضاياهم، وقال ان السياسة الاميركية عودتنا على اسلوب سهل للتأثير فيها والتعاطي معها والحصول من خلالها على مكاسب، وهذا الاسلوب له علاقة كبيرة بالالحاح، مشيرا الى ان العرب عليهم الالحاح كثيرا، كما يلح الاسرائيليون.. كما قال هادي عمرو ان السياسة الخارجية الاميركية وبالذات تجاه اسرائيل ليس لها ثوابت، وهي ليست جاهزة ومعدة في السابق، وانما هي تأتي حسب ما يعم في ساحة الناخب الاميركي، ونفى ان تكون اميركا منحازة الى اسرائيل بناء على ثوابت استراتيجية في قانونها ودستورها!! من جانب الحضور كانت هناك اسئلة ومداخلات كثيرة اوضحت الكثير من الانحياز الاميركي لاسرائيل، وان هناك عكس ما يراه المستشار في شأن ثوابت الاستراتيجية الاميركية تجاه الشرق الاوسط.. كما تحدث اخرون عن المضايقات التي يتعرض لها العرب والمسلمون في اميركا الان من حملات تمييز ديني وعرقي، وان هناك عشرات منهم في السجون الاميركية لم يقدموا لمحاكمات حتى الان.. كما اشار الدكتور محمد الركن الى تجاهل الاعلام الاميركي لارقام واعداد وحالات ضحايا الحادي عشر من سبتمبر من العرب والمسلمين، مشيرا الى ان وسائل الاعلام الاميركية قد اسهبت كثيرا في عرض الحالات الاميركية والاجنبية وتم تجاهل الحالات والضحايا المسلمون، وكأنهم بذلك قد احالوا هؤلاء الضحايا المسلمين الى دور الجاني.. كما طرح الشيخ خالد بن زايد بن صقر آل نهيان سؤالا للمحاضر حول الطريقة التي يمكن ان يلعب بها العرب اللعبة الاعلامية في اميركا في ظل من يسيطر عليها من اليهود، وكان قد قدم مداخلة تناول فيها الرد على تأكيدات المستشار هادي عمرو على ان الجالية العربية والمسلمة في اميركا تعيش في امان وان نسبة المضايقات قليلة، واشار الشيخ خالد في ذلك الى عدد كبير من العرب والمسلمين هناك يفكرون في الهجرة من اميركا وترك اعمالهم وتجارتهم لان الاحوال ماعادت كما السابق، وان نسبة المضايقات ليست بالقليلة كما يشير المحاضر.. وقال المستشار هادي عمرو في رده على اسلوب اللعبة الاعلامية في اميركا، ان السفارات العربية في اميركا كثيرة وان هناك سفارة اسرائيلية واحدة، لكن الاسرائيليين واليهود يعملون كأفراد في المجتمع الاميركي لهذا فان تأثيرهم كبير وبالغ، وعلى العرب ان يفعلوا الشيء نفسه، عليهم ان يتحركوا كأفراد.. واضاف عمرو: انا لا اقول انه ليس هناك مشاكل في اميركا، لكن ايضا هناك فرصة الان لتغيير اميركا.. ومن جانبه قال نجيب الشامسي: نحن كعرب لدينا قدرة على التأثير والتغيير لكن مشكلتنا هي ان مصادر قوتنا مبعثرة، والضعيف لايمكن ان يغير القوي، لابد لنا من التوحد والتكتل لتكون لنا لغة حوار مبنية على المصالح، الواقع يقول ان الانظمة العربية انظمة غير ديمقراطية واميركا تتعامل مع الحكومات ولا تتعامل مع الشعوب، والاميركان مطالبون باعادة النظر في علاقاتهم مع الشعوب العربية.. وختم الشامسي مداخلته باتهام العرب الاميركا بأنهم يعيشون في حالة انسلاخ عن امتهم وانهم ليسوا الا فقاعة اعلامية.. ورد المستشار هادي عمرو: انه لا احد يطلب من العرب ان يتأمركوا لكن ايضا لا اعتقد ان العرب يتحدثون للشعب الاميركي، العرب يتحدثون الى اميركا من القمة الى القاع وفي اميركا يفترض ان تتحدث من القاع الى القمة لكي توصل ما تريد. مداخلات عديدة واجهها المستشار الاميركي هادي عمرو خلال محاضرته بندوة الثقافة والعلوم اغلبها ركزت على ان مشكلة اميركا مع العرب هي انها لا تنصفهم، وتنحاز لاسرائيل كثيرا، وان استراتيجيات سياستها الخارجية وتجاه الشرق الاوسط مبنية على التسلط واستنزاف الثروات.. ورغم المحاولة من هادي عمرو ورغم المواجهة من الجمهور ووصول الحوار الى مستوى المكاشفات المثالية وهذا ما افاد في قيمة المحاضرة، يبقى ان السؤال في علاقة الشرق الاوسط باميركا او العكس، سؤال كبير طرحت ابجدياته منذ زمن ولادة العلاقة نفسها، لكن مفاصل الاجابة عليه ما زالت معلقة وهلامية حتى هذا اليوم!! تغطية: مرعي الحليان