الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 جيل نوبل لا تعرف اين اضاعت مفتاح الباب الامامي لمنزلها الواقع في جزيرة «مك» الاسكتلندية النائية لكن الامر هذا لا يقلقها كثيرا ولا يبعث على الدهشة فهي لم تجد ابدا سببا يدفعها لاستخدامه. فعلى جزيرة «مك» لا يفكر الناس في اقفال ابوابهم او تركيب اجراس، على حد يقول جيل وهي ام لطفلين اذ يدخل الناس بيوت بعضهم البعض بلا استئذان. والامر نفسه ينطبق على ساعي البريد فلأن صناديق الرسائل لا وجود لها على الجزيرة يفتح ساعي البريد ابواب المنازل ويلقي الرسائل بالداخل ولو تساءل شخص ما عما اذا كانت سياسة الباب المفتوح هذه في القرن الحادي والعشرين مشجعة على الجريمة لوجد نفسه اضحوكة وهدفا لسخرية سكان الجزيرة النائية التي تعتبرها الآن «جيل» موطنا لها فآخر جريمة سجلت في جزيرة «مك» وقعت منذ عشرين عاما عندما قام احدهم بسرقة زجاجتي نبيذ وسرعان ما اكتشف سكان الجزيرة الذين لا يتجاوز عددهم اربعة وعشرين شخصا الفاعل. وتضحك جيل فتقول ان هذا هو ما يميز الحياة على جزيرة نائية فحتى لو دخل الشخص منزلا وسرق جهاز تلفزيون فانه لن يذهب بعيدا به فليس هناك مكان يمكن الاختباء فيه. ومنذ اقل من 18 شهرا كانت جيل وزوجها نيك يحلمان بالعيش في بيئة خالية من الجريمة مع ابنتيهما كيتن خمسة اعوام وايليش ثلاثة اعوام، فالخوف من الجريمة جعل الزوجين اللذين كانا يقيمان في غرب منطقة يوركشاير في حالة مستمرة من القلق حتى وهما داخل منزلهما المؤلف من ثلاث غرف والواقع في ضواحي ليدز فهناك لا يستطيع المرء ابدا التخلي عن حذره على حد قولها فحتى لو كانت تجلس في حديقة منزلها الخلفية لابد ان تتحقق من ان الباب الامامي مقفل وتضيف «جيل» بالقول بانها وزوجها كثيرا ما يسمعان عن حوادث السرقة التي يتعرض لها الجيران كما ان عمليات المطاردة بين الشرطة واللصوص هو امر شبه يومي امام منزلهما وقد حدث مرة ان استخدم شابان منحرفان حديقتهما الخلفية كطريق للهرب. والسماح للاطفال باللعب خارج المنزل في الشارع لم يكن خيارا بخلاف الطفولة الهادئة التي امضتها «جيل» حينما كانت الاحياء آمنة والاطفال يلعبون كما يحلو لهم خارج البيوت دون ان يثير ذلك قلق الاهل. وكان آل نوبلز يتطلعون للحياة بعيدا عن التلوث والازدحامات المرورية والضجيج والتوتر الناجم عن حياة المدن العصرية. ولذلك عندما سمع الزوجان عن اعلان في الاذاعة يبحث عن عائلة مقطوعة لتقيم في جزيرة «مك» قفزا لاقتناص الفرصة. وقد تقدم اكثر من مئتي شخص بجلب دماء جديدة لجزيرة مك وهي موقع تصوير مسلسل درامي تنتجه محطة الـ «بي بي سي» بعنوان «الفا فدان من السماء» وقد تم انتقاء ست عائلات من بين المتقدمين دعوا لقضاء اسبوع على الجزيرة واقناع عمدة الجزيرة لورنس مكوين وسكان الجزيرة الآخرين لاختيارهم. ومنذ اللحظة الاولى التي وطأت فيها اقدامهم ارض الجزيرة وهبطوا من القارب الذي اقلهم ادركوا ان هذا هو المكان الذي يريدون ان يكونوا فيه فقد كان حلمهم ان يهربوا من جنون وسرعة ايقاع حياة المدن. وهدف آل نوبلز هو العمل من اجل الحياة لا الحياة من اجل العمل وهذا هو المكان الذي يستطيعون فيه تحقيق ذلك. وكان سكان الجزيرة يبحثون عن عائلة شابة قادرة على جلب عملها الى الجزيرة ومشغل الكمبيوتر «نيك» والمساعدة الادارية «جيل» تنطبق عليهما تلك المواصفات. وبمجرد حصولهما على الضوء الاخضر باع الزوجان منزل العائلة وفي يوليو العام الماضي انتقلت الاسرة للجزيرة التي تبعد سبعة اميال عن اسكتلندا. واخذ آل نوبلز معهما سيارة اللاندروفر رغم انها مركونة اليوم خارج المنزل بلا حراك ولا يتوقع ان تقطع مسافات طويلة سيما وان في الجزيرة شارعا واحدا فقط طوله ربع ميل، وللتسوق تستقل العائلة عبارة تأخذهم الى اسكتلندا والمشوار اليومي الوحيد الذي تقطعه العائلة هو خمس دقائق من المشي على الاقدام الى مدرسة الاطفال. وتدفع العائلة مبلغ 250 جنيها شهريا كايجار للمنزل الواسع الذي تقيم فيه اضافة الى جنيه واحد شهريا وهو اجر مولد الكهرباء الذي يعمل على سرعة الرياح ولان مجتمع مك صغير هناك اماكن شاسعة للهو الاطفال وتذهب العائلة مرة واحدة في الاسبوع الى الشاطيء. وتشرح جيل انه ما من سبب يدعوها للقلق على ابنتيهما في هذا المكان حتى انها تسمح بزيارة الطفلتين لاصدقائهما لوحدهما والخطر الوحيد على حد قولها هو الخطر الذي يمكن التنبؤ به كالمشي بالقرب من جرف جبلي مثلا. وتعمل جيل حاليا في حضانة المدرسة وتقول ان علاقتها بزوجها تغيرت الآن لانهما يمضيان وقتا اطول مع بعضهما الآن بخلاف ما كان يحدث في السابق. اما زوجها فيقول بأن حياتهما على الجزيرة ليست مثالية على الدوام فعندما يكون الطقس جميلا يكون الامر رائعا لكن في الشتاء تكون هناك صعوبات مثلما حدث في الشتاء الماضي عندما ساءت على حد قوله احوال الطقس ولم تتمكن العبارة من الذهاب الى اسكتلندا وتعذر على الاسرة تناول اي غذاء طازج لمدة ستة ايام اما في الصيف فلا يتوفر التيار الكهربائي بانتظام عندما تقل سرعة الرياح ما يجعل تشغيل اجهزة الكمبيوتر امرا مستحيلا فيتعرقل عمل نيك ولا يجد بالتالي ما يفعله في ليالي الصيف ورغم كونها جزيرة معزولة الا ان الحياة الاجتماعية نشطة جدا فيها بخلاف الحياة في المدن حيث لا يجد الشخص فرصة للقاء الاهل والاصدقاء وعلى حد قول «جيل» فانه لم يخطيء من قال ان الشخص لا يكون وحيدا الا عندما يعيش في المدينة. ابتسام احمد الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |