الخميس 12 رجب 1423 هـ الموافق 19 سبتمبر 2002 تسبب اكتشاف اثري جديد في بريطانيا في موجة دهشة عارمة في صفوف علماء التاريخ والانسان في بريطانيا لأنه سوف يغير من تاريخ بدء ظهور الانسان في المملكة المتحدة وأوروبا بشكل عام، حيث كان من المعتقد في السابق ان الانسان ظهر هناك منذ حوالي 600 ألف الى 750 الف سنة، غير ان الادلة التاريخية التي تم التوصل اليها من خلال هذا الكشف توحي بأن الانسان اطل قبل هذا بنحو ألف سنة ويتمثل هذا الاكتشاف الجديد في التوصل الى أربعة مواقع أثرية وصفت بأنها مهمة للغاية. يقع اثنان منها في ايست انجليا والاثنان الاخران في ويست كونتري ولأسباب واعتبارات أمنية لم يتم الاعلان عن الاماكن بدقة بالنسبة للاكتشافين الاولين. اما الموقع الاثري الاول فهو يقع على ساحل نورفولك على بعد 20 ميلا من مدينة كرومر. ويحظى هذا الموقع بأهمية كبيرة للغاية لسببين اولهما ان جميع محتوياته لا تزال على الحالة نفسها التي تركها عليها الاشخاص الذين كانوا يستخدمونها منذ 600 الف عام. والموقع مثقل ومشبع بالماء ولا تزال جميع جوانبه سليمة وهناك مؤشرات واضحة عن طبيعة المخلوقات التي سكنته والتي حتى الآن تتسم بالغموض. وقد تم العثور في هذا الموقع على فأسين وادلة واضحة على ذبح الحيوانات وتناول لحومها علاوة على مجموعة من عظام تعود لحيوانات غير معروفة. وقد تم اكتشاف الموقع عن طريق مجموعة من علماء الاثار الهواة منذ عامين، وقد ساعد دفن تلك العظام تحت الطين وماء النهر على احتفاظها بحالتها حتى الآن ومنذ 600 الف سنة. اما اهم مظاهر هذا الموقع فهو انه مشبع بالماء. وقد استطاع علماء الاثار اخراج كتل كبيرة من الاخشاب من تحت ارض ومياه الموقع وهي في حالة جيدة للغاية وهناك احتمال كبير في انهم سوف يكتشفون ادوات خشبية وسيقان وجذور واشجار في حالة جيدة وتنتمي لتلك الفترة القصية من الزمن. واكتشاف هذه الكتل الخشبية يرفع من امكانية ان يتمكن العلماء من تحليل طبيعة المناخ في فترات ما قبل التاريخ وذلك عن طريق تحليل خشب وجذور وسيقان تلك الاشجار القديمة. ويختلف العلماء في تحديد عمر هذا الموقع بشكل دقيق، حيث يجنح البعض الى التأكيد بأنه يعود الى نحو 600 الف عام في حين يعتقد البعض الاخر وعلى رأسهم البروفيسور جيمس روز من جامعة لندن ان عمره يرجع الى ما بين 670 الفا الى 750 الف عام الى الوراء. اما الموقع الثاني فيقع على ساحل سافولك على بعد 20 ميلا من مدينة الدبرغ الصغيرة. ويعتقد انه يرجع الى حوالي 750 الف عام قبل الميلاد، وقد اكد ذلك العثور على عظام وبقايا حيوانات عاشت في هذه الفترة، مع وجود بعض اثار انشطة انسانية مثل بعض الادوات الصوانية التي كان يستخدمها البريطانيون الاوائل، وتشير الادلة التاريخية الى ان هذا الموقع وجد في فترة كان المناخ خلالها ادفأ من تلك التي وجد فيها الموقع الأول وان الموقع الاول كان يسبقه بعدد غير محدد من السنوات. غير ان الامر المؤكد هو ان الموقعين احتويا على قدر كبير وثري من الحياة البرية مثل حيوان البيسون وفرس النهر والغزلان الضخمة وعدد كبير من الثدييات، وقد كان العدو الرئيسي للانسان الاول في بريطانيا الاسود والنمو التي كانت تمثل قدرا كبيرا من الخطر على الانسان في هذه الفترة. اما الموقع الثالث فيقع في كهف ويستبري في سمرسيت، وقد اجبر اكتشاف عظام قديمة للغاية في هذا الموقع العلماء الى اعادة تقييم تاريخ سلسلة من الكتل الصوانية التي اثارت قدرا كبيرا من الجدل وتم العثور عليها هناك. وحتى الآن استبعد العلماء امكانية ان تكون تلك الكتل الصوانية قد تكونت بشكل طبيعي ولكن الباحثين في متحف لندن للتاريخ الطبيعي وفي عدد من المتاحف الاخرى ببريطانيا يعتقدون الآن ان هذه الكتل الصوانية تم كسرها وتشذيبها بواسطة الانسان. ويعتقد ان الاشياء التي عثر عليها في هذا الكهف يبلغ عمرها اكثر من 500 ألف عام والدليل على ذلك وجود بعض القوارض والحيوانات في نفس الطبقة التي وجدت فيها العظام والكتل الصوانية ومن هذه القوارض فأر الحقل الذي تم العثور على بقايا منه بجانب ادلة على بعض الانشطة الانسانية، حيث ثبت انها اقدم من بقايا جميع الحيوانات والقوارض التي وجدت في موقع بوكسجرون في سسكس والذي كان يعتقد انه اقدم مكان سكنه الانسان في بريطانيا حيث كان يعود الى 500 الف عام الى الوراء. اما الموقع الرابع فهو في جزء من كهف آخر من منطقة توركاى بديغون ويقوم العلماء باعادة تقييم تاريخ مواد تم استخراجها من هذا الكهف في القرن التاسع عشر فمنذ اكثر من 100 عام عثر العلماء على ادوات حجرية بدائية للغاية في هذا الكهف ولكن احدا استطاع ان يحدد تاريخها بدقة، فقد اوحت الطبقة الاثرية التي اسست منها تلك الادوات انها اقدم من تلك التي عثر عليها في بوكسجرون، ولكن من دون ان يقدر احد على تحديد تاريخها بشكل دقيق وعن طريق تحليل العظام التي تنتمي لثدييات صغيرة عثر عليها في توركواى، حيث يجرى هذا التحليل حاليا في متحف لندن للتاريخ الطبيعي سيمكن تحديد عمر هذه الاحجار بالتحديد. ولاشك في ان هذه الاكتشافات الاربعة يمكنها ان تطرح الامكانية المذهلة المتمثلة في ان سلالة الانسان الاول الذي عرفه العالم والتي غادرت افريقيا لتسكن اماكن متفرقة على سطح الارض وصلت الى الشمال نحو بريطانيا وهذا الامر بدوره يوحي بان قدرة الانسان الاول على التأقلم مع البيئة المحيطة والاجواء الجديدة التي تحيط به ويجبر على التعايش معها كانت اكبر بكثير مما كنا نعتقد وان الانسان الاول لم يكن بدائيا كما كان يعتقد العلماء في السابق. وقبل هذه الاكتشافات كان يعتقد ان الانشطة الانسانية التي بدأت قبل 500 ألف سنة في اوروبا مقصورة على اسبانيا وايطاليا وجورجيا ولكن بعد ثبوت ان الانسان استوطن بريطانيا قبل 500 ألف سنة، فان هناك احتمالية ايضا ان استيطان الارض قد يكون بدأ منذ فترة كبيرة اطول مما كنا نعتقد وعلى نطاق اوسع مما كان معتقدا الامر الذي يوضح ان تاريخ بداية النشاط الانساني والارتقاء والنشوء البشري يختلف بشكل كبير عما هو متعارف عليه حاليا. حاتم حسين الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |