الخميس 12 رجب 1423 هـ الموافق 19 سبتمبر 2002 يتوهج عقل العم «جمعة» وتتقد جذوة الحنين داخله حين يسترجع ذكريات ايام ولت مازالت محفورة في الوجدان، ايام مترعة بالعمل والعرق والكد عاشها صغيرا مزارعا وفي الشباب بحارا وبين الطفولة والصبا والشباب تتأرجح سنون الذكرى يستعيدها العم من بين اعواد الزرع وهامات النخيل وانين وغناء اليازر.. ومن على متون المراكب السابحة للرزق بين الامواج العاتية.. ايام لم يعبأ بقسوة شمسها وغدر لياليها. رحلة ذكريات يحملها طوال رحلة عمرها الآن 65 عاما يستعيدها حين يهزه الشوق وينهل من نهرها العذب رشفة حنين كواحد من جيل نقش بدايات الوطن وهام في عشقه. كانت ايام صعبة وشديدة القسوة ولكنها بسيطة في ملامحها ومفرداتها علمتنا الصبر والايمان من اجل لقمة العيش على الساحل او بين موج البحر الغامض بغناء النهامة كانت تمر الايام هانئة وفي آخر الليل نسبح للخالق شاكرين على الرزق. يسبح العم جمعة خلف بلال الزري في الذكرى ويتذكر البدايات: في الفجيرة وعلى الساحل هناك كان الاب يعمل في الغوص والسفر.. لم اعمل في الغوص وانما في السفر على مراكب الدومى مع الربع الى الهند لجلب الاخشاب من هناك ـ من مليبار الى البصرة والكويت الرحلة تستغرق شهورا بعيدا عن الاهل والوطن. كان عمري وقتها 18 عاما.. وكنت اسافر في العام الواحد مرتين على متون المراكب الخشبية مع 30 فردا.. مازلت اذكر النوخذة اسمه عبدالله الميرزا تعلمنا الغناء خلال الرحلة في الصغر والشباب لم نكن نشعر بالتعب او الملل كان لدينا الحماس وحب العمل والمخاطرة من اجل الرزق والاعتماد على الذات.. الشباب لم يكن لديه في البدايات من فرص العمل سوى السفر والاغتراب شهورا عن الارض والعيال والاهل اتذكر ان ذلك حدث في الاربعينيات والخمسينيات ورغم قسوة وصعوبة السفر كنا نفرح به وبطقوسه الجميلة رأيت عوالم اخرى في الهند ودول الخليج.. في كروال الهندية وكلكتا يبدأ تحميل المركب بالاخشاب حيث يستغرق ذلك شهرا سواء كان الوقت صيفا او شتاء.. تبدأ الحمالة وافراد المركب في النهمة «دايم الله.. ياعزيزي.. يا حبيبي دايم الله» تعلمت الكثير من السفر، طريقة الابحار والقفال وتزوجت امرأة هندية كانت احدى زوجاتي الاربع واشار في حديثه الى الدعم الذي كان يجده من والده فقال كان الوالد يشجعني ويحفزني على العمل والسفر رغم اننا كنا اسرة صغيرة من الوالد والوالدة واخ لي فقط لم أكن سعيد الحظ في التعليم القليل الذي كان موجودا في تلك الايام.. كانت الكتب قليلة والتعليم هو حفظ القرآن على الالواح وبعد ذلك جاءت المصاحف. رغم قسوة الحياة وصعوبتها كنا سعداء لاننا نحب العمل ونغامر من اجل الرزق. وتطرق في حديثه الى رحلاته وماذا كان يعمل فقال عملت في صناعة المراكب والبواخر في الكويت في الخمسينيات مع شبان من دبي والفجيرة والعين.. ثم عملت في السعودية في بناء المنازل لم نعرف الكسل والجلوس في البيوت واعتمدنا على انفسنا منذ الصغر منذ وعيت وانا اعمل اعمالا ثقيلة. وواصل حديثه قائلا قبل ان ابلغ الـ 18 عاما عملت في الزراعة على الساحل كانت هناك مزارع نعمل بها عملت بها كيازر الذي يجلب المياه من الآبار سواء باليد او بمساعدة الثور ومن اليازرة تعلمت الغناء صوت اليازرة كان يصدح بأنين كأنه نهمة قاومت به لفحات الشمس وبرودة الليل كنا نزرع الدخن والفندال والذرة.. وتعلمت فنون الزراعة واصولها وتعلمت ايضا حفر الآبار وري الارض وسقايتها وكان عمري وقتها 7 سنوات عندما اشتغلت بالزراعة، العمل صعب لانه طوال اليوم ليلا ونهارا. وذكر العم جمعة ان صاحب الارض كان يعطيه حصة من الحبوب والمحاصيل حيث لم تكن هناك «بيزات» وانما نصيب من الحبوب وما نزرعه. وقال اتذكر ان النساء ايضا كن يعملن معنا في الزراعة وهن يشتغلن اكثر من الرجال في الزراعة وشئون البيت وفي الجبال لجلب الحطب هكذا كانت النسوة قديما لم تكن هناك تفرقة في العمل الكل كان يعمل من اجل العيش والبقاء ومواجهة تحديات ايام صعبة. جلسات الود الناس كانت تعيش في فرح عندما تعمل والكبير يعلم الصغير ويساعده، جلسات الصلح والود لم تعط فرصة لحدوث اية مشاكل او صراعات فالايام كانت اقوى واشد من اية صراعات وليس لدينا طاقة لذلك سوى مواجهتها. كانت العلاقات بين الناس شديدة الود الجار يعلم ابن الجار بل احيانا يقسو عليه والاب يوصي جاره على ابنه.. من هنا كنا نشعر اننا نعيش كلنا في اسرة واحدة العيون ترقب الصغار وتردعهم. واسترجع ذاكرته لأيام الطفولة فقال عشت كما جيلي في العمل لكن كنا كأطفال صغار نتجمع ونلعب العابنا الشعبية مثل «الحوسة» «حوم.. حوم.. مادرس.. أنا ركيبك الفرس» الى جانب ذلك تعلمنا السباحة في البحر. اما الكبار فقد كانوا يأتون عبر الركاب (الجمال والحمير) الى دبي والشارقة ويسافرون الى عمان.. دبي كنا نسمع عنها قديما مثل الآن كانت مركز التجارة في الخليج ايضا البضائع القادمة من الاراضي السعودية والبحرين من البحر تأتي الى دبي مثل الاقمشة والسكر والزيت والطحين كان التجار يأتون الى دبي للحصول على تلك البضائع وبيعها في باقي الامارات المجاورة وكان اهل المناطق على الساحل يفدون الى دبي لشراء البضائع. العمل بالشرطة ويواصل حديثه قائلا في الستينيات وقبل قيام الدولة بسنوات ومع تولي صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله الحكم في امارة ابوظبي التحقت بالعمل في شرطة ابوظبي وكنت ضمن الفوج الثاني الذي التحق بالعمل في الشرطة عقب تولي صاحب السمو الشيخ زايد الحكم في الامارة وخدمت في الشرطة لمدة 27 سنة ثم تقاعدت. الفلوس زمان كانت قليلة ولكن كانت الحياة بسيطة ومع قدوم الخير مع صاحب السمو رئيس الدولة بدأنا نشعر بالتغيير وتحسنت احوال وظروف المعيشة والحياة الرغدة.. ولم يقصر رئيس الدولة واخوانه الحكام تجاهنا في كل شيء سواء في بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمواصلات والمساكن وتغيرت الحياة تماما الى الافضل، رئيس الدولة اسس الامارات وطورها كثيرا على اسس حضارية. وعن اولاده وهل تعلموا منه مهنة الزراعة كما فعل عندما كان صغيرا قال لا.. اردت ان يكون اولادي احسن مني.. فقد التحقوا بالتعليم مع النهضة والتطور في الدولة واهتمت بهم الحكومة بفضل الله ورعاية زايد واخوانه الحكام وفتحت امام الاولاد الباب للتعليم والسفر في كل انحاء الدنيا ولكن حرصت على تعليم اولادي حب العمل وانصحهم دائما بالتعاون والحب والود فيما بينهم وعلمتهم الصدق والرجولة حتى يقول الناس «ما قصر جمعة في تربية اولاده». وكل ما انصح به الجيل الحالي هو الابتعاد عن «البلاوي» والمشاكل والاستماع للنصح. وتطرق العم جمعة لحياته الشخصية ومسيرة الزواج فقال لقد تزوجت اربع زيجات بينها امرأة هندية، اول مرة تزوجت كان عمري 20 عاما واستمر الزواج ثلاث سنوات وانجبت بنتا واحدة ولدى حاليا ثماني بنات وخمسة اولاد وثمانية احفاد. الزواج أيام زمان كان سهلا للغاية تكاليفه بسيطة نحو 600 ـ 700 روبية فقط لذلك كان الزواج كثيرا. ولانه كان من محبي الطرب والغناء والشعر اشار في حديثه للكيفية التي تعلم بها ذلك فقال من خلال السفر كان الربع يغنون لتمضية الوقت وتحمل السفر الطويل والشاق خلال استراحة السفر حيث يتجمع الشباب ويختارون فيما بينهم واحدا ليغنى ويردوا عليه ومن هذه الاغاني «هواى ميلى.. ايه والله هواى ميلى» وكان هناك اختلاف بين غناء البحر والبر، غناء البر يسمى «الدان» والبحر «النهمة» كي نقول فيه: «الزين نظرته نص الليل ماجاني بالعين ماريته حاشى النوم ماجانى». كنا نغني مع كل شيء.. مع الطبيعة والبحر والزراعة نستوحي منها الالحان.. كما تعلمت الشعر شفاهة.. فأنا اقول الشعر ولا اكتبه واتمنى ان أسجل في كتاب او شريط كاسيت وقدمت كل انواع الشعر الشعبي.. واحب من الفرق حاليا العيالة والدان والحربية لانها من التراث. ومازلت احب القدامى من المغنين الشعبيين مثل عيسى بن ندار وعبيد محمد الشاعر وعلي بن عباد ومحمد بن ابراهيم. قرية التراث والعم جمعة يعمل الان في قرية التراث بالشندغة وعن ذلك يقول اعمل منذ خمس سنوات في القرية واحببت العمل فيها لانني اعمل نفس ما قمت به في الطفولة وهو اليازر وهو ما يعني التمسك بالتراث فأنا عاشق للتراث فأنا مثلا لا استعمل الساعة او التليفون حتى الآن.. لانني صاحب تراث، قديما كنا نعرف الوقت من خلال حركة الشمس والظلال وكنا نسمع عن اخبار الدول في السفر. حوار: عادل السنهوري الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |