قال الكاتب والباحث الدكتور احمد بيضون ان ثمة خللا ما في ادراكنا لما هي عليه حال ثقافتنا اليوم، وقد اجترحنا للثقافة عندنا عصراً ذهبياً ، نسخره لتعميم هذا الخلل وتأييده، وتساءل بيضون خلال ندوة بعنوان «ملامح الثقافة في لبنان» عقدت في منتدى مؤسسة شومان بالعاصمة الأردنية عمان عن السبب في الازدراء بالنفس والخنوع امام اقرب الاسلاف الذي يتراءى خلف النشاط المحموم وقد يكون هو نفسه واحدة من علل هذا النشاط؟ ذاك سؤال يستحق ان يطرح ـ كما يقول ـ وقد نجد جواباً فضفاضاً عنه، ينتمي إلى تاريخ الذهنيات، في القول اننا نزاعون دائماً إلى ايثار السالف من الايام والسلف من الناس، متمثلين، في هذا الحديث الشريف، خير القرون الذي انتم فيه، فالذي يليه فالذي يليه، وقد تأولناه بحيث جعلنا كل سلف خيرا من خلفه بالضرورة، على ان هذا تفسير قاصر، فحقيقة الأمر ان الثقافة اليوم أوفر عافية مما كانت عليه قبل ثلاثين سنة، وأما المفتقر إلى العافية ـ أمس واليوم، ولكن اليوم اكثر بكثير من أمس ـ فهو البلاد نفسها مجتمعاً ودولة. وعن الوضع الثقافي الراهن أكد د. بيضون انه لم يبق شيء مما يؤثر عن خمسينيات القرن الماضي وستينياته، في لبنان الثقافة، إلا و حصل ما يضاهيه، مضاعفاً مرة أو مرات،فإذا نحن بدأنا من الفنون، نجد أنفسنا، في الاعوام الاخيرة حيال وتيرة لمعارض التصوير والنحت، وان يكن هذا الاخير محدود الحضور، كان وما يزال، لم يكن للبلاد عهد بها من قبل، وهي معارض كرست حضوراً بات على قدر من الرسوخ أو آخر لفنانين باشروا تجربتهم غداة الحرب، أو كانت هذه الاخيرة قد أجلت ظهورهم بضع سنوات، وتقارن أعمال بعضهم بأعمال القلائل ممن صمد ذكرهم في الستينيات والسبعينيات، من غير ما افتئات على هؤلاء. وقال بيضون ان مراكز العرض تكاثرت نسبياً وعادت المراكز الثقافية الاجنبية لتضطلع بقسطها في هذا المضمار، واستقدم بعض المراكز اعمالا من الخارج للبنانيين أو لاجانب، ولايزال يفعل. على ان الحنين وجد مقاما له هاهنا ايضا. والحنين المشار اليه هنا سنة مستقرة من اعوام الحرب. فلم تغب اعمال الحرفيين، عن الساحة، واعدت مناسبات دورية لعرض التحف والمصوغات من كل نوع.و اقيمت معارض حنين للصور الفوتوغرافية القديمة وللوثائق. وقد كرس بعضها لشخصيات من رموز الثقافة الوطنية استعادت ملامح من سيرها بهذه الوسيلة.و كرس اكثرها لمعالم مختلفة من البلاد والمجتمع ولبيروت، على الخصوص مشيرا الى انه قد يكون جائزاً ان ندرج في سياق الحنين هذه الدوريات، التي اعيدت طباعة مجموعات منها اما تامة واما مختارة، وهذه الكتب التي اعيد طبعها، بعد طول غيبة، لترد الينا وجوها واصواتا من لبنان القديم، تأخذ سبيلاً ينحو بالمشاهد الى الدخول مداورة في جوقة نعي الحاضر. وقال بيضون لا موت للثقافة بل شبهة موت يأخذها بها اهلها الذين تحيا بهم. وهذه شبهة اشتدت وانتشرت مع انتشار موت البشر والمعاني والاشياء في الحرب، وهو الموت الواقعي، ثم اصبحت هاجسا ملازما للمثقفين مع استمرار مفاعيل الحرب بعد توقفها واستحالة المجتمع والدولة الى وسط مقاوم لما كانت الثقافة قد الفت انتاجه من معان مجانسة لاحد مشروعيها الانفي الذكر، اي لاوفر القيم حظا من العمومية في تراثها، واضاف اننا حيال مجهودات ثقافية تاهت عن مسوغها، اذ افتقدته في المجتمع الذي يفترض انه مصدرها. فكان ان اكثر تجلياتها ابداعا ابتدعت لنفسها مسوغا غريبا هو استعداء المجتمع اهلها بما هو مفض الى استعدائها اهله جملة، ذلك موقف يسم طلائعها، وان لم يسمها جميعا، بطبيعة الحال، وهو على قيد مخاض قصير من ولادة المبدعين بما هم افراد، وهو على قيد أنملة من اعلان موت هذه الثقافة او انتحار هؤلاء الافراد. ثم تعرض د. بيضون لحال الشعر فالرواية في لبنان فتوقف عند عدد من التي اتخذت الحرب مدارا لها ليناقش عبر شخصياتها عدداً من الافكار حول الشخصيات واللغة والابعاد النفسية.