بعد ندوة أقامها بالنادي الثقافي العربي تناول فيها الشأن السياسي الفلسطيني، قدم جهاد صالح مدير عام الشئون الثقافية في هيئة التوجيه السياسي والوطني الفلسطينية، ورئيس تحرير مجلة «الزاوية الثقافية» محاضرة عن المشهد الثقافي الفلسطيني استضافها اتحاد كتاب وادباء الامارات ضمن فعاليات ملتقاه الادبي الأسبوعي. استهل جهاد فاضل ورقته بالاشارة الى ان اتفاقيات أوسلو شكلت للمثقف الفلسطيني والعربي صدمة قوية ورغم رفضهم الواضح والمعلن لها، الا انهم عادوا جميعاً الى الوطن «ولعلها الايجابية الوحيدة في هذه الاتفاقيات» وشكلت هذه العودة محاولة واضحة منهم لاقامة مشروعهم الثقافي النهضوي الداعم بشكل وبآخر للموقف السياسي. وقبل الدخول الى التفاصيل المرتبطة بالمشهد الثقافي قدم المحاضر استعراضا عاماً للحالة الثقافية قبل هذه المرحلة والتي تمثلت بمثلث التواجد الفلسطيني والمتوزع بين مثقفي الداخل في مناطق عام 1948 والذين كانت لهم ادوارهم الواضحة في الدفاع عن الهوية الفلسطينية العربية وعدم الذوبان في المشروع الثقافي الصهيوني الاسرائيلي، ومثقفي أراضي الضفة منطقة عام 1967 الذين عانوا من مشاريع العزل وقطع تواصلهم مع الداخل والخارج الى جانب تدمير البنى الثقافية لوقف فعاليتهم وادوارهم الوطنية، وبموازاتهم يأتي المثقفون المتوزعون في دول الشتات وهذه الفئة بدأت حياتها بالحنين والذكريات والتركيز على البعد العربي الذي كان عاجزاً عن فعل أي شيء لقضيتهم. وعبر هذه الفئة نشأ ما سمي بأدب الحنين والاستنكار. منذ قيام الثورة راح المبدع والمثقف الفلسطيني يبدع العديد من الاشكال الادبية المتوازية مع فعل الثورة على أرض الواقع ولم يغب في هذه المرحلة الحنين وشعار حلم العودة الذي جسد ذروة التطلعات المستقبلية للمثقف الفلسطيني حاملا ارهاصات تلك المرحلة ويبرز الى السطح ما يسمى بأدب الوجدانيات والصفحات الاخيرة وكان هذا النوع يعكس الحالات الوجدانية والانطباعات السريعة وتجسيد المعارك والبطولات وغيرها من التفاصيل اليومية. لكنه وبعد حرب الخليج الثانية وبروز الحديث عن مشروع التسوية السياسية في الشرق الاوسط وخاصة على الساحة الفلسطينية على الجانب الثقافي من حالة تهميش ورغم الظواهر الايجابية في مرحلة الثورة، الا ان السياسي انطلاقاً من كونه غير مثقف طغى على القرار وامتلكه وظل المثقف بعيداً عن الفعالية والحضور في كل المتغيرات التي عاشتها الساحة الفلسطينية في تلك المرحلة. برزت للمشهد الثقافي الفلسطيني في مرحلة ما بعد العودة العديد من الابعاد منها ان مثقفي مناطق 1948 كانوا يعانون من حالة انقطاع وعدم التواصل مع الداخل والخارج وهذا الأمر شكل امتحاناً كبيرا بحيث ظهرت حالات من النزعات الذاتية واخذت الاسماء المعروفة عربيا تتعامل مع مبدعي الداخل على انهم كتاب جدد بينما رفع مبدعو الداخل شعارات تقول ان المبدع الحقيقي هو الذي لم يغادر وطنه وظل متمسكاً بأرضه ومقاومته، الى جانب ان المثقف العائد عاش صدمة مزدوجة فهو أولا صدم بالوضع الداخلي والوطن الذي لم يكن كما تصوره، وان وعود اتفاقيات اوسلو لم تنفذ ولا يزال الاسرائيلي بجيشه ودباباته متواجدا في كل مكان. اضافة الى المجتمع ونظرا لظروف الاحتلال كان مجتمعا منغلقا على ذاته ومحافظا جدا. الأمر الذي ادى بالكثير من المثقفين بالوصول الى حالات من اليأس والكآبة وما سمي بالكآبة الوطنية. وأضاف فاضل بأن هذه الحالة تم تداركها عبر اقامة الندوات والأنشطة والفعاليات التي سعت لازالة الفروقات الوطنية بين العائد والمقيم، واحتاج الامر الى الكثير من الجهود المضنية والصعبة، حيث تم العمل على انشاء وتأسيس المؤسسات الثقافية، وتخصيص صفحات ثقافية في الصحف اليومية، لكن الاحداث تفجرت من جديد مع اندلاع انتفاضة الاقصى، وأمام هذه الحالة تشعبت مهام المثقف الفلسطيني وشعر بضرورة وامكانية قيامه بدوره الاستراتيجي والتأسيسي لمشروع ثقافي نهضوي. وأمام عمليات القتل والتدقيق وزرع اليأس في نفوس الفلسطينيين تجاوز المبدع الفلسطيني ادب الحنين، ولم ينظر إلى الخراب الذي يحدث على انه مجرد خراب، بل هو بطولة كبيرة، وراح يواجه التكتيكات السياسية وكانت بياناته قائمة ومتواجدة،. كتب ـ حازم سليمان: