لا يهمها اللقب، لكن تتقبل شاكرة اي توصيف يضعها في المكان اللائق، ومنه: «سيدة الشاشة الصغيرة». امضت المذيعة ومقدمة البرامج التلفزيونية اللبنانية سعاد قاروط العشي عقودا عدة من حياتها في «تلفزيون لبنان» الرسمي قبل ان تنتقل الى المحطة المشفرة في تلفزيون «اي.ار. تي». لكن لا علاقة لهذا الانتقال بالظاهرة المتفشية بين مذيعات الشاشة الصغيرة خاصة، وهي الانتقال السريع من محطة الى اخرى، من ارضية الى فضائية، ومن محلية الى عربية. فانتقال العشي جاء نتيجة ظروف صعبة حكمت قطاع الاعلام الرسمي اللبناني بصورة عامة خلال السنوات الاخيرة.تتأثر سعاد العشي كثيرا عند حديثها عن ذكرياتها في التلفزيون الرسمي، تقول بحداد واجم: «للاسف الدولة نفسها هي التي رسمت نهاية تلفزيونها». وتتذكر اللحظات العصبية عندما نجحت بالعمل فيه في السبعينيات: «كان الامتحان دقيقا وصعبا، وليس مثل ايامنا هذه، واللجنة الفاحصة دقيقة وجدية، والمتقدمات كثيرات، ومعظمهن يحملن شهادات اعلى من شهادتي. لكنني كنت الناجحة الوحيدة من دون واسطة او دعم من هذا النافذ او ذلك». وهي تعتقد ان «البراءة والعفوية اللتين لمسهما اعضاء اللجنة اثناء امتحاني كان جواز سفري على الشاشة الصغيرة». ولا تنسى تجربة عملها في «الاذاعة اللبنانية» الرسمية انذاك: «هناك حيث كان حبي الاول والاخير وراء الميكرفون في الاستديو، تجاه زميلي المذيع احمد العشي فتزوجنا، ومازالت سعادة الميكرفون طاغية على منزلنا الذي للصدفة يقع في منطقة الصنائع في بيروت مقابل الاذاعة، اي على بعد امتار من الاستديو نفسه الذي كنا نعمل فيه». من «تلفزيون لبنان» انتقلت سعاد الى محطة «اي. ار. تي» حيث يتولى زوجها ادارة مكتبها في بيروت، لكن الغربة عن تلفزيون الدولة مازالت تعذبها: «في «اي.ار. تي» مرتاحة جدا، انها محطة رائعة وعالمية، لكنني لم اشعر بعد بصراحة انني «ابنة البيت فيها». ـ لماذا وأي فوارق تلفزيونية واعلامية على شاشة الواقع اللبناني بين الامس واليوم؟ ما الذي يجعل من المذيعة التلفزيونية «عصفورا طائرا» بحيث نشاهدها اليوم في محطة، وفي الغد في محطة ثانية، ثم ثالثة.. وهكذا بسرعة بين فترة قصيرة واخرى اقصر؟. ـ لا استطيع ان اعتبر ان كثرة تنقل المذيعات بين محطة واخرى ظاهرة عامة، بل لكل حالة ظروفها واسبابها، خذ وضعنا مثلا في تلفزيون لبنان «الرسمي» فقد انتقلنا منه الى محطات اخرى، ليس لأسباب تتعلق بنا بل لأمور طرأت بصورة عامة. فقد كتب «بضم الكاف» لهذه المؤسسة ان تنهار، وان ترسم الدولة نهايتها وتقفلها، وكانت النتيجة ان توقف عن العمل معظم من كانوا فيها، بمن فيهم المذيعون والمذيعات. لكن كانت لزملاء في بعض المؤسسات اوضاع خاصة. لا اريد ان ادخل بتسميات في هذا المجال.. فهناك وضع لكل شخص سواء انقلب او انتقل من مؤسسة الى اخرى. واحيانا يرى البعض ان مصلحة الانتقال الى عمل جديد في مكان اخر. وفي احيان اخرى قد ترى المحطة نفسها انه يجب تغيير مذيع أو مذيعة بآخر او بأخرى، لأسباب عديدة قد يكون نها عدم الانسجام، او سوء التفاهم، وربما يحصل المذيع على عرض مغر فيرتأى لزوم الانتقال من مكان عمله الى حيث جاءه العرض. المهم اننا لا نستطيع ان نعتبر ان ظاهرة تنقل المذيعين والمذيعات تشكل وضعا شاذا، او ان ثمة سوء نية مقصودا فيها. بل كل ما في الامر برأيي انه مجرد ظروف تطرأ، وهي لا تحصل في التلفزيون فحسب، بل يمكن ان تنسحب على المهن الاخرى أيضا. ـ هل يمكن ان يكون احد ابرز تلك الأسباب رغبة ادارة المحطة التلفزيونية في تجديد الاشكال التي تقدمها، فتلجأ دائما الى مذيعات قد يكون شرط قبولهن الوحيد للاطلالة على الشاشة هو جمالهن؟ ـ لنتفق اولا على ان المؤسسات الاعلامية تتحمل مسئولية ما يحدث من انتقال لمذيع او مذيعة، وربما يكون القصد هو البحث عن جمال الصورة.. لكن يجب ان نتفق ايضا على ان هذا الجمال لا يكون بالشكل بل بالعمق الذي تتمتع به المذيعة، والا كيف نفسر مثلا نجاح مذيعة «او مقدمة برامج وما شابه» لا يتعدى جمالها الشكلي درجة «الوسط» وفشل اخرى تصل درجة الجمال الذي تتمتع به الى مستوى «الامتياز»؟ بالتأكيد يعني ذلك ان جمال الشكل لا يكفي وحده، ولا يشكل بالتالي السبب المباشر لظاهرة تنقل المذيعات قد يكون احد الاسباب، وربما في مراتبها الاخيرة. ـ لنفترض ان ذلك ينطبق على الناحية المبدئية، لكن ما يراه المشاهد يميل الى كثرة الجمال على حساب نوعية مستوى المذيعة؟ ـ مثل هذا الامر تتحمل المؤسسات الاعلامية مسئوليته، ويبقى رأيي هو ان جمال الصورة يبقى في عمقها، وليس في شكلها. اما اذا اجتمع الاثنان معا فيكون هذا افضل ايضا». ـ لنعد الى بداياتك مع «تلفزيون لبنان» قبل عقود، وفي مراحل انطلاقته الاولى، لماذا تم اختيارك مذيعة اولى انذاك؟ هل كنت المتبارية الوحيدة مثلا؟ ـ ابدا لم اكن الوحيدة، كانت المتقدمات الى المباراة كثيرات، وبعضهن يحملن شهادات اكثر مني، واعلى مستوى لكن رغم ذلك رفضن، واختاروني انا كمذيعة رغم انني لست خريجة كلية اعلام، ولم تكن لدي اية خبرة انذاك في هذا المجال». ـ لماذا اختاروك اذن؟ ما الاسس التي اعتمدتها اللجنة المقررة؟ ـ اذكر انني قدمت فقرات الامتحان بكل براءة وعفوية والارجح هذا هو الذي يشكل جواز سفري الى الشاشة الصغيرة، ويمكن ان ارفق هذا بالقول انني احب مهنة التقديم كثيرا، واشعر انني بامكاني التقدم فيها قفزا وليس على طريقة «الخطوة خطوة». ولاحظت انذاك ان اعضاء اللجنة الفاحصة، وبعد ان اخضعوني للامتحان، وهو عبارة عن مقابلة وقراءة وراء الكاميرا، وقد تم في اجواء رصينة وجدية كثيرا، قالوا لي: «مبروك سعاد نجحت، لكن يجب ان تعرفي قبل اي شيء اخر ان السبب الرئيسي الذي اختارتك اللجنة من اجله دون سواه، هو انها لمست انك قد تتطورين في عملك بسرعة اكثر من غيرك. فلا تخيبي آمالنا». وهكذا كان، وادخلت لاحقا عنصر «القدرة على التطور السريع» الى العلامات الفارقة في جواز سفري ذاك. ـ نذكر انك كنت الناجحة الوحيدة في تلك المباراة ايام زمان رغم ان المتقدمات كن اكثر من عشر فتيات. لنفترض ان الامر كله تكرر الآن فمن ينجح وكم؟ ـ في الماضي كانت اللجان الفاحصة اكثر تشددا من الحاضر. لهذا نجحت وحدي انذاك، لكن مع عدم التشدد القائم حاليا فاعتقد انه سيفوز اكثر من خمس متباريات، والفارق في هذا العدد يبرز تراجع المستوى التلفزيوني. في ايامنا هذه بصورة عامة، لذلك فانني اتمنى بحرارة على المسئولين المعنيين انشاء مدرسة متخصصة لتأهيل المذيع او المذيعة، وتكون منبثقة او متعاونة اكاديميا ومنهجيا مع كليات الاعلام في الجامعات المحلية والاجنبية. اذ من شأن هذا ان يرفع مستوى الاداء التلفزيوني وكوادره وموظفيه في اي قطاع عمل فيه. ـ كنت اعلامية في «تلفزيون لبنان» اي في القطاع الرسمي، ومن ثم انتقلت الى محطة «اي.ار.تي» في القطاع الخاص، ففي اي قطاع وجدت نفسك كتلفزيونية اكثر؟ والى أي مدى يلعب مدير هذه المحطة الزميل احمد العشي دورا في قناعاتك في هذا المجال، كونه زوجك الآن، بعد ان كنتما بدأتما العمل معا قبل الزواج وتوابعه، كمذيعين في الاذاعة اللبنانية «الرسمية»؟ ـ في الحقيقة اقول ان تجربتي في الاعلام والتلفزيون الخاص مازالت قصيرة وبسيطة، قياسا مع فترة عملي الطويلة في التلفزيون الرسمي، اشعر بصراحة ومحبة وان علاقتي غير قوية بالمؤسسات الخاصة، بينما كنت موظفة في «تلفزيون لبنان»، وعملنا بكل تضحية واجب فيه ولم نكن نسأل مثلا عن دوام العمل، بل كنا نعمل احيانا على مدار الاربع والعشرين ساعة يوميا، ونحن في اشد الراحة والسعادة». ـ الا يمكن ان يكون رأيك هذا متسرعا في المقارنة، كونك على الاقل، وكما ذكرت، مازلت في المراحل الاولى من تجربتك التلفزيونية في الاعلام الخاص؟ الا تشعرين بأنك قادرة على ان تعطي اكثر في هذا الاعلام، لانه متحرر من ضوابط التلفزيون الرسمي الشديدة؟ ـ بالتأكيد أشعر انه يمكنني ان اعطي اكثر في التلفزيون الخاص الذي أعمل فيه. انما مازلت أحس بأنني لست «ابنة البيت» كما كنت اشعر في «تلفزيون لبنان» لكنني مرتاحة جدا في عملي في «اي. ار.تي» لكن اشعر بأن برنامجي الذي اعده واقدمه غير منتشر بالشكل اللازم، لانه يبث من القناة المشفرة، بحيث لا احس بتقبل الناس لما اعمله، وافقد بالتالي اي احتكاك مباشر معهم، والاستماع الى ردات فعلهم وملاحظاتهم، وهذا امر يزعجني على عكس الانتشار السريع والواسع عبر شاشة «تلفزيون لبنان» فقد كنت اتمتع فيه بشعبية فوق العادة، اما الآن فأعمل ضمن محطة مشفرة، اي ان غالبية الذي يشاهدونها هم في المهجر، والعملية اكثر بكثير مما كنت معتادة عليه. وهذا يزعجني في الوقت الذي اشعر فيه بالفخر بأنني اعمل في محطة عالمية مثل «اي.ار.تي». والحقيقة ان هذا هو ما كنت اشعر به ايضا خلال عملي الطويل في «تلفزيون لبنان»، خاصة وانه اتاح لي فرص تقديم برامج فنية مطعمة بسياسة بما يليق بي. مثل برنامج «اهل الدار» الذي كنت اقدمه على مدى ثلاث ساعات متواصلة، ويتضمن مختلف ابواب الفن والسياسة والثقافة». ـ لكن هذه النوعية لم تتغير في برنامجك عبر «اي.ار.تي» حاليا؟ ـ من حيث الشكل فان هذه الملاحظة صحيحة باعتبار انني استقبل ببرنامجي سياسيين وصحافيين ومحللين ومفكرين، لذا اوضح بأن ماسبق وذكرته لا يترك في نفسي اي يأس. فالقادر على العطاء في الاعلام الرسمي يعطي ايضا في نظيره الخاص، والعكس بالعكس، وان اختلفت بعض المقاييس والضوابط في كل من الحالتين». تختصر سعاد العشي ذلك بعبارة واحدة تقول فيها: «ثقتي مازالت كما هي، ولم تتغير». وهي تؤكد انها لن تتغير مهما كثرت اعداد المذيعات وانتشرت ظواهر التنقل والخيارات العشوائية لواحدة دون اخرى، بالاستناد الى الشكل فقط وانها ستبقى كذلك في اي قطاع اعلامي كانت «انني احمل سلاحا قويا، رغم ان الاسلحة باتت ممنوعة في لبنان بعد الحرب. لكن سلاحي لا يحتاج الى ترخيص او «واسطة» حماية من احد، وهو «ولعي الشديد بالاعلام. اعشق هذه المهنة منذ ان كنت صغيرة على مقاعد الدراسة، وزادتني الايام هياما فيها، لقد اعطتني مهنتي كما غيري الكثير، لم تبخل علينا، وبالتالي فان من واجبنا كاعلاميين ان نبادلها العطاء، فنبادر الى ذلك دون انتظار». ويبتسم المشتركون في جلسة الحوار من حولنا ويعلقون بخبشة الصوت الخفيف، وجميعهم من زملاء واصدقاء سعاد وزميلاتها: «وكيف لا تعشق مهنتها، وميكرفون الاذاعة هو الذي عرفها الى زوجها احمد العشي». فترد العشي موافقة على الكلام لكن مع بعض التعديل: «كل شيء حلال في الاعلام مسموح به، لكن المهم ان تكونوا رصينين يا شباب»