يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. وكعادته إن تحمس لشيء، تشبث حنا بالقول إن الفجوة التكنولوجية بين الدول العربية وإسرائيل قد زالت وانتهى أمرها. أما رزق فأثار الشكوك حول هذا القول. تحدث حنّا بحماس فيما احتفظ رزق اللّه بهدوئه فأثار الهدوء مناظره زيادة على ما هو ثائر. استخدم رزق اللّه لغة الفيلسوف العالم وتكلم بالفصحى. وفي محاولته لكبح جماح حنّا، دعانا رزق اللّه إلى أن نعرّف التكنولوجيا أولاً «إذ لا يجوز أن نصدر أحكاماً باتة على مسألة قبل أن نعرف ما هي»، ثم شرع في استعراض التعاريف المتعددة للتكنولوجيا. إلا أن الصبر أعوز حنّا فانتهر رزق اللّه بحدة: «خلصنا من التعاريف المعقدة، أنت وتعاريفك العلمية هذه، ألم تر كيف اقتحم جنودنا مرصد جبل الشيخ وتغلبوا على التكنولوجيا الأميركية والإسرائيلية المكومة فيه !». والواقع أن وحدة سورية خاصة كانت قد اقتحمت فعلاً قمة جبل الشيخ هذه، حيث أقام الإسرائيليون بعد احتلالهم إيّاها في العام 1967 مرصداً مزوداً بأحدث وسائل الرصد. ولكننا كنا نرى أن الوحدة اقتحمت القمة بجرأتها وليس بسبب أي تكنولوجيا متفوقة. وكان الحديث عن جرأة الوحدة هو الذي قاد إلى حديث التكنولوجيا. وقد شاء رزق اللّه أن يذكّر بهذا، غير أن حنّا انتهره ثانية: «الجرأة والإقدام محسوبان في التكنولوجيا أيضاً، فاعفنا من فلسفات المبهورين بتكنولوجيا إسرائيل وأميركا!». نقاش الأديب مع العالم أوصلنا إلى نقطة حرجة وأدخلنا في حلقة مفرغة. وشئت أن أطفئ حدة النقاش، أنا الذي أميل إلى رأي العالم ولا أرغب في أن أجبه حنّا بما يستفزّه، فلم أهتد إلا إلى المزاح: تريد يا دكتورنا العزيز أن تجعل من حنّا عالماً ينشغل بمعاينة الظواهر ودراسة المقدمات واستقصاء التعريفات ووضع الفرضيات وتفحص البراهين والقيام بالتجارب قبل الوصول إلى أي استخلاص. هذا ظلم. فحبيبنا حنّا فنان قبل أي شيء وبعده، وصاحب مزاج متفائل، والتكنولوجيا عنده امرأة مرغوبة قد تستجيب وقد لا تستجيب، وها هو ذا يرى أنها في هذه الحرب قد استجابت، فلا تتعبه وتتعبنا وتتعب نفسك، انظر إليه، ألا ترى أنه يتمتع وقد صارت التكنولوجيا الشهيّة في أحضانه ! في بداية مداخلتي، شملني حنّا بنظرة مشجعة. غير أن صديقي الذي لا يفتقر إلى الذكاء أو الحساسية، سرعان ما التقط سخريتي، فغاضت النظرة المشجعة وحل محلها برم سافر. ولما كان دافعي إلى التدخل هو نقل الحديث إلى نقطة أخرى، ثم لما كنت قد بدأت بشيء وأعوزتني الحصافة، فقد وجهت الخطاب لحنّا: «على ذكر المرأة، يستوقفني في رواياتك شيء، السمك كلّه، عندك، إناث، ألا يوجد في السمك ذكور؟». وكلفني هذا التعريض سخط حنا عليّ ومقاطعته لي لبضعة شهور. وكانت تلك عقوبة قاسية عليّ أنا الذي يحبّ حنا، لكني تكبدت قسوتها بإذعان لأنه بدا لي أنها عادلة أيضاً. أشدّ أوقات هذه الحرب وقعاً على نفوسنا عشناه أثناء تلك الساعات التي وصل الهجوم الإسرائيلي المضاد فيها إلى سعسع وبدا أن طريق دمشق تفتقر إلى دفاعات كافية لصد الهجوم. في أيام الحرب الأولى، اكتسحت القوات السورية معظم مناطق القطاع الجنوبي في الجولان المحتل؛ ألم أقل لك إن كتيبة طارق إبراهيم بلغت مشارف فيق. وفي القطاع الأوسط، تجاوزت القوات المحررة القنيطرة. أما في القطاع الشمالي، هذا الذي يبدأ بمحاذاة جبل الشيخ ويشتمل على أكثر مناطق الجولان وعورة، فإن اندفاعة القوات السورية تعثرت. وهنا، وقعت فرقة الدبابات التي أوكلت إليها مهمة تحرير هذا القطاع في أفخاخ إسرائيلية مضادة للدبابات لم يُحسب حسابها من قبل، فتأخر تقدم الفرقة. وعندما جاء الهجوم الإسرائيلي المضاد وأسلحته الوافرة والصواريخ الحديثة المضادة للدروع، تعذر التقدم. وقد شاعت رواية تقول إن قائد الفرفة، وهو هذا الذي رأيته أنا عند فرن الرئيس ورويت لك حكايته مع الجيب والخبز، اتصل بغرفة العمليات وطلب الإذن بوقف هجوم فرقته المتعثر ليعيد تقدير الموقف وأن الأمر صدر إليه بمواصلة الهجوم. وقيل إن قائد الفرقة سلم بعد ذلك قيادتها لمعاونه وأنهى حياته بطلقة من مسدسه. لكن لم يظهر ما يؤكد صحة هذا الذي قيل. إلا أن شيوع الرواية عكس الوضع في القطاع الشمالي وما أدى إليه من اضطراب الهجوم السوري في القطاعين الآخرين أيضاً. وهكذا، اكتسح الهجوم الإسرائيلي المضاد المناطق التي حررها السوريون من أرضهم المحتلة، وتجاوزها إلى سعسع. وفي هذا الوقت، كان الإسرائيليون الذين مُنوا على جبهة السويس وسيناء المصرية بهزيمة حارقة قد اخترقوا مواقع المصريين وعبروا قناة السويس وأحدثوا غربها ثغرة أخذوا يوسعونها ويحاصرون الجيش الثالث الموجود فيها، وكان السادات قد وافق على وقف إطلاق النار. تجمعت هذه الأنباء في منتدى أبي قدري في آخر الليل فافترسني القلق. يومها، عدت إلى التدخين بعد انقطاع عنه دام سنتين كاملتين، ورحت أدخن سيجارة إثر أخرى ولا أظفر بما يهدئني. وجاء نبيه الذي لم يعد ترانزستوره يطمئنه، وجاء منير الذي يخزن أسراراً كثيرة، واكتظ المكان بالوافدين والهواجس. واتصل خالد بكداش بالهاتف باحثاً عما يطفئ قلقه. وتطلعت العيون إليّ برجاء أن أذهب إلى حيث يمكن استطلاع الأنباء. فلم أجد بداً من أن أذهب إلى مصباح البديري. كنّا في وقت الفجر. وكان عميد جيش التحرير قد عبأ آخر وحداته وأرسلها لتنضمّ إلى تجمع طارئ جرى تحشيده في منطقة المعظمية ليسد طريق الإسرائيليين إلى دمشق إن تقدموا نحوها. وكان مصباح قد زار غرفة العمليات السورية وسأل عن الرئيس حافظ الأسد فعرف أن الرجل توجه بنفسه إلى المنطقة التي يتم تحشيد القوات فيها. وبدا مصباح مطمئناً إلى أن منطقة المعظمية صارت خطاً أحمر لن يجتازه الإسرائيليون حتى لو وصلوا إليه. وقد أكد مصباح على هذا في نحو يأذن بالثقة في تقديره للوضع، ثم لم يفته حتى في هذا الظرف أن يعرض بياسر عرفات وينتقد البلاغات والتصريحات التي تصدر عنه. ولما لم أكن في مزاج يؤهلني لاحتمال الحماقة، فقد رجوت صديقي أن يصمت لكنه لم يستجب للرجاء، فاتجهت إليه وأقفلت فمه عنوة بيدي. وبالرغم من هذا، ظل فم مصباح يبق كلمات ضد عرفات. أثناء أيام الحرب، سقط الحظر الذي يمنعني من الكتابة لأجهزة الإعلام السوري، سقط جزئياً ومؤقتاً كما ينبغي أن يقال. حدث هذا بعد أن اشتكى خالد بكداش أمام اجتماع قيادة الجبهة الوطنية التقدمية من الفارق الكبير بين ما يبثه الإعلام وبين مزاج الجمهور. وكان وزير الإعلام آنذاك هو جورج صدقني الذي كان عضواً في قيادة حزب البعث أيضاً. جُبل جورج هذا على بغض مزمن للشيوعيين والاتحاد السوفييتي فوجه الإعلام في نحو يتجاهل الدور السوفييتي بينما كانت مشاعر الجمهور تفيض بالامتنان لهذا الدور. وقد قصر إعلام يديره وزير من هذا النوع في مجالات أخرى عدّة، خصوصاً مجال إبراز الوجه العصري التقدمي للمطالب العربية. وهذا كله اشتكى منه بكداش في الاجتماع الذي يحضره الوزير. وطالب بكداش باجتذاب الكفاءات المبعدة عن الإعلام: «الوطن يخوض معركة عادلة لتحرير أرضه المحتلة وعلى الإعلام أن يفتح صدره للوطنيين جميعاً». ويبدو أن الوزير شاء أن يتذاكى فطلب من الأمين العام للحزب الشيوعي أن يزوده بأسماء من يقترحهم للكتابة. ظن جورج انه سيستدرج بكداش إلى البوح بأسماء من يعتمد الشيوعيون عليهم ونسي أنه إزاء سيّد الحذرين: «ألا يعرف وزير الإعلام أسماء الكتاب الوطنيين في البلد !». أربكت عبارة بكداش الوزير، لكن القائد الشيوعي الذي يدفع في اتجاه بعينه لم يرحم المرتبك: «وسع يا أستاذ جورج صدرك، وافتح عينيك، فالوطنيون التقدميون موجودون في كل مكان !».عرفت هذه الواقعة في اليوم الذي وقعت فيه، من بكداش نفسه. وفي اليوم التالي، اتصل بي صديقي عدنان بغجاتي، وهو من كان رئيساً لاتحاد الكتاب المؤسس حديثاً، وأوكلت إليه مهمة تنظيم مساهماتهم في الإذاعة والتلفزيون أيام الحرب. وحثني عدنان على نسيان المرارات السابقة ورجاني أن أجيء إلى اجتماع طارئ ينعقد في مقر الاتحاد ويشارك فيه الوزير صدقني. وذهبت إلى الاجتماع بصحبة منير الحمارنة الذي تلقى من عدنان رجاء مماثلاً. وهناك، وجدنا كثيرين من أمثالنا الذين يضيقون بمواقف صدقني وتزمته، وكنا مستعدين حتى للعراك معه. والحقيقة أن الوزير الذي كان أول المتحدثين وخاطب المجتمعين بنبرة متعالية، لم يلبث أن أسلَمنا رقبته بسهولة. فقد جلب صدقني معه ورقة التوجيهات التي تصدرها قيادة حزب البعث الحاكم إلى مسئولي الإعلام في الدولة ليسترشدوا بها وأفهَمَنا أنه يسترشد بهذه الورقة وهو يزودنا بتوجيهاته. ولما كان عطيّة الجودة قد أطلعنا، منير وأنا، على الورقة مسبقاً فما أسهل ما اكتشفنا أن الوزير يسترشد ببعض البنود ويغفل غيرها، يأخذ ما يلائم تزمته ويتجاهل ما قد يلائمنا. وقد عدد صدقني، مثلاً، المواقف التي ينبغي إبرازها إزاء الفرقاء العرب والأجانب، فحثنا على أن نشيد بدور الرئيس السادات، والملك السعودي فيصل، والملك الأردني حسين، ولكنه تجاهل العراق الذي أرسل نجدة عسكرية لدعم الجبهة السورية. وتوقف صدقني عند الرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو: «هذا الصديق الكبير للعرب، الذي لا ينام منذ بدأت الحرب، والذي يتصل بالرفيق حافظ الأسد مرة كل ساعة أو اثنتين ليطمئن على الأحوال». ومضى صدقني في هذا النحو إلى أن جاء في نهاية المطاف على ذكر الاتحاد السوفييتي فلم يزد على أن قال: «إياكم أن تتعرضوا له بسوء !». وكان هذا أسوأ ما يمكن أن يقوله وزير إعلام في بلد لم يكن له أن يخوض أي حرب لولا معونة الاتحاد السوفييتي ولا يمتنّ جمهوره لموقف بمقدار ما يمتن للموقف السوفييتي. عندها، رفعت يدي طالباً الإذن بالكلام، غير أن منير سبقني: «كلهم رائعون، الزعماء الذين كلفوا أنفسهم مشقة إصدار بيانات التأييد، وتيتو الذي برى أصبعه وهو يدير قرص الهاتف، هؤلاء كلهم تنبغي الإشادة بهم. أما الاتحاد السوفييتي الذي عوض مصر وسوريا خسائر حرب يونيو العسكرية وأسهمت أسلحته كما أسهم خبراؤه في تطوير جيشيهما وإعدادهما للمبادرة، الذي غمر البلد بمعوناته الاقتصادية، والذي يحبذ سياسته ودبلوماسيته وعلاقاته الدولية للدفاع عن عدالة المطالب العربية، أما الاتحاد السوفييتي هذا فليس له علينا إلا أن نتجنب ذكره بسوء». بثّ منير سخريته واستحوذ على انتباه الحاضرين وتأييدهم له، ثم هتف وهو يوجه إلى الوزير نظرة متهمة: «هذا التوجيه مخالف لتوجيهات قيادة الحزب الحاكم، مخالف لبيانات قيادة الجبهة الوطنية التقدمية، ومخالف خصوصاً لمزاج الجمهور وصادم لوطنيته، ولا يصدر إلا عن كاره لوطنه، ولولا أن الذي أصدره هو وزير الإعلام لقلنا إنه صادر عن جاسوس». قال منير، إذن كل ما يمكن أن أقوله أنا وأكثر منه. وتوقعت أن يهتاج الذي تلقى التهمة. لكن صدقني تطامن: «قلت ما قلته بصفتي كاتباً مثلكم وليس وزيراً. وسأترك لكم توجيهات القيادة، تتدارسونها مع الرفيق عدنان وتنظمون عملكم !». ثم غادر الاجتماع. كان نبيه ارشيدات أسعد أصحابي بعودتي إلى الكتابة للإذاعة والتلفزيون السوريين. تصور الذي يفتنه في العادة كل ما أكتب، أن الحظر قد سقط إلى الأبد. ولكن أمل نبيه سرعان ما خاب. فما أن توقفت الحرب وقبلت سوريا وقف إطلاق النار حتى عاد الحظر. انتهى الظرف الطارئ، فانتهت الفرصة الطارئة، وعادت حليمة السورية إلى عادتها القديمة. يتوقف صخب الأسلحة فيهدر صخب الكلام وينتعش الحديث عن التسويات السياسية. أليست الحرب استمراراً للسياسة فلماذا لا تصير السياسة استمراراً للحرب. والواقع أن الرئيس السادات استبق وقف إطلاق النار وأطلق مشروعاً للتسوية. فعل حليف سوريا في الحرب هذا دون تشاور مع السوريين وقبل أن ينجلي الموقف على جبهتهم أو يتوقف القتال.طرت إلى القاهرة. أعجلني مئة سبب. ولكم وجدت الوضع هذه المرة مختلفاً عن أي مرة سابقة !عدّ المصريون عبور جيشهم قناة السويس وتدميره خط بارليف وفرار الإسرائيليين المدافعين عن الخط الحصين معجزة تحقق بها التعويض عن مذلات هزيمة يونيو 1967. وقف المانع المائي وخط التحصينات التي أُقيمت إزاءه بمثابة سدّ أمام الأمل بتحرير سيناء. فلما شق المصريون هذا السد بدا أن طريق تحقيق الأمل قد انفتح ولن ينسدّ ثانية. فارتفعت المعنويات واستعاد المدنيون والعسكريون توازن الروح. لقد تمّ الانتقام من الهزيمة وظفرت مصر بنصرها. غير أن شيئاً طارئاً اخترق الإحساس بالنصر وإن لم يبطله، أو قل: إنهما شيئان، الثغرة التي أحدثها الجيش الإسرائيلي غربيّ القناة وإعلان السادات مشروع تسويته قبل أن تنجلي الحرب عن نتائج حاسمة.بلغت القاهرة، إذن، وفيها هذا المزيج من مشاعر الزهو بالنصر العسكري والقلق من أن تبدد السياسة نتائجه. وكان أصحابي قد عادوا إلى الصحافة وانهمكوا في المعمعان. بل إن من هؤلاء من أعاد النظر في موقفه السابق من السلطة وخطّأ نفسه، ومنهم من قدّم اعتذارات علنية عن سوء ظنه بالرئيس السادات. وكان إحساس الجميع، أصحابي وغيرهم، بعظمة مصر وكبر دورها العربي والعالي متضخماً إلى حد أقلقني أنا نفسي، وأنا الذي يحب مصر ويحبّ خصوصاً أن يكبر دورها ويفرحني أن تظهر عظمتها. لمست شيئاً من هذا التضخم قبل أن أتوجه إلى القاهرة، لكني حسبت ما عاينته حالة فردية فلم يقلقني. ففي دمشق قابلت محمد عودة، وكان الصحافي الكبير صاحب الاسم المحترم قد نحّي عن الإعلام مع الذين نحّوا فخرج في جولة طويلة انتهت به إلى دمشق قبيل بدء الحرب ثم احتجزته الحرب فيها. جئت إلى عودة في فندقه أول ما وصل فوجدته بائساً يائساً ينعى كل شيء ولا يرى فرجة أمل. ثم جئت إليه بعد أن عبر جيش مصر الفتاة واخترق الجيش السوري حصون الجولان فوجدته بالطبع، في حالة مغايرة، وأسعدني أنه اجتاز أزمته. كان معي في هذا اللقاء صديقنا المشترك التلفزيوني الهنغاري الذي آمل في أنك ما تزال تتذكره ألايوش كروديناك. وفي حديثنا مع عودة، اتفقنا، ألايوش وأنا، على أن هذه الحرب سوف تفتح الباب أمام إمكانية تطبيق القرار 242، وظننا أن عودة متفق معنا في هذا الرأي. لكن المنتقل لتوّه من قاع اليأس إلى أفضية الزهو سخط سخطاً لم يتوقعه أي منّا فأنّب صاحبنا الهنغاري على ما عدّه استهانة منه بعظمة مصر مستنكراً أن يتصور الشيوعي أن مصر العظيمة ستكتفي بتطبيق القرار 242 وحده، ثم انفجر في وجهي أنا: «فيكم أنتم العرب شيء ضد مصر، هذا العبور لن يؤدي إلى تحرير سيناء وحدها، إنه بداية زوال إسرائيل». لا أريد أن تفهم أن كل من لقيته في مصر بعد انتهاء الحرب كان مثل محمد عودة الذي لقيته في أيامها الأولى. إلا أن من لم يفتنهم حديث المعجزات في درجة أو غيرها كانوا قليلين. ومن هؤلاء كان مصطفى الحسيني ومكرم محمد أحمد ومصطفى نبيل، ومعهم ومع أمثالهم رحت أتقصى الصورة. وكان في البال سؤال كبير: «كيف أفلح الإسرائيليون في إحداث الثغرة غربي القناة وتبهيت ألق الانتصار المصري وإطفاء اندفاعة الهجوم الأولى الناجح؟». وسأتعبك لو رويت مئات التفاصيل التي وقعت عليها. ويكفي أن تعرف أن ما استخلصته انصب كله في مصبّ واحد: القصور عن الإحاطة الشاملة بمتطلبات عمل كبير. وقد كان هذا القصور في بعض أوجهه فاضحاً إلى حد تعذر معه تداركه أو حتى تحديد المسئولية عنه. سأضرب لك مثلاً استقيته من حديث تيسر لي مع عميد في هيأة تخطيط العمليات في وزارة الدفاع. أخذني أحد أصحابي الصحافيين المصريين إليه. فقد احتشد الجيشان المصريان الأول والثالث غربي قناة السويس على امتداد القناة متهيئين لعبورها. وقضت الخطة الموضوعة بعبور القناة وتدمير عُقد خط بارليف والاستمرار في الهجوم إلى أن تصل القوات المصرية إلى الممرات الحصينة في عمق سيناء المتحكمة في الحركة فيها، وذلك كله، حسب الخطة، قبل أن تعبئ إسرائيل احتياطيها العسكري وتنظم الهجوم المضاد. وخلال إعداد الخطة وفي أي وقت لاحق، ظل في البال أن النقطة التي تنتهي عندها منطقة الجيش الأول وتبدأ منطقة الجيش الثالث تشكل نقطة ضعف ويمكن أن تخرقها أي قوة إسرائيلية تتصل إلى غرب القناة. ولمواجهة هذا الخطر، خُصص لواء كامل للمرابطة إزاء هذه النقطة ومقاومة أي خرق ومشاغلة الخارقين إن كانت قوتهم كبيرة إلى أن تصل النجدات لصدهم. والذي حصل في الواقع أن العبور تم وعُقد بارليف دمرت. لكن الوحدة الإسرائيلية التي اخترقت نقطة الضعف هذه لم تجد من يقف في وجهها، ثم لم يأت من يصدها. واللواء الذي خصص لهذه المهمة لم تكن أي من وحداته في المكان الذي خصص لها. فمن الذي أبعد لواءً بكامله، ولماذا أبعد، وكيف وهنت اليقظة، ولماذا استهين بالخرق عند بدايته حتى بعد العلم بوقوعه، هذه وغيرها كثير أسئلة لم يتوفر لي جواب يقيني على أي منها. وما ينطبق على هذه الأسئلة ينطبق هو ذاته على أي أسئلة يثيرها أي موضوع آخر. في دمشق، استخلص السوريون أن حليفهم المصري أرادها حرب تحريك تنشط مساعي التسوية السياسية فيما أرادوها هم حرب تحرير تستعيد الأرض المحتلة، وسخطوا على السادات، وعندما شرع المصريون في التفاوض مع الإسرائيليين لفك الحصار عن الجيش الثالث وسحب القوات الإسرائيلية من غرب القناة، رأى السوريون أن السادات ممعن في التساهل إزاء الشروط الإسرائيلية وغير معنيّ بالربط بين مصير الجبهتين اللتين باشرتا الحرب معاً، فازداد سخطهم على الرجل ونبتت التصدعات التي زعزعت في نهاية المطاف التحالف المصري السوري. وعندما باشر السادات لقاءاته المتواترة ومحادثاته غير المعلنة مع وزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر، بلغ سخط السوريين الذروة وجهروا به. وفي هذا الجوّ، وجد الفلسطينيون أنفسهم تحت تأثير الموقفين المتضاربين وتوزعت المواقف الفلسطينية بين مؤيد لهذا وبين مؤيد لذاك، وحار كثيرون.في غضون ذلك، جهرت دمشق لأول مرة بقبولها القرار 242 هي التي قبلت أيضاً القرار 338 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي بتأثير الحرب الجديدة. ولكن دمشق أعطت لموافقتها على القرارين تفسيراً تميز موقفها به عن موقف السادات المتجه إلى التساهل. والحقيقة أن تفسير دمشق للقرار 242 تطابق مع ما كان عليه تفسير عبد الناصر: الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود الرابع من يونيو 1967، وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. أما القرار الجديد 338 فرأت دمشق فيه تحديداً لآلية تطبيق 242، وهو تحديد يخصّ الأمم المتحدة وحدها بحق رعاية التطبيق. وعندما جهر السادات بميله الصريح إلى الولايات المتحدة الأميركية واعتقاده أنها تملك 99 بالمئة من أوراق الشرط الأوسط، عنى هذا استبعاد دور الاتحاد السوفييتي والاستهانة بدور الأمم المتحدة، فاعترض السوريون وانفكّ التحالف وحلّ محله التنابذ وتبادل التهم.في هذا الوضع الجديد، باشرت سوريا حرب استنزاف عبر خطوط وقف إطلاق النار الجديدة، وكان الهدف واضحاً: التشويش على المفاوضات التي يجريها السادات مع الأميركيين والإسرائيليين من وراء ظهر سوريا، وإرغام الراغبين في استقرار الشرق الأوسط على التدخل لحمل إسرائيل على الانسحاب. ولئن ماجت الساحة الفلسطينية بالتفاعلات قبل أن يصل الأمر إلى هذا الحد، فإن هذه التفاعلات اشتدت بعده: آراء متعددة، متفقة أو متفاوتة، أو متضاربة، واختلاط مواقع، وجدل محتدم، ونزاعات، واتهامات. وفي إبان هذه التفاعلات، راح الموقفان الرئيسيان يتمايزان ويشتد تمايزهما: موقف القابلين بالانهماك في مجهودات التسوية السياسية وموقف الرافضين. وغني عن البيان أني وجدتني غارقاً في هذا كلّه بكليتي وواتتني الفرص لأفصح عن آرائي دون جمجمة وبغير نقصان، وصرت كما يمكن لك أن تحرز بسهولة، صاحب واحد من أعلى الأصوات في الدعوة إلى قبول م. ت. ف بمبدأ التسوية السياسية وحسم التردد الذي يسم موقفها. وبتأثير حرب أكتوبر والآفاق التي فتحتها، ومع التأثير المتميز لحرب الاستنزاف السورية، هبّ جمهور الأرض المحتلة في الضفة والقطاع إلى واحدة جديدة وشديدة من انتفاضاته المتعاقبة. وتشكلت الجبهة الوطنية التي نظمت نشاط هذه الانتفاضة وأظهرت الجبهة ميلاً غير متستر إلى الواقعية السياسية وحثّت قيادة «م. ت. ف.» على حسم الخلافات بين أطرافها التسوية والانهماك في المجهودات التي تستهدف تحقيقها. أما القوى الرافضة فإن تأثيرها داخل الأرض المحتلّة لم يكن حاسماً. ولهذا فقد تركز نشاط الرافضين في الخارج، خصوصاً في مخيمات اللاجئين في لبنان وسوريا وتجمعات الفلسطينيين في البلاد البعيدة. وانتهى الأمر إلى أن شكلت الفصائل الرافضة تحالفاً رسمياً تصدرته الجبهة الشعبية وسانده العراق وليبيا وحمل اسم جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية، وذلك مقابل تحالف واقعي ضم «فتح» والصاعقة والشيوعيين والجبهة الديمقراطية والنسبة الكبرى من المستقلين ساندته سوريا وغيرها. ووضعت التطورات أمام الجميع أسئلة المصير: هل نواصل الدق على الجدار الصخري أم نسعى إلى الظفر بما هو ممكن، فلسطين التي من النهر إلى البحر هذه التي يزداد الأمل بتحريرها نأياً مع أي تطور جديد، أم الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، العزف الناشز وسط جوقة عربية ودولية تسعى إلى تسوية، أم الانسجام ؟ وفي سياق الجهد الإسرائيلي لقمع انتفاضة 1973 ـ 1974 التي أحدثك عنها، أُبعد ثمانية من زعماء الجمهور عن الأرض المحتلة دفعة واحدة. تصورت سلطات الاحتلال أن هؤلاء هم قيادة الانتفاضة أو قادة الجبهة الوطنية، فاعتقلتهم في يوم واحد وألقتهم في براري وادي عربة عند الحدود مع الأردن. إنه الطرد من الوطن وهو أوجع ما تعرض له الفلسطينيون، الزعماء منهم وغير الزعماء. تحتفظ ذاكرتي بأسماء ستة من الثمانية الذين أبعدوا. وهؤلاء هم عربي عواد مسئول التنظيم الشيوعي في الضفة، وجريس قواص، وضمين عودة زميلا عربي في قيادة التنظيم، وعبد الجواد صالح رئيس بلدية البيرة المنتخب، ود. وليد قمحاوي القومي العربي السابق، وعبد المحسن أبو ميزر البعثي الذي حدثتك عنه عندما كان رئيساً لتحرير جريدة «البعث» في دمشق، وكان قد رجع إلى القدس قبل سيطرة الإسرائيليين عليها وصار فيها محامياً مشهوراً.وصل الثمانية إلى عمان وحظوا باهتمام واسع، رسمي وشعبي، واستقبلهم ملك البلاد، وتعامل الجميع معهم بوصفهم قادة الأرض المحتلة والانتفاضة التي أزعجت إسرائيل، وأفردت وسائل الإعلام العربية كلها مساحات وافرة لتغطية أنبائهم. وقد هزّ هؤلاء مشاعر الرأي العام هزاً عميقاً حين توجهوا إلى جسر الملك حسين على نهر الأردن وحاولوا اختراق الحراسات الإسرائيلية والعودة إلى الوطن. فهذه كانت مظاهرة شاهدنا ملايين الناس على شاشات التلفزيون ورمز إلى العناصر المؤثرة في الحالة الفلسطينية كلها وأبرزت الميل الفلسطيني الآخذ في التشكل، الميل إلى استخدام الوسائل السلمية، إلى جانب العنف، في الدفاع عن الحقوق. وبعد عمان، جاء الثمانية إلى دمشق. وهنا، أيضاً، استقبلوا باهتمام واسع. وفي دمشق، تسنى لي أن ألتقي المبعدين؛ كانوا بالنسبة لي رسل الأرض المحتلة المبشرة بالواقعية السياسية وبإمكانهم أن يلعبوا دوراً مؤثراً في إغناء الجدل داخل م. ت. ف، وجمهورها وترجيح كفة الاتجاه الذي أتمناه، فسعيت إلى التعرف على من لا أعرفهم منهم. في هذا الظرف، تجلّت براعات ياسر عرفات كلّها وهو يسعى للظفر بمقعد للفلسطينيين في عربة التسوية فتوثقت صلتي به زيادة على ما هي وثيقة واشتد تأييدي لمساعيه. كان ركاب العربة الرئيسيون هم المصريون من العرب، والإسرائيليون من الجانب الآخر، والأميركيون والسوفييت. أما السوريون فبدوا في وضع من اشترى التذكرة ثم لم يلتحق بالعربة لأن برنامج الرحلة لم يعجبه. وفي سياق السعي إلى تطبيق القرار 338 المعطوف على القرار 242، صدرت الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة ويرأسه كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وتحضره الدول المتصارعة. واتفق على أن ينعقد المؤتمر في جنيف. وقد قبلت إسرائيل الدعوة إلى مؤتمر جنيف هذا، وقبلها، أيضاً، كل من مصر والأردن، ورفضتها سوريا. انقسام العرب هذا صبّ زيتاً جديداً على الجدل الملتهب بين الفصائل الفلسطينية أو داخل كلّ فصيل منها. الجبهة الوطنية في الأرض المحتلة جهرت بتأييدها للمؤتمر وحثت قيادة «م. ت. ف.» على السعي لتمثيل الفلسطينيين فيه. وفي مقابل هذا، عدّت جبهة الرفض المشاركة في مؤتمر جنيف خيانة وليس أقل من ذلك، وأنذرت بأنها ستسخدم السلام ضد من يجرؤون على المشاركة. وفي حالات بعينها، استخدمت جبهة الرفض السلاح فعلاً لإخافة الذين يدعون إلى المشاركة. وفي «فتح» ظهر الميل إلى المشاركة في سياق الميل الأعمّ إلى التسوية، لكنه لم يفصح عن نفسه بصراحة. وكثيراً ما تشابكت الدوافع والآراء وتعددت المواقع واختلطت على الساحة الفلسطينية !