يبدو ان اي نقاش داخل الكونغرس الأميركي وفي وسائل الاعلام الأميركية حول ما اذا كان يتوجب على الولايات المتحدة ان تخوض الحرب ضد العراق، لم تعد له أية أهمية. فالرئيس جورج دبليو بوش، قد اتخذ قراره باستخدام القوة الكاملة للقدرة العسكرية الأميركية للاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين واقامة حكومة موالية لأميركا في بغداد. والأمر الذي يمكن للمرء أن يناقشه الآن هو: ما الذي يقف وراء تصميم بوش وأعوانه على خوض الحرب ضد العراق؟ ـ هل هي علاقات العراق المزعومة مع الجماعات الارهابية مع أنه لم يثبت أحد وجود أية صلة بين بغداد ومرتكبي أحداث 11 سبتمبر؟ ـ هل هو الخوف من احتلال صدام حسين المحتمل لأسلحة الدمار الشامل؟ ـ هل هو الضغط من جانب الصقور في البنتاغون والمحافظين؟ ـ هل هو الحاجة لتأمين موارد النفط الاستراتيجية في الخليج العربي؟ ـ أم انه الرغبة من جانب بوش الابن باتمام ما بدأه بوش الأب في حرب الخليج؟ مهما يكن السبب الكامن وراء تصميم بوش على خوض الحرب، فان شيئاً واحداً يبدو واضحاً تمام الوضوح وهو ان الحرب ضد العراق ستحدث، وليس هناك الكثير مما يستطيع فعله المعارضون للحرب في الداخل أو الخارج لتغيير هذا القرار. وبالتالي، وبوجود استثناءات قليلة، فان المسئولين والمشرعين والنقاد في واشنطن لا يركزون كثيرا على «أسباب» المواجهة العسكرية المقبلة مع العراق (مع ان ذلك ليس هو الحال في العواصم العالمية الأخرى ومن بينها عواصم حلفاء أميركا في الشرق الأوسط وأوروبا، التي تواصل التعبير عن معارضتها للخطط الأميركية بضرب العراق. وبدلا من ذلك، فانهم يأملون بالتأثير على «موعد» و«كيفية» خوض حرب الخليج الثانية وأن يحسبوا ما الذي سيحدث بعد الاطاحة بصدام حسين. ولقد انخرط محللون سياسيون وخبراء في شئون الشرق الاوسط واقتصاديون في نقاشات قوية في جلسات استماع للكونغرس وفي صفحات الرأي بصحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست، مركزين على قدرة الجيش العراقي ومقدمين حسابات للخسائر الاقتصادية المحتملة للحرب وراسمين سيناريوهات عديدة لما سيجري في العراق بعد الغزو. والأمر الاكثر اثارة للاهتمام كان تلك التقارير الاخبارية التي احتلت الصفحات الأولى في صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست والتي تشير الى وجود نقاش داخل الادارة الأميركية حول الاستراتيجية العسكرية للحرب، حيث ينصح بعض المسئولين بشن عملية عسكرية شاملة تتضمن استخدام 250 ألف جندي اميركي وبريطاني، بينما يقترح آخرون نموذجا مشابها للحرب في افغانستان (حيث تقود قوات معارضة محلية من الأكراد والشيعة الهجوم على بغداد بمساندة من القوة الجوية الأميركية وعدد صغير من الجنود). ومع ذلك، هناك اشخاص آخرون يدعون الى شن هجوم على مراكز القوة العسكرية والسياسية في بغداد وعلى المصانع التي تنتج اسلحة الدمار الشامل. ولكن المطلعين على بواطن الامور في واشنطن ينفون فكرة ان تكون هذه القصص الخبرية نتاج تسريبات من البنتاغون، ويشيرون الى انها جزء من حملة تضليل اعلامية منسقة من قبل ادارة بوش تستهدف ارباك صدام حسين والمؤسسة السياسية والعسكرية في بغداد. وفي الواقع ان العديد من هؤلاء المطلعين يتوقعون قيام ادارة بوش بمهاجمة العراق قبل انتخابات الكونغرس في نوفمبر المقبل وربما حتى قبل الحادي عشر من سبتمبر. وفي حين لا يشكك أحد بأن الجيش الأميركي، بتفوقه التكنولوجي العسكري الهائل وحتى بدون أية مساعدة من حلفائه، قادر على تدمير الجيش العراقي، إلا أن هناك بعض القلق بشأن المقاومة من بعض قوى النخبة في الجيش العراقي، والاستخدام المحتمل لأسلحة الدمار الشامل ضد الجنود الأميركيين وضد اسرائيل في حال شعر النظام العراقي بأنه في وضع حرج. وتشير السيناريوهات الأسوأ الاخرى الى التمزق المحتمل للعراق الى دويلات يمكنها ان تقع في حضن ايران وتشكل تهديداً لتركيا وبعض دول المنطقة. ولكن السؤال المطروح هنا هو: هل سيخاطر السياسيون وضباط الجيش العراقي، الذين تابعوا الحملة العسكرية الأميركية على افغانستان، بأرواحهم من اجل الدفاع عن طاغية معظمهم لا يحبه، أو سيصدرون الأوامر باستخدام أسلحة كيماوية أو بيولوجية ـ في خطوة قد تجر انتقاما عسكريا اميركيا هائلا (ناهيك عن خطر محاكمتهم كمجرمي حرب بعد الحاق الهزيمة بالعراق)؟ وبالدرجة نفسها، فانه من المشكوك فيه ان العراق سيتفكك الى دويلات منفصلة مباشرة بعد الحرب، في الوقت الذي سيحتاج الوجود العسكري الاميركي ومستوى التعاون بين القوى المعارضة الى مساعدة اقتصادية ودبلوماسية خارجية للمساعدة في اقامة حكومة وحدة وطنية في بغداد. (مع انه على المدى البعيد، سيكون هناك وعلى الأرجح ضغوط متنامية لتحويل شيء من السلطة السياسية الى المناطق الجنوبية والشمالية.وبالتالي فانه من غير المدهش ان يقدم المسئولون في ادارة بوش وحلفاؤهم في الكونغرس ووسائل الاعلام والمؤسسات البحثية سيناريوهات لأفضل الأموال. وهو يقترحون بأن نصراً عسكرياً أميركيا من شأنه ان يساعد في وضع الاسس لاتحاد فيدرالي عراقي ملتزم بمباديء الديمقراطية والسوق الحرة يفسح المجال أمام حدوث تغيير سياسي واقتصادي في الشرق الأوسط يشمل بروز دولة فلسطينية ديمقراطية وسلمية. ويمكن للديمقراطية في بغداد ان تساعد حتى في تنشيط القوى الاصلاحية في ايران وتجلب للسلطة حكومة موالية للغرب في طهران. وباختصار، فان الاطاحة بصدام حسين يمكن ان يحقق سلاما بشروط اميركية ومستقرا في الشرق الأوسط، ونعني بذلك تحركا نحو الديمقراطية في المنطقة وايقاف سلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين. غير انه ينبغي عدم اهمال احتمال تطور سيناريو كابوسي في اعقاب الغزو الأميركي. وفي الواقع انه وبالاخذ بعين الاعتبار ذلك التوازن في القوة والتوترات القومية والعرقية والدينية فيما يسمى «قوى الاضطرابات»، الذي يمتد من البلقان حتى حدود روسيا والصين، حيث يتصاعد الوجود العسكري الاسلامي المناهض لأميركا ويواصل نزاعان رئيسيان (بين الهند وباكستان وبين اسرائيل والعرب) غليانهما ويهددان بالانفجار، فان من المحتمل ان تتحول حرب الخليج الثانية الى حرب عالمية ثالثة. ليس هناك حاجة لان تكون مفكراً استراتيجيا عظيما لكي تدرك طبيعة الحقائق السياسية والعسكرية الراهنة في شبه القارة الهندية والشرق الأوسط. ففي المنطقة الأولى، هناك وقف دبلوماسي وعسكري هش لاطلاق النار بين القوتين النوويتين، المحكومتين من جانب حكومتين قوميتين متطرفتين لايزال يتعين عليهما ان تتخطيا العداء التاريخي عميق الجذور حول كشمير وقضايا أخرى. وفي الهند، يبدو القوميون الهندوس والجيش مصممون على الحاق الهزيمة بباكستان وسيستغلون موجة جديدة من الارهاب في كشمير و«الضبابية» التي ترافق حربا اميركية ـ عراقية لمهاجمة باكستان. وهم يتنبأون انه، في ظل تزايد المؤشرات على عجز الرئيس الباكستاني برويز مشرف عن قمع التوجه الاسلامي المناهض للغرب، ومنع البلاد من التحول الى ملاذ لمجموعات القاعدة وطالبان، فان ادارة بوش ستفصل هجوماً هنديا على باكستان يتضمن ايضا وضع سيطرتها على منشآت باكستان العسكرية النووية. وما من شك بأن اندلاع حرب هندية باكستانية وانبعاث لقوات طالبان والقاعدة سيجذب الولايات المتحدة الى جانب الهند. وفي الوقت نفسه، فان الهجوم الأميركي على العراق، متبوعا باستخدام عراقي لاسلحة الدمار الشامل التي بحوزته ضد اسرائيل، لن يؤدي سوى الى تعزيز تصميم رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون على المحاولة، شأن الهنود، لاستغلال «ضباب الحرب» كفرصة «لانهاء عمله» في الضفة الغربية وقطاع غزة، عن طريق اعادة غزو تلك المناطق وطرد رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وربما البدء حتى بعملية «ترحيل» السكان الفلسطينيين الى الضفة الشرقية في الاردن، الأمر الذي من شأنه ان يزعزع الاستقرار في هذا البلد. ومن شأن وقوع حرب أميركية مع العراق ان يوجد ظروفاً مواتية للمصالحة بين نظامي البعث المتنافسين في بغداد ودمشق، ويسرع من التوترات القائمة بين سوريا واسرائيل، ويكون سببا في نشوب حرب بين الدولتين ستجد أميركا نفسها متحالفة مع الاسرائيليين فيها. واذا ما اضيف لهذا السيناريو الكابوسي احتمال حدوث تعاون عسكري بين العدوين التاريخيين العراق وايران ضد عدوهما المشترك وهو الولايات المتحدة، فان الناتج سيكون مخططا لما يمكن ان يوصف بحرب عالمية تكون فيها الولايات المتحدة وتركيا والهند واسرائيل من جهة، والعراق وباكستان وايران وسوريا من الجهة الاخرى. وفي الوسط، ستواجه دول مثل مصر والسعودية والاردن وبعض من دول آسيا الوسطى تهديدات داخلية كبيرة، بينما سيجد اللاعبون العالميون الخارجيون مثل روسيا والصين والاتحاد الاوروبي اغراء في استغلال الوضع لخدمة مصالحهم. قد يقول البعض ان هذا السيناريو مستبعد الحدوث، وربما كانوا مصيبين في اعتقادهم. ولكنه لا يقل في ذلك عن السيناريوهات الايجابية التي يتوقعها الاستراتيجيون الاميركيون اثناء استعدادهم للحرب مع العراق.