انها حقا ظاهرة تستحق الالتفات اليها والوقوف عندها كثيرا. فهم ممثلون كبار حقا ونجوم لايزالون في عز مجدهم، ومازالوا قادرين على القيام بأدوار البطولة المطلقة، لذلك فهم يستحقون عن جدارة أن نصفق لهم. أما الظاهرة فهي تكرار ظهور نجوم كبار في مشهد واحد، أو في أدوار صغيرة جدا بأفلام يقوم ببطولتها نجوم اخرون. وأما هؤلاء النجوم فهم في قامة يسرا وحسين فهمي وأحمد السقا وهاني رمزي وسعيد صالح ويونس شلبي وفاروق الفيشاوي وحنان ترك وحمدي أحمد و.. سامي العدل. كيف قبلوا القيام بهذه الأدوار في ظل مناخ تحكمه تقييمات لا تستند لغير مساحة الدور؟ وكيف قبلوا كتابة اسمائهم في نهاية العناوين، وهناك من يهدد بهدم المعبد على من فيه لأن اسمه جاء في الترتيب الثاني على الملصق الاعلاني للفيلم. وهل بالفعل أصبح عندنا ممثلون يقيسون أدوارهم بأهميتها وبالتحديد ما يقدمونه فيها، لا بالمساحة وبطولة مدة الظهور على الشاشة؟ هذه الاسئلة وغيرها يجيب عنها التحقيق التالي: في «فيلم ثقافي» تظهر يسرا في مشهد واحد فقط، تؤدي فيه شخصيتها الحقيقية. الشبان الثلاثة أبطال الفيلم «أحمد عيد وأحمد رزق وفتحي عبدالوهاب» يسيرون في الشارع بعد أن أصيبوا بخيبة أمل واكتشفوا ان الفيلم الذي منوا أنفسهم بمشاهدته لم يكن غير تسجيل لاحدى جلسات مجلس الشعب، وحين أوشكت سيارة فخمة تصدمهم اكتشفوا ان يسرا ـ شخصيا ـ تقود السيارة. وبعد حوار قصير جدا تهديهم نسخة من شريط فيديو لاخر افلامها وبالمصادفة يكون لونه هو نفس لو الشريط الذي كان أبطال الفيلم يريدون مشاهدته.. وهكذا ينتهي دور يسرا. وفي الفيلم نفسه ظهر سامي العدل في مشهد واحد أيضا، قام فيه بدور مأمور القسم الذي اقتيد اليه الشبان الثلاثة بعد محاولتهم مشاهدة الفيلم في سيارة «ميكروباص». لم يكن وضع ابراهيم يسري أكثر تميزا فقد ظهر في ثلاثة مشاهد على الأكثر! المغامرة التي خاضتها نجمة الشباك «يسرا» في فيلم ثقافي يسهل تفسيرها أو وضعها في اطار انها تجامل أبطال الفيلم الشباب، وهو ماستحقت عليه الشكر في عناوين النهاية لمساعدة النجوم الصاعدين، لكن الصورة مختلفة جدا في فيلم سوق المتعة. في «سوق المتعة» كانت مساحة دور فاروق الفيشاوي لا تزيد على مشهدين، مشهد في ثلث الفيلم الأول ومشهد قبل النهاية بقليل، فيما كان دور نجم بحجم حمدي أحمد هو مشهد واحد لم تساعده الاضاءة الخافتة «التي تطلبتها طبيعة المشهد والجو العام له» المشاهدين في التعرف على ملامح حمدي أحمد. وفيما كان نجم أحمد السقا اخذا في الصعود بعد «صعيدي في الجامعة الاميركية» و«همام في امستردام» اللذين اصبح بعدهما مؤهلا لأن يكون بطلا مطلقا لفيلم «شورت وفانلة وكاب» وجدناه يقبل القيام بدور لا تزيد مساحته على دقيقتين في فيلم «أيام السادات». والشئ نفسه حدث بصورة اكبر مع هاني رمزي بعد النجاح الذي حققه وبعد ان كان يستعد للنزول بأول بطولة مطلقة له ظهر في مشهد صامت في «همام في امستردام» كان دوره كله يتلخص في شخص عابر يمشي في المطار ينحني لالتقاط النقود التي وقعت من بطل الفيلم قبل السفر. وتتوالى حالات نجوم المشهد الواحد، فنجد «حسين فهمي» يقوم بمشهد واحد في فيلم «مافيا»، و«يسرا» تقوم بمشهد واحد في «معالي الوزير»، وسعيد صالح ويونس شلبي في فيلم «أمير الظلام». وكانت حنان ترك هي اخر نجمة انضمت لنجوم المشهد الواحد، بعد مشاركتها في فيلم «محامي خلع» لتنتهي بها أحداث الفيلم، ولنفهم منها تكرارية الأحداث، واستمراريتها. تبدأ النجمة يسرا بالحديث عن دورها في «فيلم ثقافي» فتؤكد انها كانت في غاية السعادة وهي تشارك نجوماً واعدين مشيرة الى انها اعجبت جدا بالفكرة حين عرضها عليها منتج الفيلم سامي العدل. وتقول: الدور كان طبيعيا جدا، ويتكرر كثيرا في الواقع، فالفنان لحم ودم ويمشي في الشارع ويقابل أشخاصاً عاديين، فماذا يمنع أن يظهر ذلك على الشاشة. شباب يمشون في الشارع فتكاد نجمة سينمائية تصدمهم بسيارتها، ان هذا الدور رغم بساطته وصغر مساحته ـ تضيف يسرا ـ الا انه أعطى الفيلم بعدا جعله أكثر طبيعية، وأكثر واقعية. هذا عن «فيلم ثقافي» أما عن «معالي الوزير» فتقول يسرا كنت سأتهم بالجنون لو رفضت هذا الدور، فالفيلم من تأليف الاستاذ الكبير وحيد حامد، ويقوم ببطولته النجم أحمد زكي ويخرجه المبدع سمير سيف. وأنا أقوم في الفيلم بدور زوجة الوزير الأولى التي كانت زميلة دراسة له وكانت تمارس نشاطا سياسيا، وحين دخلت عليه مرة ووجدته يكتب تقريرا عن نشاطها لجهات أمنية تنتهي العلاقة بينهما، ثم تلتقي به بعد سنوات طويلة ليكون المشهد الطويل نسبيا الذي أقوم به. وهذا الدور في رأيي يعد من أحسن وأهم الأدوار التي قمت بها طوال مشواري الفني، ومن خلالكم أوجه الشكر لوحيد حامد وسمير سيف وطبعا لأحمد زكي الذين أتاحوا لي فرصة المشاركة في هذا الفيلم الذي سيحسب للسينما المصرية والعربية ككل ولجهاز السينما بمدينة الانتاج الاعلامي التي قدمت باكورتها من خلال هذا الفيلم وحتى لو كانت مساحة الدور أقل من ذلك، كنت سأوافق عليه ومن دون ذرة تردد، فالفيلم أولا وأخيرا يقوم ببطولته أحسن ممثل في الدنيا. جاءت هذه الكلمات على لسان أحمد السقا حين سألناه عن صغر مساحة دوره في فيلم «أيام السادات» ولم يكتف بذلك بل اضاف: اعتقد ان أي ممثل يكون مخطئا في حق نفسه حين يرفض الوقوف امام نجم بحجم احمد زكي حتى لو كان ذلك في لقطة واحدة، فمعنى الوقوف امام أحمد زكي ليس فقط التمثيل لكن يضاف الى ذلك بالطبع تعلم الكثير والكثير، فهو مدرسة يستفيد منها كل من يشاهد أي دور له، فمابالك بمن يقف امامه ويرى عن قرب كيف يعمل. وعن دوره يقول: رغم صغر مساحة الدور الذي قمت به في الفيلم فأعتقد انه كان مهما ومؤثرا، فأنا جسدت دور شقيق الرئيس الراحل الذي استشهد في الحرب واعتقد انني نجحت، ولم تكن مفاجأة أن يكون هذا الدور الصغير هو أول دور أحصل من خلاله على جائزة كبيرة كتلك التي حصلت عليها من الرئيس مبارك شخصيا. أنا ممثل ـ يضيف أحمد السقا ـ وهذا يعني ان أقوم بأي دور يضيف جديدا لي حتى ولو كان لقطة واحدة، اما قياس الأدوار بالشبر فهذا هو مالا أحبه، واراه عيبا ينبغي علينا التخلص منه، خاصة ونحن نشاهد كبار نجوم هوليوود يظهرون في أدوار صغيرة للغاية في نفس التوقيت الذي يكونون فيه في عز نجوميتهم. أما فاروق الفيشاوي فيبدي اندهاشه الشديد من خروج بعض الاقلام التي تبشر بتراجع اسهمه بعد عرض «سوق المتعة»، ويستند الى هذا المثال ليلقي الكرة في ملعب النقاد فيقول: للأسف الشديد فإن النقاد والصحفيين هم الذين كرسوا لمفهوم قياس اهمية الأدوار باحجامها، وبحجم اسم الممثل على الملصق الاعلاني وترتيبه، وهذا المفهوم انتقل بدوره من النقاد الى الجمهور، وبالتالي أصبح من حق الممثلين ايضا ان يضعوا مثل هذه الاعتبارات في اذهانهم وهم يقررون قبول دور أو رفض اخر. أما تجربة «سوق المتعة» فيقول عنها الفيشاوي: الدور فعلا كان صغيرا جدا ورغم ذلك فقد كان شديد الأهمية، فهو الذي يحدد مسارات الشخصية الرئيسية وبالتالي مسارات الاحداث، وهو الذي يحدد كيف تنتهي الأحداث والصورة التي تنتهي بها. تماما كما كان دور الفنان حمدي أحمد الذي وضع النهاية المأساوية للبطل. ان دوراً بهذا الشكل ـ يؤكد الفيشاوي ـ كان تجربة مفيدة، وخلاقة بالنسبة لي، لأن الفيلم في مجمله مهم، كما ان الشخصية التي أؤديها كانت مهمة جدا، لذلك لم انظر لعدد المشاهد، ولم أطلب من المؤلف أو المخرج اضافة لقطة أو جملة، لأنني رأيت الدور مكتملا، كما كنت على دراية كاملة بأن أية محاولات للاضافة أو للاطالة ستفسد الدور وقد يمتد تأثيرها على مستوى الفيلم ككل. ومع حنان ترك كان الوضع مختلفا، اذ كان المشهد الذي قدمته يكاد يكون مطابقا لذلك المشهد الذي قام به سعيد صالح في فيلم «الشيطان يعظ». حنان لا تظهر إلا في المشهد الاخير من الفيلم، بعد ان يصطحب اثنان من البودي جارد هاني رمزي «بدر النوساني» ليكتشف ان الهانم «حنان» تريده ان يقيم لها دعوى خلع ضد زوجها، ولنفهم من الجمل القصيرة التي دارت بينهما ان علاقة هاني بموكلته الأولى رشا الورداني «داليا البحيري» قد تتكرر بتفاصيلها مع الموكلة الجديدة. عن هذا الدور تقول حنان: لابد ان تضعي في حسابك معلومة مهمة جدا وأنت تسأليني عن اسباب قبولي دور من مشهد واحد، وهي أن الفيلم من تأليف الأستاذ وحيد حامد، وبطله هو هاني رمزي الذي شاركته بطولة فيلم «جواز بقرار جمهوري» وصحيح ان الدور صغير جدا، لكنه مؤثر جدا، ويعادل كل زمن الفيلم فهو يترك للمشاهد تصور أو تخيل فيلم جديد أكون أنا بطلته أمام هاني رمزي تتكرر فيه نفس التفاصيل التي حدثت بينه وبين داليا البحيري. ولا تنكر حنان ترك انها قبلت الدور كنوع من المجاملة لاصدقائها وصديقاتها، لكنها في الوقت نفسه تؤكد ان هذا الدور أفادها، وأنها مع مقولة عدم قياس أهمية الدور بحجمه أو بمساحته، وانما بقدرة الممثل على الاداء فيه، وبإمكانية تقديمه للشخصية، حتى ولو لم يستغرق دوره أكثر من لقطة واحدة أو ثانية واحدة. ومادمنا نتحدث عن نجوم المشهد الواحد أو الأدوار الصغيرة، فلابد وان نتوقف عند النجم سامي العدل الذي اكتفى في الفترة الاخيرة بانتقاء مشهد أو مشهدين على الاكثر يظهر فيها براعته وامكانياته كممثل، الأمر الذي كان سببا في حيرة واندهاش كثيرين لسبب غير بسيط، وهو ان سامي بإمكانه ان يطيل دوره كما يشاء وكما يحلو له، لأنه باختصار يكون منتج هذه الاعمال. سامي العدل ظهر في مشهد واحد في فيلم «شباب على الهوا» الذي قام ببطولته عدد من النجوم الشبان بينهم أحمد رزق وحنان ترك واحمد الفيشاوي، وهو الفيلم الذي ظهر فيه لأول مرة الشاعر أحمد فؤاد نجم في مشاهد قليلة أيضا. كما قام سامي باداء مشهد واحد في فيلم ثقافي، اضافة الى العديد والعديد من المشاهد المؤثرة والمتناثرة في عدد كبير من الأفلام. نقلنا لسامي دهشة البعض، وسألناه فقال: لماذا يصرون على رؤية نصف الكأس الفارغ فقط؟ أنا مؤمن تماما بأن هناك في مصر من يفهم في السينما جيدا، ومن يستطيع الحكم على اداء الممثل بأهمية الدور وبقدرته على تجسيد الشخصية وبتوصيل انفعالاتها والوصول لأعماقها، لا بمساحة وبطول فترة ظهور الممثل على الشاشة. ثم ان هناك حقيقة مهمة ينبغي ان يعرفها الناس واعتقد ان كثيرين يعرفونها وهي انني لا أمثل الا لامتع نفسي واتحداها، وأرى ان التحدي الأكبر هو أن أجرب نفسي في أدوار صعبة، ومن ناحية المتعة، فأعتقد انها تحققت، أما نجاحي فهذا مايحكم عليه المشاهدون ثم النقاد. «انها ظاهرة صحية جدا». بهذه الجملة يصف الناقد السينمائي على أبوشادي قبول نجوم كبار لأدوار صغيرة مشيرا الى ان قياس أهمية الدور ينبغي الا تعتمد فقط على حجمه أو مساحته، ومؤكدا ان لقطة واحدة صامتة يؤديها ممثل موهوب ومحترف قد تعادل أو تفوق ساعة كاملة يقف غير الموهوب أو العادي خلالها على الشاشة. المهم في هذه الحالة ـ يضيف أبوشادي ـ هو موقع هذا الدور في العمل، والطريقة التي يتم تنفيذه بها، وقبل ذلك ينبغي ان يكون الدور مكتوبا بشكل جيد، وبين يدي مخرج فاهم ومتمكن من أدواته ويعرف امكانيات الممثلين الذين يتعامل معهم. هذا بشكل عام، ولكن بشئ من التحديد يقول أبوشادي: ان هذه المعايير للأسف غائبة عن ممثلينا ونجومنا وعن بعض نقادنا أيضا، واذا كانت هناك حالات مثل التي تحدثت عنها، فانها تأتي في اطار المجاملات أو في اطار الخجل من ابداء الرفض، أما أن يقوم الممثل عن اقتناع وعن قناعة بدور صغير على اعتبار ان هذا عمل بجد يقوم به، فلا أعتقد ان ذلك حدث. وفي حين تبدي الناقدة ماجدة خيرالله تفاؤلها من تكرار قبول نجوم كبار لأدوار صغيرة، فإنها تشير الى أن هذا هو الشئ الطبيعي والعادي، وتذكرنا بالعديد من الأفلام القديمة التي اكتفى فيها نجوم في عز تألقهم بأدوار صغيرة وان كانت شديدة الأهمية، ونكتفي منها بمحمد عبدالوهاب ويوسف وهبي اللذين اظهرا في دورهما الطبيعي بفيلم «غزل البنات» ليلى مراد ونجيب الريحاني ليغني عبدالوهاب أغنيته الشهيرة «عاشق الروح» على دموع الريحاني فيما اكتفى يوسف وهبي بجمل قليلة جدا. ماجدة خير الله تشير أيضا الى ان السينما الاميركية تعد رائدة في كيفية الاستفادة من قدرات نجومها الكبار وتضرب أمثلة بروبرت دي نيرو الذي عادة مانراه في أدوار صغيرة، وشين كونري، كما تشير أيضا الى ظهور ستيفن سيجال في مشهدين فقط في فيلم «قرار حرج» والذي كان يقدم فيه النجم كيرت راسيل للمشاهدين. ومن كل ذلك تخلص ماجدة خير الله الى أن نجوم هوليوود ونجومنا القدامى كانوا على علم وعلى قناعة بأن الدور مهما حين يكون مدروسا وحين يقدمه الممثل باقتدار لا بمساحته فقط التي لا تزيد في رأيها عن مجرد كونها شيئاً شكلياً يتمسح فيه البعض للمداراة أو للفت الانظار عن عيوب قاتلة في قدرات هذا الممثل أو ذاك.