قادتنا الكبار لن يهدأوا ولن يستكينوا الى ان يتسببوا في قتلنا جميعا من الخوف. في اميركا تحديدا يتلاشى الحماس المؤيد للهجوم على العراق، عدد متزايد من المختصين، والخبراء يتساءلون عن العلاقة بين مكافحة الارهاب وتصفية نظام صدام حسين، فهل من الحكمة والعقل شن حرب على طريقة «دون كيشوت» في الوقت الذي تتحفظ فيه اغلبية حليفات الولايات المتحدة منها.خلافا لما كان الحال عليه في عام 1991، يبدو ان احتمالات تشكيل ائتلاف عالمي، معدومة، والكثيرون يشككون في دوافع بوش وقدرته على قيادة الحرب لوحده، ويخشون من تأثير هذه الحرب السلبي المحتمل على العالم الاسلامي. وهناك يدرسون بجدية تامة وكبير اهتمام المخاطر الكامنة والثمن الذي سيدفع بأرواح الناس وما الذي سيحدث بعد الحرب، كما يتطرقون بطبيعة الحال الى احتمالات النجاح. عندنا وحدنا فقط يبدو كل شيء واضحا. عندما سيهاجم صدام حسين اسرائيل بجراثيم الجمرة الخبيثة وغاز الأعصاب وغاز السارين والخردل والنقانق المسمومة والنفايات الاشعاعية التي سترسل الينا على متن طائرات بدون طيار وفي صواريخ بشتى أنواعها، سنكون نحن على أهبة الاستعداد. وقوتنا مع اعتزاز لم يكن له مثيل ستسحق العراق وتزيله عن وجه الارض، من خلال الرد النووي طبعا. نحن لا نعرف اذا كان صدام قد أصيب بالذعر والهلع أم لا، الا ان الامر المعروف هو ان قادتنا هم الذين يزرعون الخوف والذعر في نفوس الجمهور من خلال سلسلة معلومات مبلبلة حول التطعيمات والحقن والحبوب المضادة للانتراكس والجمرة الخبيثة والاشعاع النووي وما الى ذلك. في اميركا لم يتزحزح بعد جندي واحد باتجاه العراق بينما تعمل القيادة العليا «للكستاح» (اي اختصار لعبارة «تغطية المؤخرة») بكامل قواها. يوجد عندنا عدد من الخبراء الكبار في شئون العراق والذين يعرفون نوايا صدام حسين أكثر مما يعرف هو نفسه. والافتراض المقبول بالنسبة لهم هو انه عندما سيشعر ان نهاية حياته وحكمه قد أصبحت وشيكة فسيكون أول ما يقوم به هو قذفنا بكل ما يملك، والموت لي ولأعدائي.ومع كل الاحترام للسادة الخبراء، الا ان تحليلاتهم ليست توراة موسى. فالزعيم الذي لا يرغب في الموت يملك ألف امكانية للخروج حيا وسليما معافى من التهديد الخارجي الذي يحدق بحياته: الموافقة في اللحظة الاخيرة على اعادة مفتشي الامم المتحدة، نقل مقاليد الحكم لأبنائه، الفرار الى البلاد التي ستمنحه هو وملياراته حق اللجوء. ومثال على ذلك عيدي أمين الذي يعيش منذ سنوات طويلة بهدوء وسكينة في السعودية. في عام 1991 لم يعرف صدام اذا كان النصف مليون جندي اميركي سيجتاحون بغداد أم لا، الا انه خاض المخاطرة وفي اللحظة التي تأكد فيها ان المعركة واقعة لا محالة خضع لشروط الاميركيين. صدام أكثر عقلانية مما يعتقدون. هناك اشخاص مثله الا انهم يعرفون بالضبط حدود الجنون في العلاقة مع العالم الخارجي. المنطق الذي يحرك شخصا مثل صدام هو بالأساس المحافظة على البقاء. صدام يسير باعتباره شخصا ذا أعصاب قوية على حافة الهاوية والمخاطرة منذ 12 عاما. وفي اللحظة التي سيقوم فيها بخطوة مجنونة مثل استخدام سلاح يوم الحساب سيكون قد حدد مصيره المحتوم. وهذا ليس واردا في حسبانه. ورغم ان على اسرائيل ان تستعد لكل تهديد، الا ان هناك فرقا بين الاستعداد الهاديء وبين اثارة الهلع والتهديد المخيف بازالة العراق عن الخارطة بسلاح نووي. في نهاية الاسبوع قال أحد المراسلين السياسيين ان لدينا قنابل نووية يمكن اطلاقها بواسطة الصواريخ والطائرات والغواصات الحديثة. وكل هذه المعلومات جاءت مع عنوان ضخم: «العراق سيدفع ثمنا باهظا». فهل يدرك قادتنا ان مغزى ذلك هو ان اسرائيل ستكون الدولة الاولى التي ستلقي قنبلة نووية بعد هيروشيما وناغازاكي؟ هل يوجد لديهم تصور عما سيفعله ذلك بالمحيط الاسلامي وخصوصا اولئك الذين يوجد لديهم سلاح نووي؟ والى أي مدى سيعتبرنا العالم مجانين مجذومين، واميركا على رأسهم، في هذه الحالة، وماذا سيحدث لمكانتنا وأمننا؟ فهل يدرك هؤلاء ماذا تفعل هذه العبارات ذاتها لصورتنا التي هي بالأساس في مستوى مترد جدا؟. اسرائيل حافظت دائما على الغموض والتعتيم في المجال النووي. ومع هذه القفزة الفولاذية من السرية والتكتم التلميحي الى التحذيرات المتبجحة والتهديد بازالة دولة لم يعد واضحا لنا من الذي يتوجب ان نموت ذعرا منه.عن« هآرتس» عن« هآرتس»