ارسل دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الاميركي الى البيت الابيض مذكرة يحذر فيها من انتشار صواريخ كروز بين الدول المعادية لاميركا وطالب فيها تكثيف الجهود الحكومية للدفاع عن الاراضي الاميركية في مواجهة تلك الصواريخ. وتعكس المذكرة التي تم تقديمها للبيت الابيض مدى القلق الذي يعتري رامسفيلد وكبار مساعديه بشأن توافر صواريخ كروز والتكنولوجيا الخاصة بها حول العالم وامكانية تعرض القوات الاميركية ومراكز التجمعات السكانية الى هجمات عن طريق اسلحة تطير على ارتفاع منخفض ويصعب رصدها على حد قول مسئولين اطلعوا على المذكرة. وقد وضعت ادارة بوش عملية تطوير انظمة مضادة للصواريخ على رأس اولوياتها ولكن تركيزها يتمحور حول الدفاع عن الاراضي الاميركية ضد الصواريخ الباليستية التي تعتبر اكبر واكثر تكلفة واطول في مداها من صواريخ كروز التي يتم اطلاقها ذاتيا وتطير على ارتفاع اقل وتتمتع بسهولة اكبر في النقل وبالتالي تشكل مجموعة مختلفة من التحديات الدفاعية عن الصواريخ الباليستية التي تتخذ مسارا قوسي الشكل في السماء بعد اطلاقها. وبسبب مقدرتها في بعض الحالات على الانطلاق من على سفن قريبة من الساحل والهروب من الرادار فان صواريخ كروز تشكل عامل قلق لكونها منصات يمكن استخدامها لحمل اسلحة نووية او بيولوجية او كيميائية ويأتي تأكيد رامسفيلد الجديد على خطورة هذه الاسلحة ليلمح الى محاولة جديدة لتوسيع جهود الادارة لبناء انظمة مضادة للصواريخ ووضع تلك التهديدات في الاعتبار بدرجة اكبر، ويتملك مسئولي وزارة الدفاع بشكل خاص القلق من امكانية ان تقوم جماعات او دول مثل العراق او ايران باستخدام التكنولوجيا الاساسية الخاصة بصواريخ كروز لمهاجمة المنشآت الاميركية او الاراضي الاميركية نفسها. يقول احد كبار مسئولي الادارة الاميركية: «لقد استحوذت القضية على اهتمام الناس، انها بمثابة شيء ظهر على السطح مؤخرا نتيجة قيام رامسفيلد بطرحه على مائدة المناقشة». وعقب تقديم رامسفيلد للمذكرة التي حملت عنوانا يقول: «التهديد المتنامي الذي تشكله صواريخ كروز» عقد مجلس الامن القومي اجتماعا مؤخرا ليدرس كيفية وضع ايدينا على القضية ومعرفة من سيأخذ المبادأة وبأي شكل من الاشكال، على حد قول المسئول نفسه وقد رفض المسئولون ان يفصحوا عن محتويات المذكرة او وصفها بالتفصيل. وقال مسئول آخر على علم بتفاصيل المذكرة انه ليس وراء اثارة الامر اي معلومات استخبارية جديدة، ولكن، على حد قوله، القلق المتزايد يأتي من «تراكم» الادلة التي تظهر اهتماما متزايدا بصواريخ كروز من قبل خصوم دوليين والوصول السهل الى المحركات التوربينية الصغيرة والوسائل الملاحية الدقيقة، وأنظمة التصوير عالية الوضوح من خلال الأقمار الصناعية والعديد من التقنيات الحديثة التي تعد مفيدة للغاية لتقوية وتوجيه مثل تلك الاسلحة. ويقول مساعد رامسفيلد: «يكفي التلميح بأننا نحتاج لأن نولي اهتماماً أكبر للمشكلة». وهناك على الأقل 81 دولة حتى الآن تبين انها تملك صواريخ كروز بشكل من الأشكال، ويبلغ عدد تلك الصواريخ لدى تلك الدول 70 ألف صاروخ، إلا ان الغالبية العظمى منها مصممة لضرب سفن تقع على مسافة تقل عن 60 ميلاً. في حين ان الاسلحة الاكثر ازعاجاً للولايات المتحدة هي صواريخ كروز الخاصة بتدمير المواقع الأرضية والتي لا ينتجها إلا عدد قليل من الدول الصناعية الكبرى. ومن بين أكثر تلك الاسلحة تطوراً يأتي الصاروخ الأميركي توماهوك، وهو صاروخ يتمتع بقدرات عالية على المناورة ويسير على ارتفاع منخفض وأصبح سلاح العالم المختار لضرب المواقع الثابتة في العراق وأفغانستان والبلقان وفي أي مكان آخر لأنه لا يسبب أي خطر على حياة الطيارين الأميركيين. ويؤكد المسئولون ان الدقة الفائقة والقدرة التدميرية الهائلة التي التي تتمتع بها صواريخ توماهوك هي المميزات التي تسببت في زيادة صواريخ كروز والسعي وراء اقتنائها. وتنبأت مصادر تابعة للاستخبارات الأميركية ان ما بين 10 الى 20 دولة سوف تمتلك صواريخ كروز ذات القدرة الهجومية الأرضية بحلول عام 2015.غير ان القدرات الأكثر تطوراً والتي يتمتع بها توماهوك، مثل مميزات تفادي الرادار والقصف أثناء الطيران والدفع النفاث لاتزال بعيدة كل البعد عن متناول معظم المنافسين المحتملين. وان ما يقلق السلطات الاميركية هو احتمالية ان تقوم دول مثل العراق أو ايران أو كوريا الشمالية أو جماعات مثل تنظيم القاعدة بالحصول على طائرات أو صواريخ مضادة للسفن وتحويلها الى طائرات غير مأهولة يمكن ان توظف كصواريخ كروز بدائية ولكنها مدمرة للغاية. فالعراق على سبيل المثال يعرف عنه انه عمل على تحويل طائرة التدريب التشيكية «ال-29» الى مركبات غير مأهولة تُلقي بمواد كيميائية أو بيولوجية. يقول مسئول حكومي يتابع تطوير برامج صواريخ كروز: «من الممكن القول اأن العراقيين ربما يملكون ايضا قدرة بدائية «لتوجيه طائرة من بعد»، ولكن المحتمل ايضا انهم يواصلون محاولة تحسين هذه القدرة». وبشكل مماثل اوضحت تقارير ان طائفة أوم شيزيكيو اليابانية حاولت منذ عدة سنوات ان تحصل على طائرة مروحية تدار من بعد لاطلاق اسلحة كيميائية. يقول المسئول: «اننا نرى مثل ذلك الأمر على أنه يشكل تهديدا على المدى القريب، فالامر متعلق بصاروخ كروز صنع من مركبة جوية غير مأهولة لم تكن مستخدمة وجرى تطويرها لالقاء أسلحة كيميائية وبيولوجية. نحن لدينا كل الاسباب التي تجعلنا نعتقد ان هذه الجماعات يمكن ان تحاول الحصول على هذه القدرة». ووفقا لأحدث تقرير قامت به الحكومة الاميركية لتطوير تكنولوجيا الصواريخ في الخارج والذي صدر في ديسمبر الماضي، يتبين ان عددا كبيرا من دول العالم ترى صواريخ كروز على أنها بديل افضل من الصواريخ الباليستية لمهاجمة الولايات المتحدة، وذلك لأنها يمكن اطلاقها من مناطق اقرب الى أميركا ومن خلال سفن تجارية. فهذا لن يؤدي فقط الى تقليل زمن وصول القذائف ولكنه يساعد ايضا على القاء مزيد من الغموض على مصدر الضربات. يقول المسئول: «نحن لا نتكلم فقط عن مواقف افتراضية. فنحن نملك الاسباب التي تدفعنا الى الاعتقاد بأن هؤلاء الناس قد بدأوا في اللجوء الى هذا النوع من القدرات». ومن اجل الدفاع عن الاراضي الاميركية ضد صواريخ كروز، فان البنتاغون يعتمد على خليط من الانظمة الرقابية ومجموعة من طائرات الاعتراض التي تنطلق من الارض او البحر او الجو. غير ان عملية الرصد نفسها معقدة للغاية وذلك بسبب ان صواريخ كروز تجنح لاصدار اشارات تشبه تلك التي تصدرها الطائرات العادية. ويتعلق جزء كبير من التحدي في هذا الشأن بمحاولة الربط بين أنظمة الرصد المتنوعة، وهي طائرات أواكس التابعة لسلاح الجو وطائرات اي ـ 2 سي التابعة لسلاح البحرية والرادارات المختلفة، وتكوين «صورة جوية واحدة متكاملة» للتمييز بين اشارات الطائرات الصوتية والصواريخ المعادية. ولقد دعا بعض الخبراء الى تكوين نظام مركزي محمول جوا يوفر مراقبة على مدى اطول ويرشد الطائرات الاعتراضية التي تنطلق من البحر او الارض والتي بدورها تعاني حاليا من ضيق افق الرادارات الخاصة بها. يقول دينيس جورميلا وهو مسئول كبير في المعهد الدولي للدراسات الاقتصادية في لندن: «ان المشكلة المتعلقة بالدفاع ضد صواريخ كروز تكمن في ان هذا الدفاع يحتاج معالجة متكاملة». وقد اشتكى ليفتنانت جنرال جوزيف كوسومانو، رئيس قيادة الدفاع الصاروخي، في حديث له الشهر الماضي من عدم وجود وكالة واحدة تابعة للبنتاغون للتنسيق بشأن تطوير دفاعات ضد صواريخ كروز بالطريقة عينها التي تعمل بها وكالة الدفاع الصاروخي في الخارج بشأن الانظمة الصاروخية المقاومة للصواريخ الباليستية. يقول كوسوماتو: «ينبغي لنا أن نوازن بين قدراتنا لمواجهة التهديدات التي يشكلها الصاروخان». ويقول مساعد رامسفيلد انه بدلا من تأسيس وكالة او تخصيص اموال اضافية لمعالجة المشكلة، من المحتمل أن يحاول البنتاغون تحسين التنسيق بين البرامج الجارية الآن بالفعل. وقد قضى المخططون العسكريون فترة الصيف في وضع دراسة عريضة بشأن الدفاع ضد صواريخ كروز تم طلبها في مايو الماضي. وتم تفويض هيئة اركان مشتركة شكلت منذ ست سنوات لدراسة التهديدات التي تشكلها صواريخ كروز بوضع مفهوم عمليات جديد لنظام الدفاع الجوي للبلاد. ويشير مسئولو وزارة الدفاع الى ان وكالات حكومية اخرى، وبالاخص وزارة التجارة وادارة الطيران الفيدرالية، سوف يكون عليها تقديم المساعدة. يقول مساعد رامسفيلد في هذا الصدد: «اذا كان ينبغي لنا التعامل مع هذا الامر، فأن القضية ستتطلب جهدا على أوسع نطاق حكومي ممكن». ويوضح خبراء آخرون ان بين الجهود الاخرى، سيكون العمل على تشديد السيطرة على انتشار مثل تلك الاسلحة بموجب نظام التحكم في تكنولوجيا الصواريخ، وهو النظام الذي تم تأسيسه عام 1987 ومن المفترض انه يتعامل بشكل متساو ومتعادل مع برامج الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز على حد السواء. غير ان افتقاد التحكم اللازم في مبيعات وانتاج الطائرات المأهولة قد اوجد ثغرة كبيرة في عملية نشر وانتشار مثل تلك الاسلحة، ومكن الدول من اخفاء سعيها للحصول على تكنولوجيا صواريخ كروز وراء سعي شرعي لشراء وتصنيع الطائرات العادية. ترجمة: حاتم حسين عن «واشنطن بوست»