تعودنا أن تقف العادات والتقاليد في طريق قراراتنا بل نعرف أن من الممكن أن تغير في بعض الأحيان مسار تلك القرارات تغييرا شاملا.. وهذا شيء جائز.. ولكن أن تتعلق هذه القرارات بمستقبل أغلى ما عندنا أولادنا فالأمر حقا يستحق وقفة. وسؤالنا المباشر الذي نطرحه ويبحث عن إجابة أكثر مباشرة هل كانت ضرورة زواج الأخت الكبرى قبل الصغرى مجرد موضة وانتهت؟ أم تراها توارت قليلا خلف سحب الحياة العصرية ولكنها مازالت تمارس سلطاتها بكل قوة؟ الإجابة والآراء وكثير من وجهات النظر تحملها إلينا السطور التالية عسى أن نجد فيها ما يساعدنا على أخذ القرار السليم ولنقرأ معا هذا التحقيق.علينا أن نحطم تلك القيود العتيقة المتمثلة في مجموعة المعتقدات السخيفة التي قيدتنا سنين وسنين ووقفت حائلا بيننا وبين التقدم. بهذه الكلمات البلاغية بدأ خالد محمدين (39 سنة متزوج وأب) حديثه معنا رافضا حتى مجرد كون المسألة مشكلة قابلة للنقاش واستطرد قائلا: أعترف أنني لست قادرا على تفهم عقلية هؤلاء الذين يبحثون بأنفسهم عن طرق الحياة الصعبة في الوقت الذي تبدو لهم الطرق السهلة بوضوح أكثر.. كيف يقف الإنسان عند معتقد أو عادة كان التعامل بها سابقاً لعصره بمئات السنين فقديما كان زواج الأخت الكبرى هو المبدأ الثابت في عملية الزواج وكان لذلك أسبابه وظروفه فنحن نعرف أن فلان أب لفلانه وفلانه دون أن يعرف أيا منهما وعندما يتقدم أحد الشباب إليه راغبا في نسبه يطلب الاخت الكبرى لأنها هي الجاهزة للزواج أما الآن فحياتنا اختلفت واصبحنا نعرف البنت أحيانا كثيرة قبل حتى أن نعرف والدها من خلال قنوات شرعية مثل الجامعات والمدارس المشتركة وأماكن العمل وأصبح الشاب وهو في طريقه للإرتباط يعرف كل شئ تقريبا عمن يرغب في أن تشاركه رحلة حياته ولا يرضى عنها بديلا.. ويستطرد: أنصح كل أب ألا يضع نفسه وبناته وبيته في مثل هذا الموقف الصعب فقط أترك الفرصة للقسمة والنصيب أن تعبر إلى بيتك بهدوء لتصل ومعك الجميع لبر الأمان. رب ضارة نافعة تحكي لنا « آمال أبو العلا» طالبة ( بكلية السياسة والاقتصاد ) عن تجربة حدثت لإحدى صديقاتها وترى فيها درساً مفيداً لمن يقف أمام هذه العقدة، تقول «آمال»: كانت لي صديقة تدعى «هند» هي الأخت الكبرى لفتاتين وولد صغير وتقدم لأختها شاب به كل الصفات التي تتمناها أي بنت في فتى أحلامها ورحبت البنت به وكذلك كل عائلتها عدا والدها الذي كان يرى أن زواج الاخت الصغرى قبل الكبرى كارثة لايمكن تخيل نتائجها ورغم وقوف الكثيرين أمام وجهة نظره ومحاولاتهم المستميتة لتغييرها إستمر رفض الوالد حتى صرف الخطيب نظره عن تلك الزيجة وبعد فترة حدث الشيء نفسه تقريبا باستثناء شيء واحد أن «هند» كانت في مرحلة تفكير في أحد الأشخاص تقدم إليها. ورغم عدم رغبة «هند» في الإرتباط بهذا الشخص إلا أن التجربة الأولى ومدى ما عانته أختها في هذه التجربة جعلها توافق فورا على هذه الخطبة وتمت خطبة اختها ايضاً. وتستطرد: بعد فترة فوجئ الجميع بفسخ خطوبة «هند» لعدم توافقها أبدا مع ذلك الشخص الذي قبلته مجبرة وبدأ الخلاف يدب في العائلة بسبب قرب موعد زفاف الاخت الصغرى والاب مصمم على زواج هند أولا وكادت الخطوبة أن تنتهي بالفشل لولا عناية الله الذي هدى والد «هند» في اللحظات الأخيرة واقتنع أخيرا على إتمام الزواج رغم أنه كان يرى أن ذلك شئ ضار ولكنه أخف الضررين. وتستطرد «آمال»: الجانب المضيء في المسألة أنه يوم الفرح قابلت «هند» إبن عم زوج اختها وحدثت بينهما شرارة الحب المعروفة والتي تسمى أول نظرة والحمد لله كان هذا الشاب عند حسن ظن الجميع وتقدم لخطبتها وتزوجا واليوم يقارب ابنهما «يوسف» عامه الثالث واقتنع والد هند أن كل شئ نصيب وأن العقد القديمة علينا أن نعمل على حلها وألا نزيد من تقعدها. ورب ضارة نافعة. لماذا الانتظار؟! مادمت وجدت فتى أحلامي وانطبقت عليه كل الشروط التي تبحث عنها كل أسرة فلماذا الانتظار؟ طرحت كريمة حسني 22 سنة مخطوبة هذا التساؤل مطالبة كل العقول المتفتحة بالإجابة عنه حيث قالت: ما الذي يمكن أن يحدث لو تزوجت الأخت الصغرى قبل الكبرى هل ستقوم الدنيا ولا تقعد؟ أنني لا أجد اية سلبيات في هذا الشكل ولكن على العكس تماما فكل السلبيات ستكون متواجدة بكثرة في حالة الإصرار على هذا المعتقد السخيف والدليل على كلامي كل التجارب السابقة التي حدثت وسمعنا عنها واليكم بعضا من السلبيات التي أقصدها. وتصمت قليلا قبل أن تكمل: عندما يحدث ذلك ستكون النتائج الحتمية إما خلاف حاد بين الاختين نتيجة إحساس أن احداهما تقف في طريق سعادة الأخرى أو مشكلة كبيرة جدا بين الاب والأبنة التي تصر على الإرتباط بمن أحبت بغض النظر عن موقف اختها الكبرى تزوجت أم لا أو ربما يمل الخطيب من كثرة إنتظار قدوم فارس أحلام الأخت الكبرى ويضطر إلى فسخ الخطبة والذهاب بلا رجعة مما يؤثر على الأخت الصغرى ويصل بها إلى مرحلة كره أختها وأبيها.. أو ربما تحدث الطامة الكبرى بأن تضحي الاخت الكبرى وتوافق على أي عريس يتقدم لها من أجل عيون اختها الصغرى وهنا الكارثة فلن تدوم تلك الزيجة طويلا وقتها سيحدث مالا يحمد عقباه.. قل لي بالله عليك كل هذه الكوارث التي تهدد سعادة الأسرة إلى الأبد يمكن أن تحدث لمجرد الإصرار على معتقد سخيف لا ينفع إنما يضر.. لماذا إذن الإنتظار؟! أين عقلي؟! يؤكد «مسعد مندور 34 سنة» على أهمية مناقشة هذه المشكلة وعدم الإستهانة بها خاصة إنها يمكن أن تقضي على سعادة أسرة كاملة وربما تنهي حياة أسرية قبل أن تبدأ وقال: يظن الكثير أن مثل هذه المعتقدات والعادات إنتهت من حياتنا واختفت إلى الأبد وأقول لهؤلاء أن ظنهم خاطئ وهذه الفكرة موجودة خاصة في المناطق البعيدة عن المدينة والتي تقف في نقطة توسط بين التحضر والتخلف فقد خرجت فيها النبات للعلم والعمل ولكن بقيت نظرة الأهل لهن إنهن قطع شطرنج يحركن فيهن كيفما يرون وهكذا لا هم تركوهن على جهلهن ولا هم جعلهن يستفدن مما تعلمن وكأنك قلت لإنسان ها هي السيارة التي ستسافر بها ثم أخذت منه مفاتيحها. ويستطرد «مسعد» عندما أصبح أبا أكون مسئولا عن كيان أسرة سيسألني الله تعالى عنها وهل وفرت لهم سعادة الدنيا والآخرة أم أنني بحثت لهم عن التعاسة؟ وقد حسم لنا رسولنا الكريم القضية عندما أكد صلى الله عليه وسلم أنه لو أتانا من نرضى خلقه ودينه فلنزوجه فورا والا ستكون فتنة في الأرض ولم يقل لنا أن تنتظر حتى تتزوج الأخت الكبرى أو الصغرى لو وقفت أنا أمام هذه العادات الغبية فأين إذن عقلي؟! الكبيرة أولا! ويبدو أن كلام «مسعد» على صواب فلم تختف هذه الأفكار في حياتنا ولكنها تجد أحيانا من يناصرها وهذا ما بدا واضحا في كلام عثمان أبو المكارم «57 سنة» حيث قال: «زواج الاخت الكبرى قبل شقيقاتها هو الشيء الأكثر صوابا فهذا يحفظ لها كرامتها ولا يجعلها تحس بالاحزان من مرور قطار الزواج على الأصغر منها وتخطيها لأن ذلك يشعرها باليأس والإحباط ويجعل صورتها أمام الجميع وكأنها أصبحت «عانس» وهذا شيء لا يحتمل لذلك فأنا أؤيد من يفكر بهذه الطريقة لأنه نظر لمصلحة إبنته أما البنت الصغرى فعلى من يرغب في الزواج منها أن ينتظر أو يتركها وسيأتي لها نصيبها عاجلا أم أجلا. الحل المثالي! يرى عاطف محمود أن حل المشكلة بيد الاب والام حيث يقول: «إذا وضعت الظروف أي أب وأم في مثل هذا الموقف الصعب جدا فيجب التعامل مع الموقف بمنتهى الحرص والحكمة لأن النتائج المحتملة في مثل هذه الأمور تكون للأسف أكثر ميلا للسلبية ويمكن أن تحدث فجوة عائلية ضخمة يعلم الله وحده مدى إمكانية النجاح في سدها وأرى من وجهة نظري أن على الوالدين أخذ رأي البنت الكبرى لأنها المتعرضة الأولى للمشكلة وعليهما إشاركها في الموضوع بشكل مباشر في محاولة منهما لتناسي المشكلة الأساسية وقتها ستجد نفسها تفكر في أختها قبل أن تفكر في نفسها وهنا يكون الحل في الخروج من الأزمة وعلى الوالد أن يستمر في معالجة الأمر حتى بعد زواج البنت الصغرى حتى لا تحس البنت الكبرى بالمشكلة بعد الفراق بينها وبين أختها فتكون العواقب أكثر سلبية من السابق وهذا هو الحل المثالي الذي يضمن عدم حدوث مشاكل في الأسرة التي يمكن أن تنسى السعادة لو لم تتعامل بالحكمة والعقل. الحرب! علينا أن نعلن الحرب على مثل هذه التقاليد التي لا تؤدي سوى للمشكلات التي كثيرا ما نعجز عن حلها. هكذا بدأت منال محمود أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب حديثها رافضة التمسك بمثل هذه العادات وتفضلت قائلة: «يترسخ في أذهاننا كمجتمع شرقي يحافظ على قيمه كثير من العادات والتقاليد التي يعتقد البعض أن مجرد الحيد عنها إنما هو إهمال لكل أصولنا وقيمنا وقد يتطور الأمر ويصبح أكثر تطرفا لبعض آخر يرى أن تركها إنما هو خروج عن الآداب والأخلاق ومن أكثر تلك القيم حساسية تلك العادة القديمة التي كانت تؤكد على زواج الاخت الكبرى قبل أخواتها الأصغر والتي كانت هي شكل الزواج الوحيد قديما ورغم أن هذه الظاهرة إختفت كثيرا من حياتنا إلا أننا لا نستطيع أن تقول أنها زالت تماما ولكن في بعض المناطق النائية والبعيدة عن حياة التمدن مازالت هي الحاكم في عملية الزواج خاصة إنها تسبب العديد من المشاكل حيث تنخفض معنويات الاخت الكبرى بشكل كبير ويمكن أن يتطور الأمر وتصاب بمرض نفسي أو إنهيار عصبي نتيجة لتعرضها للضغط العصبي الشديد. أضف إلى ذلك ما يمكن أن يحدث لأمها التي تبدأ في تصور نفسها أما لبنت عانس وتبدأ فورا في البحث عن طرق علاج ذلك وهو الأمر الذي يدب روح الحزن والتعاسة في البيت كله ويرحل عنه طائر السعد بلا رجعة وتستطرد د. منال: الحل في مثل هذه الامور هو مراعاة شعور وأحاسيس الجميع لا طرف واحد فقط فكلا الطرفين لا ذنب له فالأخت الصغرى قد جاء لها نصيبها بل ويمكن أن يكون هو فارس الاحلام الذي تريده ولا تريد غيره ويصبح عدم الترحيب به ورفضه - من وجهة نظرها - ظلماً كبيراً وقع عليها بلا أي ذنب اقترفته وما هو ذلك الذنب الذي فعلته لتحرم من الزواج الآن بسبب عدم زواج اختها. هذا أول جانب، اما الجانب الأخر فعلينا مراعاة الاخت الكبرى التي كما ذكرت يمكن أن تصاب بمرض نفسي أو عقدة من الزواج لايمكن حلها أبدا. لذلك يجب أن يراعي شعور الطرفين وعدم حل المشكلة من جانب وترك الآخر حتى لا يموت ذلك فيكون خلاف بين الاثنين لا تستطيع الأيام سده ويمكن أخذ رأي الأخت الكبيرة في كل شئ خاص بالزواج بل وجعلها هي المتحدث باسم اختها في كل الأمور فتختار معها فستان الزفاف مثلا أو ترافقها في رحلة شراء متطلباتها وهي أمور تبدو بسيطة ولكن أثرها في إزالة المشكلة كبير وفعال جدا. وأخيرا أوجه نظر الوالدين أن عليهما مراعاة كل كلمة وفعل أثناء تواجد هذه المشكلة فيمكن لكلمة بسيطة أو الإقدام على فعل يبدو تافها أن يؤدي إلى كارثة كبيرة لا نستطيع حلها فيما بعد. القاهرة ـ أحمد عبد المنعم