قد يتجاوز عدد الاشخاص الذين يضعون على اعينهم نظارات طبية او عدسات لاصقة عدد اولئك الذين لا يستخدمونها، ومع ذلك كم هم اولئك الذي يعلمون شيئاً عن تاريخ النظارات الطبية والشمسية والعدسات اللاصقة؟ اعتقد جازماً ان اطباء العيون ومصنعي هذه الادوات هم الذين يلمون بجانب من هذا التاريخ الذي تطورت خلاله النظارة الطبية من كرة ماء زجاجية وقطعة من الصخر الكريستالي الشفاف لتكبير الاشياء الى الاشكال الحالية التي نراها عليها الآن. ومن الواضح انه لم ترد اي اشارة للادوات البصرية في الكتابات المصرية القديمة واليونانية والرومانية، وهناك رسالة تؤكد ذلك كتبتها شخصية رومانية بارزة حول العام مئة قبل الميلاد، وتقول تلك الشخصية انها وصلت مرحلة من العمر لم تعد تستطيع فيها القراءة بسبب ضعف بصرها وانها تعتمد على العبيد في قراءة الكتب التي تختارها، ويقال ان كاتب التراجيديا الروماني سينيكا الذي ولد في العام الرابع قبل الميلاد قد قرأ كل الكتب الموجودة في روما من خلال النظر اليها من خلف كرة ماء زجاجية، كما يقال ايضا ان نيرون كان يضع قطعة من الزمرد امام عينه اليمنى وهو يستمتع بمشاهدة العبيد والمصارعين خلال مباريات الموت، ومن الواضح ان نيرون كان يستخدم الزمرد بسبب لونه الاخضر الذي يقوم بتصفية اشعة الشمس، وقد ورد ذكر ادوات التكبير في العديد من الوثائق القديمة، إلا ان العدسات التي كانت تستخدم آنذاك لم تكن تتناسب إلا مع تكبير الاشياء. ويقول المؤرخون ان اول عدسة في التاريخ كانت ضمن آثار مدينة نيفا القديمة وكانت عبارة عن قطعة صخر كريستالية قطرها نحو بوصة ونصف البوصة، واشار اديستوفان في كتابه «السحب» الى نوع من الزجاج كان يستخدم في احداث ثقوب في المستندات والشهادات، كما اشار ايضا الى حرق الزجاج واستخدامه في محو الكتابات من اسطح الواح الشمع التي كانت تستخدم في الكتابة. وتم تطوير زجاج التكبير الى شريحة رفيعة من الزجاج يمكن وضعها فوق صفحات الكتب لتكبير الحروف، وكان ذلك العام الالف للميلاد، وباستخدام الاكتشاف الجديد تمكن الكهنة من القراءة، وهكذا دخل تاريخ النظارات مرحلة جديدة وظهر بعدها الزجاج القينيسي، اي ذلك المصنوع في مدينة البندقية الايطالية وتلته العدسات التي يمكن وضعها داخل اطار امام الاعين بدلاً عن وضعها فوق النص مباشرة. ويرجع بعض المؤرخين الفضل للصينيين في تطوير النظارات قبل نحو الفي عام من الآن، إلا انهم كانوا يستخدمونها لحماية اعينهم من قوى الشر فقط، وفي العام 1306 للميلاد قدم احد الكهنة موعظة قال فيها: لم تمض سوى بضع سنوات على صناعة أول نظارة وهكذا تم اكتشاف واحد من اكثر الفنون فائدة على الارض لقد شاهدت بنفسي الرجل العظيم الذي قدم هذه الخدمة الجليلة للبشرية جمعاء» إلا ان الكاهن لم يذكر اسم الرجل الذي لايزال مجهولاً حتى الآن. ولعل القرن السادس عشر يعتبر من اكثر محطات الادوات البصرية اهمية حيث شهد استحداث العدسات المقعرة لقصار النظر. وقد استخدم البابا ليو العاشر، الذي كان يشكو من قصر النظر تلك العدسة واكد بعد رحلة قنص مع عدد من مساعديه انه كان يشاهد الاشياء افضل منهم. وواجهت النظارات منذ اكتشافها قبل ما يزيد على اربعمئة عام، مشكلة طريقة تتمثل في كيفية وضعها على الاعين باستمرار وبالرغم من التطور الهائل الذي شهدته صناعة الاطارات على مر التاريخ إلا ان هذه اثبتت افضل مثال تكنولوجي للتصميم الهندسي وبها الكثير من الاخطاء الهندسية. ان مركز الجاذبية ومركز الدوران متقدمان للغاية ويمنعان العدسات من اتخاذ الموقع الأمثل. وبالرغم من اهمية النظارات إلا ان هناك من كان يخجل من استخدامها، ففي اوروبا وتحديداً في فرنسا كان اروستقراطيو باريس يستخدمون النظارات في الخفاء، وكان النبلاء في انجلترا يستخدمون نوعاً خاصاً من النظارات التي يمكن اخفاؤها سريعاً ولكن الاسبان كانوا يفاخرون بوضع النظارات لانها كما يقولون: «انها تجعلنا نبدو اكثر اهمية وتضيف لهيبتنا». وادخل بنجامين فرانكلين النظارات مرحلة جديدة عندما قام باختراع العدسات المزدوجة «بايفوكال» العام 1780 وكتب يقول بعدها «كنت استخدم نظارتين، وكان على نزع احداهما ووضع الاخرى مكانها، وبعد ان مللت الأمر قمت بقطع العدسات ووضعت نصف العدسة التي استخدمها في القراءة ونصف العدسة الاخرى داخل دائرة واحدة، وكان ما علي ان افعله الآن تحريك عيني الى اعلى أو اسفل». وكان السير جون هيرشيل اول من فكر في تصنيع العدسة اللاصقة إلا انه تكاسل حتى جاء اريوين موللر صانع الزجاج الالماني وقدم للبشرية أول عدسة لاصقة وضعها على عين رجل اضعف السرطان بصره. عاش الرجل لمدة عشرين عاماً بالاكتشاف الجديد دون ان يفقد بصره، ومن الطريف ان دكتور ايوجين فيك الطبيب السويسري كان أول من اطلق اسم العدسة اللاصقة العام 1887، وبحلول العام 1964 كان ستة ملايين اميركي يضعون العدسات اللاصقة ـ والغريب ان 65% من هؤلاء كانوا نساء وما من احد يعرف السر إلا المرأة!! وبمرور الوقت تحولت العدسة اللاصقة الى اداة من ادوات الزينة، اذ يستطيع الانسان خاصة النساء تغيير لون العدسات بحسب مزاجهن او بحسب الوان الملابس التي يرتدينها وهكذا تحول الصخر الكريستالي الشفاف الى ما يعرف بالنظارة، سواء كانت طبية او شمسية. مأمون الباقر