يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. عدت إلى دمشق نادماً بعض الشيء على أني تخلفت عن ربعي مع أنني وصلت إلى المدينة، أنا الذي جاء بالطائرة، في اليوم ذاته مع الوفد الذي عاد بالقطار والباخرة. وغرقت بكليتي في الجو المشحون بنذر الحرب التي تتواتر في أجواء المنطقة. كنّا في أواخر صيف 1973، فكنا قاب قوسين، إذن، أو أدنى من الحرب العربية ـ الإسرائيلية الرابعة. وقتها، لم يصدق كثيرون أن النذر تشي حقاً بأن الحرب واقعة لا محالة. أما أنا فقد صدقت. لم أكن أَصدق فراسةً من المكذبين. لكني أتقنت الربط بين الإشارات المتفرقة فأفلحت في استخلاص دلالاتها الصحيحة. سمى الرئيس أنور السادات العام 1972 عام الضباب. وقد انصرم العام دون أن ينجلي ضباب الرئيس المصري عن شيء. بل إن ما فعله الرجل في هذا العام جعل من العسير أن يصدق أحد أنه يعتزم الدخول في حرب ضد إسرائيل. وعندما سمى السادات العام 1973 عام الحسم، لم يقتنع الناس بأنه سيحسم أي شيء، خصوصاً أن الرجل أوغل في تدابيره التي ألبت الرأي العام ضدّه. وفي سوريا، لم يقل الرئيس حافظ الأسد شيئاً زيادة على القليل الذي ألف قوله دون الإفصاح عن نواياه المخبأة.أما خلف ضباب السادات وتكتم الأسد، فكان من شأن المراقب المدقق أن يستخلص أشياء لا تفصح ظواهر الأمور عنها بسهولة. وفي الوقت الذي أحدثك عنه، كانت الاتصالات المعلنة والمكتومة، السياسية والعسكرية بين القيادات السورية وبين القيادات المصرية ناشطة نشاطاً لم أته في فهم مقاصده. وكانت التدريبات العسكرية على أنواع بعينها من القتال تتوالى، والمناورات، والاستنفارات التجريبية التي اشتد تواترها. وكان أصحابي في المؤسسة الاستهلاكية، وأقربهم إليّ منير الحمارنة رئيس قسم التخطيط ومنير الحمش المدير العام، منهمكين في تخزين الاحتياطات الغذائية وحجبها عن الأعين. ولم يفتني أن ألاحظ الصلات التي انتظمت بين ناس المؤسسة الاستهلاكية وبين مؤسسات عسكرية مما لا يوجبه عمل المؤسسة المدنية في الأحوال العادية، وكان تكتم أصدقائي الدبلوماسيين السوفييت قد اشتد فأوحى إليّ اشتداده ذاته بأنهم منصرفون إلى أمر غير مألوف. في غضون ذلك، أصدر السادات قراراً بتنحية قرابة مئة وخمسين صحافياً مصرياً عن العمل في المؤسسات الإعلامية. وكان أصحابي من الصحافيين المصريين بين المنحين، بل إن بإمكاني القول إن جلّ الذين نحّوا كان من أصحابي، ومعظمهم كان من نجوم الصحافة ومن الداعين إلى التشدد في مقاومة العدوان الإسرائيلي. وقد اقترنت التنحيات بإجراءات مهينة، إذ أُحيل الصحافيون إلى العمل في مؤسسات لا صلة لها بمهنتهم. وكان من ذلك، مثلاً، أن عبد الرحمن الحمنيسي الأب الروحي لأجيال من الفنانين والأدباء والصحافيين، أحيل إلى العمل في وظيفة ثانوية في شركة باتا، المؤممة، للأحذية. أفزعني ما وقع للصحافيين، خصوصاً أنه تزامن مع إقدام السادات على طرد الخبراء السوفييت العاملين مع الجيش المصري. فعزمت على السفر إلى القاهرة لأكون بجانب أصحابي في محنتهم وأستقصي أحوالهم. وشجعني عرفات على السفر وواعدني على اللقاء في القاهرة. وهناك، وجدت أصحابي وقد استعدّوا للعراك مع السلطة وراحوا ينظمون صفوفهم ويحرّضون ويحشدون الأنصار. وما أن وصل عرفات إلى القاهرة حتى استدعاني واختلى بي. وفي هذه الخلوة، صدر لي من عرفات واحد من التوجيهات السافرة القليلة التي لا يصدرها إلا نادراً. دعاني أبو عمار إلى أن لا أتأثر بما أسماه هبل أصحابنا. وذكرني بأن الضغوط المناصرة للصحافيين أفلحت في حمل السلطة على عرض تسوية تعيدهم إلى مؤسساتهم الإعلامية، وحذر من موقف أصحابي الذين يركبون رؤوسهم الحامية ويضعون شروطاً بين يدي قبولهم التسوية لا ترضى بها السلطة. وقال عرفات إن الحرب على الأبواب ولو اشتعلت الحرب وهؤلاء خارج الصحافة فستفوتهم الفرصة إلى الأبد وستنجح السلطة في تصويرهم على أنهم عملاء للسوفييت وسيصدقها كثيرون. ثم صدر التوجيه: «تفرغ لأصحابنا، لا تُضع لحظة، وأَقنعهم بأن يقبلوا أي تسوية مهما قست شروطها ويكفوا عن منازعة السادات !». وأوصاني أبو عمار بأن لا أطلع أصحابنا على أن له دخلاً في الموضوع. وإذا كان عرفات قد كلفني أنا هذه المهمة فلا أشك في أنه كلّف آخرين غيري المهمة ذاتها في صورة أو أخرى وأن كثيرين غيره فطنوا إلى ما فطن إليه هو وتجنّدوا للمهمة دون تكليف. وهكذا، نشطت خلال أيامٍ حملة هائلة التأثير لتسوية المشكلة وكنت أنا بالطبع واحداً من المنهمكين فيها. وقد خضت أشدّ المناقشات لأقنع أصحابي بالتهدئة. وقدمت مسوّغي: الحرب على الأبواب. ولأن أصحابي ألفوا السخرية من الكلام عن الحسم فقد شملوني بسخريتهم وشككوا في نباهتي. ولم أخلف أنا وعدي لعرفات، فلم أقل لأحد إنه هو الذي أكد لي على أن الحرب قادمة. وقتها، وصل إلى القاهرة فاروق القدمي ورافق عرفات في لقاء مع السادات. ويبدو أن رئيسي الجديد في الدائرة السياسية، هذا، قد تلقى التوجيه ذاته الذي تلقيته أنا فتحامل على ضيقه بي وطلب أن أرتب لقاء له مع زعماء الصحافيين المنحين على أن لا يعرفوا أن اللقاء يلتئم بناءً على طلبه. وما أسهل ما أمكن إقناع نبيهة لطفي وعلي مختار بتنظيم سهرة في منزلهما، ففاروق صديق قديم للاثنين منذ كانوا كلهم بعثيين والصحافيون من أعزّ أصدقائهما. وقدّم القدومي تحليلاته فجابهه أصحابي بما يغايرها. فلم يجد المتكتم على السر بداً من البوح به: «أبلغ إلينا الرئيس السادات رسمياً» وكرر «رسمياً» وشدد عليها «أن الحرب قادمة، وطلب أن نستعد لها، ولم يبق إلا تحديد ساعة الصفر». وكانت واقعة الإبلاغ الرسمي هذه جديدة حتى علي أنا. رجعت إلى دمشق وأنا أشدّ يقيناً بأن على الأبواب حرباً استعدت مصر وسوريا لها. وبحت بهذا لأصدقائي، فكان منهم المصدق والمشكك والمكذب. وفي سهرة الشلّة طغت توقعاتي وردود الفعل ضدها على الحديث. واستمع منير الحمارنة إليّ وهو صامت، حين انصرفنا همس في أذني: «توقعاتك دقيقة»، ثم لم يضف شيئاً. بعد أيام، كنت في الطريق إلى منزلي لأستقبل الرائد عبداللّه البرقاوي رئيس شعبة مخابرات جيش التحرير الفلسطيني الذي دعوته إلى العشاء. فعرّجت على فرن الرئيس في أعلى شارع الصالحية لأشتري الخبز. وهناك، لفت نظري أن ضابطاً كبيراً يقود فرقة مدرعة مرابطة في الجبهة جالس في سيارة جيب عسكرية مموهة بانتظار سائقه الذي يشتري له الخبز. وعندما جاء عبداللّه البرقاوي، قلت له بثقة لا وهن فيها: «ستبدأ الحرب غداً» ثم تمثلت بقول الشاعر «وإن غداً لناظره قريب». وفي الصباح، هتف عبداللّه: «جاء غدك ولم تبدأ أي حرب». وللحق، فقد تصورت أني أخطأت استخلاص الاستنتاج السديد لمغزى مشهد قائد الفرقة، ولكني كابرت وقلت لعبداللّه: «لم ينته النهار بعد، ما زلنا في أوّله». فرنّت في الهاتف ضحكة، وانتقل صديقي إلى موضوع آخر.في الظهيرة، عرّجت على السوق العتيق لأشتري فاكهة المنزل. فلاحظت بغير عناء حركة تسوق ناشطة في نحو غير مألوف. وشهدت بنفسي كيف راحت أسعار البضائع ترتفع من لحظة إلى التي تليها فلا يمتنع طالبوها عن الشراء. ما أشدّ حساسية السوق؛ لقد استشعر التجار شيئاً في الجوّ فاستثمروا الفرصة ! وما أن بلغت منزلي حتى أعلنت الإذاعة أن الحرب ابتدأت. وبعد دقائق، داهمني عبداللّه البرقاوي مداهمة كادت تمزق سماعة الهاتف: «دقة غريبة في التنبؤ، هل أنت جاسوس خطير أم أن لك منصباً سرياً أعلى من منصبي». فقلت لصاحبي إن المخابرات كثيراً ما تبدد الوقت والجهد والأموال الطائلة ثم لا تستخلص ما يستخلصه صحافي مدقق. وأعدت على مسامع صاحبي ما رويته لك مما جعلني عارفاً بأن الحرب قادمة، ثم شرحت ما استخلصته عن موعدها حين رأيت قائد الفرقة بجانب الفرن. فما كان لضابط له منصب هذا الضابط وامتيازاته أن يركب جيباً مموهة ويهتم بتوفير الخبز لأسرته بنفسه لو لم يكن على يقين من أنها الحرب. ومسكين عبداللّه البرقاوي صاحبي هذا، أصفه بأنه مسكين لأنه صار منذ تلك الواقعة أسير ما أقوله له كلما تعلق القول بأي شأن عام، فاضطربت حاله مع رؤسائه، ولم يعد قادراً على اتباع السلوك البيرقراطي الذي ترسمه أوامرهم. تسيس ضابط المخابرات ولم تعد تقاريره مجرد رفع لمعلومات، بل دخل إليها التحليل، فلم يلبث أن وجد نفسه معزولاً من وظيفته ثم من الجيش كله، ولم تنتظم أحواله بعد ذلك. أما أنا فانضاف إلى ملفي لدى أجهزة الأمن أني أفسد ضباط الجيش. في أيام الحرب، تحول مكتبي في النهار ومنزلي في الليل إلى مركزين إعلاميين يقصدهما الصحافيون الذين وفدوا إلى دمشق. مصادر الأنباء في سوريا شحيحة في العادة، وهي أكثر شحاً في الظروف الطارئة. ولهذا، صرت أنا بالنسبة للصحافيين لقية تشبثوا بها. وأنا أتذكر أني أحصيت عدد المحتشدين في منزلي ذات مساء ففاق العدد الستين. وقد تسنى لي أن أخدم زملاء المهنة، فأخدم سوريا وأوفر التغطية اللازمة لدور الفلسطينيين في الحرب. وربما كان هذا دوراً محدوداً إذا قورن بدوري مصر وسوريا. إلا أن «م. ت. ف.» كانت بحاجة إلى البروز وسط الصورة واستقطاب ما يمكن استقطابه من اهتمام. ألم يعلن عرفات أن الفلسطينيين فتحوا الجبهة الثالثة. لقد كان الرجل كعادته فطناً، فالذي لا يحارب قد يسهل استبعاده من الصورة بعد الحرب. في ذلك الوقت، تمتع الجمهور بمفاجأتين كل منهما مذهلة: صواريخ سام 6 سوفييتية الصنع التي حمت سوريا من عربدة الطيران الإسرائيلي المتفوق. وانتظام عملية التموين انتظاماً لم يشهده البلد في أي وقت آخر ووفرة المواد المعروضة للبيع وقدرة الدولة على إبقاء أسعارها في المتناول. وقد صار الكلام لفريقين: العسكريين، ورجال التموين المدنيين.فريق العسكريين تصدره حافظ الأسد. نحى رئيس الجمهورية بذلته المدنية وارتدى زيّ الميدان العسكريّ وعليه رتبة القائد العام للجيش وشاراته. وانتقل الرئيس من القصر الجمهوري إلى غرفة العمليات وتفرغ لإدارة شئون القتال. وكان في فريق العسكريين أصدقاء لي كان في مقدمتهم العميدان محمد الشاعر ومصباح البديري اللذان صرت تعرفهما. وكان كل من العميدين موكلاً بمهامّ تجعله في العارفين بما يجري: الشاعر الذي يقود مؤسسة الإنشاءات العسكرية السورية، والبديري الذي يقود جيش التحرير الفلسطيني الذي أُخضع في الحرب لغرفة العمليات السورية مباشرة وكُلّف القيام بعدد كبير ومتواتر من العمليات الخاصة. وبهذا، كما بغيره بالطبع، تسنى لي أن أتابع ما يجري على ساحة القتال. وفريق التموين، كنت أعرف، كما صرت أنت تعرف عني، كثيراً من قادته. ولأن إعلان الحرب حرر منير الحمارنة من ثقل الأسرار التي كتمها طويلاً، فما أكثر ما عرفت عن جهود هذا الفريق وإنجازاته. خارج مجال هذين الفريقين، لم يكن للمسئولين الآخرين في الدولة كثير مما يفعلونه مما يتصل بالحرب. وما أكثر ما وقعت على أصحابي من الوزراء والقادة السياسيين وهم لائبون يتسقطون الأنباء أو متجمعون لتزجية الوقت بشتى الوسائل. وفي مقرّ رئاسة الحكومة حيث أُنشئ ملجأ حصين، انتظمت حلقة كان من بين تسلياتها لعب الورق، وكان عبداللّه الأحمر وهو المعدود حسب البروتوكول الرجل المدنيّ الثاني في الدولة من روادها. وفي مربع ليلي شهير توقف العمل فيه أثناء الحرب، انتظمت حلقة أخرى. كان المربع يشغل قبواً في مبنى كبير تشغل إحدى الوزارات عدداً من طوابقه. فاستخدم الوزير القبو ملجأ واجتذب إليه آخرين من زملائه وأصحابه. جيش التحرير الفلسطيني في سوريا كان في واقع أمره لواء مشاة خفيف التسليح وكان مدرباً على ما يجعل عناصره أقرب ما يكونون إلى المغاوير أو الكوماندوس. وقد تولت وحدات من هذا الجيش مهمة مباغتة المواقع الإسرائيلية الخاصة في الجولان المحتل والسيطرة عليها أو مهمة تطهير مواقع حيوية أخرى، وأفلحت في تحقيق أهدافها، فسهلت تقدم الجيش السوري لتحرير منطقة الجولان المحتلة. وعندما واجه المتقدمون الهجوم الإسرائيلي المضاد واضطروا إلى التراجع وهم يقاتلون، نشطت عمليات الجيش الفلسطيني لإنجاد المواقع المهددة. وقد تميزت كتيبة قادها رائد من أصحابي هو طارق إبراهيم بأنها شكلت رأس الحربة في الهجوم الذي انطلق من بلدة نوى باتجاه فيق. ووصلت كتيبة طارق فعلاً إلى قرية العال القريبة من فيق هذه. وعندما اضطرت الكتيبة إلى التراجع، نجح طارق في إعادتها سالمة إلى الموقع الذي انطلقت منه. وفي عمليات السيطرة على عقد حصينة أو إنجاد مواقع مهددة، تميز في نحو خاص ما قام به ضابط مقدام ومتواضع هو النقيب عطية الذي نسيت الآن للأسف اسم عائلته. وكان عطية لا يعود من عملية إلا ليتسلم من العميد مصباح أمر عملية أخرى. وظل النقيب يواصل روحاته وغدواته دون انقطاع ويأبى أن يستريح بين أي عمليتين إلى نهاية الحرب. وفي إدارة عمليات جيش التحرير، تجلت خبرة مصباح العسكرية. واستفاد الضابط المشهود له بالشجاعة من معرفته الدقيقة بمواقع الجولان، وأسعفه حماس الضباط والجنود الفلسطينيين وثقة قيادة العمليات السورية بعمق دوافع المقاتل الفلسطيني. وتوالت البطولات. كنت أقول لمصباح دائماً: «أنت عسكري ممتاز» وأحثه على تجنب التدخل في العمل السياسي. وكان صاحبي يسعد بتقريظي دون أن يستجيب للنصيحة، فكان يبدد ثمرات سمعته الحسنة عبر المشاكل السياسية التي ينهمك فيها. وليد الكبير كان قد صار وقتها ضابطاً في الجيش الفلسطيني، وأُوكلت إليه مهمة اقتحام موقع إسرائيلي حصين قائم على ظهر تبّة يكتنفها سهل منبسط ومكشوف. وقد توجب على وليد أن يهاجم الموقع عبر السهل بوحدة صغيرة، بالأسلحة الخفيفة، دون تغطية جوية. أدرك وليد، كما قال لي هو نفسه، أن اقتحام الموقع بهذه الإمكانيات متعذر، لكنه أدرك ما بدا أن القيادة توخته، فمشاغلة العدو واجبة، فنفذ المهمة بحميّة وتلقى أثناء التنفيذ طلقة رشاش اخترقت ذراعه وفتقت جانباً من لحم العضد وأتت على عصب الحركة فيه، ورفض أن يذهب إلى المستشفى. اكتفى المصاب بالإسعاف الميداني الذي أوقف النزيف ثم رجع إلى مصباح وأخفى عن قائده خطورة إصابته وندب نفسه لمهمة جديدة. في هذه الحرب، تعرفت على فلسطيني لا أنساه حتى مع أني نسيت للأسف اسمه. كان هذا غزاوياً يجرّ معه حكاية طويلة فصولها كثيرة. ففي منتصف الخمسينيات التحق هذا الإنسان بالكتيبة الفدائية التي شكلها المصريون في قطاع غزّة وأوجعت عملياتها الجريئة الإسرائيليين. ولعلك تتذكر أن نشاط الكتيبة توقف بعد حرب 1956. وقد عانى صاحبنا الفراغ الذي عاناه زملاؤه كلهم وتقلب مثلهم على ظروفٍ شتى إلى أن تشكل جيش التحرير الفلسطيني فالتحق بقوة عين جالوت التي أنشئت في القطاع وتسنى له أن يشهد الحرب الثالثة في العام 1967 ويكون من المدافعين عن خان يونس. وبعد أن سيطر الإسرائيليون على القطاع، توارى الرجل عن الأنظار ووجد طريقه إلى حلقات المقاومة السرية فانهمك فيها وصال وجال ما أمكنه ذلك إلى أن ضاق الخناق على المقاومة فاضطر إلى مغادرة القطاع ووصل إلى الأردن. وكانت المقاومة الفلسطينية هناك في إبّان نشاطها فوجد صاحبنا نفسه في صفوف «فتح». وعندما أُخرج المقاتلون من الأردن، انتقل هو معهم إلى سوريا، ثم إلى لبنان وهو باقٍ في «فتح». وقبل أن تشتعل الحرب التي تعرفت عليه أثناءها، جاء من صار فدائياً محترفاً إلى سوريا لسبب من الأسباب. لم يكن صاحبنا يميز بين فصيل وغيره فالكل عنده فدائيون، ولم يعرف أن جيش التحرير الذي تحتفظ قيادته بسجلات نظامية لعناصره قد عدّه فاراً لأنه لم يلتحق به من جديد بعد مغادرته غزّة. ومن أين لفدائيّ تجرفه العواصف من مكان إلى آخر أن ينتبه إلى قيود البيروقراطية ! والحاصل أن صاحبنا اكتشف عندما وصل إلى الحدود السورية قبل أيام من بدء الحرب أن جيش التحرير عمم اسمه من أجل إلقاء القبض عليه. ولم تنفع الشروح المنطقية. فالأوامر هي الأوامر وخصوصاً أوامر أيّ اعتقال. وهكذا، سيق الرجل إلى قسم التحقيق في مخابرات جيش التحرير الفلسطيني وأُودع سجيناً في قبو المقرّ الذي يشغله القسم. ولما كان سميح جبر رئيس القسم صديقاً لي وكان يعرف مقدار ولعي بحكايات الفلسطينيين فقد روى لي حكاية سجينه. وقال سميح إنه يدرك أن الموقوف غير مذنب في واقع الأمر وأنه احتفظ به في ظرف لائق وكتب إلى رؤسائه طالباً الإذن بطيّ ملفه والإفراج عنه. ولأن الحرب بدأت قبل أن يجيء الإذن، ولأن سميح أشفق على المحتجز في القبو بغير ذنب فقد أذن له بمغادرة محبسه في النهارات والتجول بحرية على أن يعود إليه في الليل. وقتها، كانت صواريخ سام 6 التي فوجئ الإسرائيليون بوجودها في حوزة السوريين قد أوقعت القيادة الإسرائيلية في حال أشبه ما يكون بالهستيريا. إذ أن تلك كانت هي المرة الأولى التي تفقد فيها إسرائيل السيطرة على الجوّ. وكان طيّارون سوريون شجعان يتصدون بجرأة للطائرات الإسرائيلية فتشتد الهستيريا الإسرائيلية. ولأمر ما أغلب ظني أنا أنه الغيظ، أعلن موشي دايان، وهو من غدا وزيراً للدفاع في إسرائيل، أن القيادة السورية تحتمي بملجأ في دمشق تظنّه حصيناً. وأنذر دايان بأنه سيدك هذا الملجأ على رأس القيادة المحتمية فيه. كان الملجأ الذي أشار إليه دايان حصيناً حقاً، وكان دايان يعرف أنه غير قابل للاختراق حتى لو أمكن اختراق شبكة الصواريخ. لكنه الغيظ، وربما الحاجة إلى رفع معنويات منهارة والتباهي، هي التي أرسلت طائرتين إسرائيليتين بهدف قصف الملجأ. وقد أسقطت الصواريخ السورية طائرة قبل بلوغها سماء المدينة، وأسقطت الثانية وهي في سمائها بعد أن تمكنت الطائرة المغيرة من رمي المدينة بحمولتها. وكانت الحمولة صواريخ جو ـ أرض هائلة الحجم. فانفجر صاروخ في عراء مجاور لمبنى دار المعلمين وألحق به أضراراً دون خسائر في الأرواح. وكان هذا هو العراء الذي اعتقدت القيادة الإسرائيلية أن الملجأ المستهدف قائم تحته. ودمّر صاروخ آخر المبنى الذي يشغله المركز الثقافي السوفييتي وقتل شخصين كانا فيه. وحطّ صاروخ ثالث في حديقة مدينة السكن الجامعي، قرب مبنى فيها مخصص لسكن الطالبات، دون أن ينفجر. كان صاحبنا الغزاوي قد غادر قبوه المجاور للمدينة الجامعية وراح يتجول في المنطقة حين رأى ما رآه غيره: الصاروخ الذي حط في الحديقة والرعب الذي أثاره في المنطقة كلّها. ورأى الناس المرعوبون رجلاً لا يعرفونه وهو يزحف باتجاه الصاروخ، ثم رأوه وهو يتفحصه، ثم شهدوه وهو يمتطيه كما يمتطي الإنسان دابّة. ثم أدهش الناس الذين كبر جمعهم وقلّت جلبتهم أن الرجل الذي وشت حركاته كلها بثقة عالية بالنفس استلّ علبة سجائره من جيبه واستلّ من العلبة سيجارة وأشعلها ومجّ نفساً عميقاً ونفث الدخان بهدوء وبعدها انصرف إلى معالجة الصاروخ. تعرف الفدائي المتمرس على طبيعة البلاء المتحفز على أرض الحديقة، ولاحظ بيسر جهاز التوقيت الذي زوّد به صاروخ زنته نصف طن، وعرف أن أمامه اثنتي عشرة دقيقة، وكان هذا عند الرجل الواثق بنفسه وقتاً كافياً أباح له أن يتصرف بهدوء ويبهر بهدوئه المراقبين. أنقذ الفدائي المنطقة من كارثة، وظفر بحريته الكاملة للتو، وشاعت حكايته، وتفنن الناس في الإشادة ببطولته. وغني عن البيان أني وجدت حكاية فلسطينية مجيدة أُخرى أوجه الصحافيين إلى الاهتمام بها. وما أكثر الصحافيين الذين جمعتهم بصاحب الحكاية. ووسط الإشادة الجماعية ببطولة الفدائي وكفاءته وحسن تصرفه، بدا شخص واحد فقط مغتاظاً، شخص واحد هو صديقي مصباح البديري. أما ما الذي أغاظ مصباح، وسلوك الرجل هو هذا السلوك الرائع، فإليك بيانه: وقف الفدائي على الصاروخ بعد أن أبطل مفعوله ولوح بكوفيته للجمهور، وهتف: «تعيش الثورة الفلسطينية ويعيش ياسر عرفات !». هذا الرجل لقيته آخر مرة في السوق العتيق حين ذهبت للتسوق بعد الحرب. لمحني هو وسط الزحام فجاء إلي: «أتدري بم كافأني صاحبك العميد مصباح أنت الذي اقترحت المكافأة: أعطاني خمسين ليرة وقرعني لأني هتفت لعرفات، إهانة ومبلغ لا يشتري عبوة حشيش !». ضحايا المركز السوفييتي الذي دمره صاروخ الانتقام كانوا اثنين فلم يوجد في المبنى في ظروف الحرب سواهما: المدير العام العربي للمركز د. محمد أمين صديقي وأخو صديقي الأقدم المحامي مصطفى أمين، وسيدة سوفييتية حزنت المدينة كلّها عليها. لم يكن محمد مضطراً إلى المجيء إلى المركز الذي أوقفت الحرب نشاطاته، لكنه رأى في وجوده فيه واجباً فقضى شهيد التزامه الواجب. أما السيدة السوفييتية فكانت لها حكاية استدرت دموع الذين يحزنهم موت الناس الشجعان. فقد رافقت هذه السيدة جيش بلادها الأحمر في زحفه وهو يحارب النازيين من موسكو إلى برلين، كانت ممرضة شهدت أهوال الحرب على أقسى جبهاتها وأسعفت بيديها آخر جندي سوفييتي أصيب في القتال الطاحن في مبنى الرايخستاغ الألماني. وبعد الحرب، عادت السيدة إلى مهنتها مدرسة للغة الروسية، وبهذه الصفة أُرسلت إلى دمشق. الناجية من أهوال أهول حرب فتك بها صاروخ أرسله مأفون حرب مغرور لا لشيء إلا ليقول إن يد جيشه طويلة ويتباهى. أما نبيه ارشيدات، هذا الذي أشاركه ويشاركني السراء والضراء، هذا الذي يحزنه همي أكثر مما يحزنني ويحزنني همه أكثر مما يحزنه، نبيه الذي تتجلى في الأزمات أجلّ مزاياه ولا يهدأ ولا يكفّ عن البحث عن مفيد يحققه، فكان في أيام الحرب كتيبة لوحده. لم يحوّل نبيه عيادته إلى مقرّ للنشاط العام كما فعل في الحرب السابقة، ذلك أن حال الخدمات العامة في البلد انتظم فلم تحتج إلى تنظيم نبيه له، فلم تتكرر، إذن، حكاية قصر سمولني. لكن نبيه صار هو نفسه سمولني متنقلاً. أدرك نبيه أكثر مما أدرك غيره أن حرب أكتوبر هذه التي سميت على الجانب العربي باسم حرب رمضان أيضاً وسماها الإسرائيليون حرب يوم الغفران، مختلفة عن الحروب التي سبقتها كلها. لم يتأثر رأي نبيه بتفاصيل الكرّ والفرّ المتعاقبين، لم يبهره تقدم الجيش السوري حين تقدم في بداية الحرب، ولم يزعزعه التراجع حين دُفع هذا الجيش إلى التراجع. وقد اتفقت أنا ونبيه على أن أهم ما وقع تمثل في نقطتين: أن الجانب العربي بادر إلى حرب تحرير في وقت تصور الإسرائيليون أن العرب عاجزون عن المبادرة، وأن الجيوش العربية أوقعت خسائر ظن الإسرائيليون أنها غدت عاجزة عن إيقاعها بهم. واستخلصنا منذ البداية أن الوقت الذي ظلت إسرائيل فيه قادرة على الفتك بالعرب دون أن تدفع الثمن قد انقضى. وآمنّا بأن طريق التسوية على أساس القرار 242 قد انفتح هذه المرة، وسيصعب على إسرائيل سدّه ثانية. كان مع نبيه راديو ترانزستور لا يفارقه. وكانت سيارة الموسكوفيتش التي اقتناها نبيه منذ سنوات هي المهرة التي يتنقل بها من مكان إلى مكان. وكان ألق نبيه وثباته يحلاّن حيث يحل. وكان احتضان صاحبي الدائم للترانزستور مادة لواحدة من الطرائف التي روجتها أنا عنه. فقد زعمت أن صديقي لا يصدق إلا الجهاز الذي يخصه هو، وإذا وُجِدَ هو في مجلس فيه جهاز آخر مفتوح على محطة بعينها وبثت المحطة أخباراً فإن نبيه يفتح جهازه هو على المحطة ذاتها حتى يتأكد من أن أحداً لا يخدعه. كوت نبيه لوعة الأكاذيب والروايات المهولة التي افترست الصدق في حرب يونيو 1967، فصمم في الحرب الجديدة على ألا يصدق إلا ما يتحقق بنفسه من أوثق المصادر من صدقه. وقد أفرط نبيه في التحقق، حتى لقد بزنا نحن أصحابه جميعنا. الصديق الذي أرجأت الحديث عنه حتى الآن هو فؤاد قدري أو أبو قدري وفق الكنية التي لا نذكره إلا بها. عرفت هذا الرجل الذي يكاد يكون في سنّ والدي أول ما عرفته حين كان تبدل أحواله قد أسلمه إلى بؤس يثير الأسى. فقد نشأ أبو قدري ابناً لإقطاعي واسع الأملاك من زعماء الأكراد في شمال سوريا فشبّ فارساً يتمتع بالجاه والنفوذ والثروة، خليّ البال من الهموم، فحظي بما يحظى به أبناء الإقطاعيين، وسلك سلوكهم، ولم يفوّت عنه لا الحسن ولا القبيح. أما التبدل الذي أوصل ابن الإقطاعي إلى سوء الحال في نهاية المطاف فوقع أوله منذ انتقل من إقطاعية أبيه في منطقة الجزيرة البعيدة والمعزولة إلى دمشق العاصمة، تمّ الانتقال وأبو قدري شاب بعد سقوط ديكتاتورية أديب الشيشكلي. وقد جاء أبو قدري إلى العاصمة عضواً في مجلس النواب الشهير الذي عادت به إلى سوريا مظاهر حياتها النيابية. حل الابن في المجلس محل أبيه الذي ظل يمثل منطقته في البرلمانات السابقة فلما تقدم به السن أفسح المجال لابنه. جاء سليل الإقطاع إلى العاصمة وقت أن كان صوت التحالف الذي ضمّ البعثيين والشيوعيين والبرجوازيين التقدميين هو الأعلى فيها. وتعرف أبو قدري إلى زعماء التحالف وانجذب خصوصاً إلى خالد بكداش. لم يصر ابن الإقطاعي عضواً في الحزب الشيوعي، لكنه صار حين يتعلق الأمر بالشيوعية ملكياً أكثر من الملك. وفي التجمع البرلماني الذي ضم أغلبية أعضاء مجلس النواب، صار أبو قدري قطباً وأُوكلت إليه مهمة أمانة سرّ التجمع وشهد التطورات العاصفة التي انتهت بوحدة مصر وسوريا في دولة واحدة. وكان هذا الكردي السوري هو الذي حمل راية الوحدة العربية مع وفد مجلس النواب السوري وسلمها إلى عبد الناصر. مع هذه التحولات، مع انتقال الإقطاعي إلى مقدمة صفوف التقدميين، ومنذ آلت إليه حصته من إرث أبيه، قرر أبو قدري أن يعوض فلاحي إقطاعيته عن إساءات أسرته وإساءاته هو شخصياً إليهم فتخلى عن أرضه لفلاحيها قبل أن يصدر أي قانون للإصلاح الزراعي وتفرغ للعمل العام وحده، وكان سعيداً وارتاح ضميره. ثم جاء الوقت الذي اضطهد فيه الشيوعيون فلحق بالرجل نصيب وافر من الأذى ونضبت موارده، وساءت أحواله. وانتهى الأمر بالرجل الذي يعلي شأن المبادئ وأخلاق الفرسان إلى الانزواء في شقة مجاورة للشقة التي سكنت أنا فيها في حي الأكراد. وهناك تعرفت عليه. وعندما اشتد الضيق على الرجل وأسرته بعد صبر سنوات، وإذا لم يعد للصبر مطرح، خطا أبو قدري خطوته الأولى نحو إصلاح أحواله. فاتصل بأخوته الذين كانوا ساخطين عليه لأنه اتبع درباً غير دربهم، واستعان بهم وأنشأ شركة للاستيراد والتصدير. استفاد القادم من عالم السياسة إلى عالم الأعمال من سمعته الحسنة وثقة الآخرين به ولقي التشجيع لدى ممثلي الاتحاد السوفييتي الذين عرفوه ناشطاً في حركة السلم وداعية مثابراً لتحسين العلاقات مع السوفييت، فانفتحت أمامه الأبواب وتيسر له عمل كثير. استعاد عزيز القوم الذي انحدرت أحواله لبعض الوقت مكانته المالية وبقيت له فروسيته. فبقي وفيّاً لأصدقائه حدّ التزمت، واستبقى صلته بالعمل العام. وصار أبو قدري، كما يمكن وصفه بكلمات قليلة، مؤسسة للنفع العام والخاص. وأنا لا أنسى أن صديقنا هذا موّل مبادرة أقدمنا عليها، معين بسيسو وسعيد مراد وأنا، بعد حرب 1967 مباشرة. وكانت تلك مبادرة أعلنها نزوة طيبة، إذ تصورنا أن من الواجب علينا أن نرد الجميل للكتاب السوفييت الذين تضامنوا مع العرب. ولم يكن في سوريا وقتها منظمة للكتاب، فتطوعنا نحن الثلاثة للمهمة، ووجهنا دعوة منّا لثلاثة كتاب يختارهم اتحاد الكتاب السوفييت وأملنا في أن يكون الروائي جنكيز ايتمانوف واحداً منهم. لم يأت ايتمانوف، بل جاء الشاعر الكبير قيسين كولاييف ومعه المستشرقة تاتيانا برافدينا والروائي الأرمني سيفونتس. وتوفرت للثلاثة ضيافة لم يكونوا ليحصلوا على مثلها حتى لو كانوا ضيوف الدولة، وكان ذلك بفضل أريحية الذي موّل رحلتهم وغطّى التكاليف كلها وهو أبو قدري.