أثار بيان صادر عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر حول السماح للمرتد بأن يتوب طوال حياته والتغاضي عن استتابته خلال ثلاثة أيام كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء موجة من الإستياء والغضب بين علماء الأزهر وأكدوا ان قرار المجمع يبطل بطريقة صريحة حد الردة ويلغيه نهائيا ويشجع على ارتداد المسلمين عن دينهم. وكانت لجنة العقيدة والفلسفة بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر قد قررت ان تكون فترة استتابة المرتد مفتوحة طوال حياته بحيث يتوب المرتد فى أى وقت ولا تتم استتابته خلال أيام محددة كما ورد فى الفقه الإسلامى وان يترك لولى الأمر تحديد فترة الإستتابة حسب الظروف والأحوال. وأشار العلماء إلى ان حد الردة ثابت بنصوص قطعية فى القرآن والسنة ولا يجوز تعطيله أو وضع العراقيل التى تحول دون تطبيقه موضحين ان جمهور الفقهاء أجمعوا على ان مدة الإستتابة ثلاثة أيام فقط ويمكن مدها عدة أيام اذا كان هناك أمل فى عودة المرتد إلى الإسلام. وكان أشد المنتقدين للقرار الدكتور عبدالعزيز غنيم عضو لجنة العقيدة والفلسفة بالمجمع حيث أكد ان قتل المرتد محل اجماع بين المسلمين كما ان صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اجتمعت كلمتهم على ذلك مشيرا إلى ان مد فترة استتابة المرتد مدى الحياة يترتب عليه مشكلات اجتماعية وشرعية كثيرة وتساءل كيف تكون علاقة هذا المرتد بأسرته وزوجته وهل اذا مات يدفن فى مقابر المسلمين أم فى غيرها، موضحا ان اليهود يلتزمون بالتوراة وينفذونها حرفا حرفا أما نحن فنبتعد عن ديننا بفتاوانا ذات اليمين وذات الشمال ونبتعد عن الأحاديث النبوية الصحيحة. ومن جانبه يؤكد الدكتور محمود مزروعة استاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر ان القول بجعل استتابة المرتد مدى الحياة باطل لأنه اذا كان المرتد يستتاب طوال حياته فلن يكون لحد الردة معنى بل ان مثل هذا القرار الذى اتخذه مجمع البحوث الإسلامية يعد إلغاء صريحا لحد الردة الذى ورد فى القرآن الكريم وفى الأحاديث المتواترة فى كتب الصحاح وهو حد ثابت لا يتطرق اليه الشك. ويضيف قائلا: ان الرأى الذى يذهب إلى استتابة المرتد مدى الحياة لم يقل به أحد من العلماء اطلاقا لأن إى عالم لا يجرؤ على ابطال حد من حدود الله ـ سبحانه وتعالى ـ مؤكدا ان جمهور العلماء يجمعون على ان مدة استتابة المرتد ثلاثة أيام متواليات يحبس خلالها للنظر فيما لديه من شبهات ويقوم العلماء بالرد على تلك الشبهات ويردون على أسئلته ويوضحون له الطريق الصحيح فإذا مرت الأيام الثلاثة ولم يرجع إلى الإسلام يقتل حدا. ويشير إلى ان بعض العلماء لم يحددوا مدة الإستتابة بثلاثة أيام وجعلوا تحديدها على حسب حال المرتد فبعض المرتدين قد يتضح من اليوم الأول أنه من المستحيل ان يعود إلى الإسلام وان اطالة المدة لا طائل من ورائها كأن يرى العلماء من مرتد عنادا واصرارا على الردة وبالتالى فلا حاجة لإمهال هذا الشخص ثلاثة أيام وفى المقابل هناك مرتد قد يلين شيئا فشيئاً ويأمل العلماء فى رجوعه للإسلام ويزداد الأمل يوما بعد يوم فمثل هذا الشخص من الممكن زيادة الأيام الثلاثة له إلى أربعة او خمسة حتى عشرة أيام وذلك أملا فى عودته وابقاء على النفس. ويوضح د. مزروعة ان علماء بعض المذاهب قالوا بقتل المرتد دون فترة استتابة لكن هذا الرأى شاذ مؤكدا ان الأحكام الثابتة فى الإسلام يجب ألا تتأثر بظروف دولية أو قرارات اتخذت فى بلد من البلاد تصادم شرع الله لأن شرع الله يؤخذ من القرآن الكريم والسنة النبوية ولا يؤخذ من قرارات بعض المؤسسات أو المجالس النيابية. ويخلص إلى القول ان الذين يشرعون ويصدرون قوانين تتصادم مع دين الله انما يضرون أنفسهم ومجتمعاتهم أما شرع الله فلن يؤذى فى شيء لأن شرع الله حق ودينه حق ولو كفر الناس جميعا. يشير الدكتور محمد رأفت عثمان استاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر إلى ان الرأى الراجح فى هذه المسألة ان المرتد يستتاب خلال ثلاثة أيام ويقوم العلماء خلالها بتوضيح الحكم الصحيح له فى تلك الشبهات التى يراها أو يثيرها لعله يتراجع عنها حينما يكتشف ما هو حق وصواب مؤكدا ان هذا دليل على ان الإسلام ليس تواقا لإسالة الدماء وليست أحكامه مجرد مصيدة للمخطئين بل ان المخطيء يبين له خطأه لأن الإسلام دين رحمة وعطف ومعاونة للضعفاء. ويضيف قائلا :ان الإسلام ينطلق من رؤيته تلك إلى ان المرتد قد يكون قد وقع فى لبس عقلي أو خطأ فى التفكير أوهمه هذا الأمر بالردة وبالتالى لابد ان يبين له العلماء خطأه فالإسلام ليس فيه ما يخشى عليه موضحا ان كل الأفكار التى تتعارض مع الإسلام هى أفكار ضعيفة ولذلك يبين العلماء للمرتد ان الفكرة أو الأفكار التى يؤمن بها خاطئة لا تطابق أحكام الإسلام فاذا تاب المرتد فلا لوم عليه ولا توقع عليه أية عقوبة. ويؤكد د. عثمان ان الغرض من الأحكام الشرعية ان تصلح الناس فإذا رجع المخطيء إلى الطريق الحق المستقيم فلا شئ فى ذلك أما إذا أصر على عناده واستمر على ردته فيعاقب عقوبة المرتد بعد ثلاثة أيام. ويرى ان المرتد الذى لا يعلن ردته لا يعاقب لأن أمره سيظل غير معروف إلى ان يعلن ذلك ولكنه إذا أفلت من عقاب الدنيا فلن يفلت من عقاب الله فى الآخرة، مشيرا إلى ان حكم هذا الشخص حكم المنافق لأنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر وهو فى حقيقته لا يؤمن بالإسلام واحكامه. ويوضح اننا لم نؤمر بأن نفتش عما فى القلوب لأن ذلك ليس فى استطاعتنا وهذه الإمكانية لا تتوافر إلا لله ـ عز وجل ـ لأنه هو وحده الذى يعلم ما فى الصدور مؤكدا ان مثل هذه الحالة غير واردة لأننا كيف نعلم ان هذا الشخص فى داخله لا يؤمن بالله وهو فى الظاهر يشعرنا انه مسلم لكن فى النهاية هو وما يؤمن به بينه وبين الله فان كان يؤمن بالله كان مؤمنا كسائر المؤمنين وان كان لا يؤمن فسوف يعذبه الله على هذا يقول تعالى: «ان المنافقين فى الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا». ويرى الدكتور محمد عبد المنعم البري الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر ان هذا القرار يخدم فى المقام الأول مؤسسات التنصير الغربية التى تسعى لتنصير المسلمين واخراجهم من حظيرة الإسلام مؤكدا انه اذا كان هناك قرار بحرية الكفر فيجب ان يكون لذلك رد فعل اسلامى قوى ينطلق من وحى الله وشريعته التى ترفض ارتداد المسلم عن دينه بحال من الأحوال . ويشير إلى رفضه لمد فترة استتابة المرتد لتكون مدى الحياة موضحا ان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : «من بدل دينه فاقتلوه» والفاء فى كلمة فاقتلوه تفيد الترتيب الفورى والإسراع فى اقامة الحد. ويؤكد ان مد فترة الإستتابة عدة أيام يخضع لتقدير القاضى الذى يتعامل مع المرتد فإذا وجد ان هناك بعضا من الظروف النفسية أو خللا فى أعصاب المرتد أو ان هناك أملا قويا فى عودته الى الإسلام وعدوله عن موقفه وأفكاره فلا مانع من مد فترة الإستتابة . ويضيف د. البرى ان أعداء الإسلام فى العصر الحاضر يحاولون تدعيم جهود التنصير على حساب الإسلام وليس من المنطقى ان نجاريهم ليحققوا أهدافهم الخبيثة من خلال اصدار القرارات أو استحداث فتاوى لا تتفق وأحكام الشرع الحنيف، مشيرا إلى ان الإسلام منح الشخص حرية الإعتقاد وجعل من حقه أن يؤمن أو يكفر يقول ـ تعالى ـ: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» لكن اذا دخل الإسلام فلم يعد حرا ولا يصح ان يتلاعب بدين الله فإذا ارتد تطبق عليه قوانين الشريعة. ويرى ان اتخاذ قرار بمد فترة استتابة المرتد طوال حياته يجعلنا نقع تحت قول الله ـ تعالى: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون». ويخلص د. البري إلى القول انه بالنسبة للمرتد الذى يترك بلده ويذهب ليعيش فى أميركا أو أوروبا مثلا ويعلن ارتداده هناك فإن مثل هذا الشخص لا سلطان لنا عليه فإذا عاد إلى بلده يحاكم ويستتاب فإن لم يتب يقام عليه حد الردة واذا ظل على ردته فى البلد الذى يعيش فيه فأمره إلى الله. ويوضح الشيخ فكري حسن اسماعيل وكيل وزارة الأوقاف السابق ان الردة تعني قطع الإسلام بقول أو فعل أو انكار شيء معلوم من الدين بالضرورة أو هى رجوع المسلم البالغ العاقل عن الإسلام إلى الكفر باختياره ودون اجبار من أحد مشيرا إلى ان الردة التى يقام فيها الحد تكون فى حالة اعلان المرتد كفره بالله ورسوله أو انكاره أمرا معلوما من الدين بالضرورة مثل الصلاة والزكاة والبعث والجزاء أو اذا استباح شيئا محرما بدليل قطعى مثل الزنا أو اذا سب نبيا من الأنبياء أو سب الدين أو ادعى النبوة وكذلك اذا أهان المصحف واستخف به وألقاه فى القاذورات أو استخف باسم من أسماء الله الحسنى لكن هناك أمور اخرى إذا أنكرها المسلم لا يحكم عليه بالردة مثل تحريم نكاح المرأة على عمتها أو القول بأن الجدة لا تأخذ السدس فى الميراث وكذلك لا يكفر المسلم اذا وقعت فى قلبه بعض الهواجس أو أنكر عذاب القبر أو شكك فى بعض الأمور الغيبية ونحو ذلك. ويشير إلى ان الإسلام قرر عقوبة معجلة للمرتد فى الدنيا بينها النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى قوله : «من بدل دينه فاقتلوه» مؤكدا أنه لا خلاف بين العلماء فى وجوب قتل المرتد من الرجال بعد ان يستتاب ـ أما بالنسبة للمرأة فقد اختلف الفقهاء حولها والأصح ما ذهب إليه الجمهور ان المرأة اذا ارتدت لا تقتل ولكنها تحبس فى مكان أمين- لأن آثار وأضرار الردة لا تختلف سواء كانت من المرأة أو من الرجل. ويضيف ان قتل المرتد جاء نتيجة ان الإسلام لا يكره أحدا على اعتناقه فمن دخل فيه بارادته واختياره ثم عاد بعد ذلك إلى الكفر فقد طعن فى الإسلام والمسلمين وأعلن الحرب على دين الله فهو وبال على المجتمع المسلم ولا يؤمن شره ولذلك فهو يستتاب ويطلب منه العودة إلى الإسلام ويمهل أياما قدرها بعض الفقهاء بثلاثة أيام فان لم يتب يقتل موضحا ان بعض العلماء ذهبوا إلى ان المرتد لا يستتاب ولكنه يقتل متى علم الناس ردته لكن جمهور الفقهاء يرون ضرورة الإستتابة أولا وامهال المرتد مدة تقدر حسب الظروف حتى يعود إلى الإسلام فيعفى عنه وإلا قتل. ويوضح ان الذى يرتد عن الإسلام ويستمر على ذلك يحرم من بعض الحقوق التى كانت له مثل انقطاع العلاقة الزوجية وفقدان الأهلية وبعد اقامة الحد عليه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن فى مقابر المسلمين وهذا يوضح الفرق بين من يقتل فى حد الردة وبين من يقتل بحد الزنا مثلا فالأخير يغسل ويصلى عليه ويدفن فى مقابر المسلمين. ويؤكد ان رأى مجمع البحوث الإسلامية لم يقل به أحد من الفقهاء ولم يقل عالم مسلم بترك المرتد وشأنه لأن ذلك من شأنه تشكيك الناس فى دينهم وإثارة البلبلة والفوضى فى المجتمع، فعلى سبيل المثال شخص يزعم ان القرآن استنفد اغراضه مثل هذا الشخص لابد ان يطبق عليه حد الردة مشيرا إلى انه يجوز للقاضى أن يطيل مدة الإستتابة اذا كان لديه أمل فى عودة المرتد إلى دينه.