الكيروسين هو مصدر وقود من البترول استخدم في السابق في الاضاءة والتدفئة وأدوات الطهي التي لم تعد تستخدم الآن نظراً لاستخدام الغاز الطبيعي الأكثر نظافة وأكثر تحضراً. وقد عرف مصباح الكيروسين في كثير من بلدان العالم ومنها العربية، وبالأخص في مصر الذي كان يعرف فيها باسم «لمبة الجاز». الآن يتجهون الى استخدام وقود «لمبة الجاز» في دفع الأجيال القادمة من سفن الفضاء. والكيروسين مرشح الآن في الولايات المتحدة ليكون وقوداً لمكوك أو سفينة الفضاء التي يمكن اعادة اطلاقها عدة مرات، في اطار مشروع يطلقون عليه «مبادرة الاطلاق الفضائية» وهي عبارة عن برنامج تكنولوجي تقوم وكالة الفضاء الأميركية ناسا بتنفيذه حاليا لانتاج نظم نقل فضائي ذات درجة أمان أعلى وتكلفة أقل. يقوم هذا المشروع حالياً بتطوير محرك يسمى RS-84 ويعمل بالكيروسين وذلك بالتعاون مع شركة بوينج روكيتداون في كاليفورنيا والمحرك المعروف باسم TR107 بالتعاون مع شركة TRW للفضاء والالكترونيات.. كما يجري أيضاً تطوير محرك يعمل بوقود الهيدروجين. وفكرة دفع سفن الفضاء بمحركات تعمل بالكيروسين ليست جديدة، فقد استخدم الكيروسين في محركات «اف. وان» في صواريخ «ساتورن تمي» التي دفعت رواد الفضاء في سفينة الفضاء «ابولو» الى القمر في الستينيات. الجيل الثاني من محركات الصواريخ يحتاج الى تصميم يتميز بدرجة اعتمادية اكبر وسهولة في التشغيل ومكونات قليلة وتكلفة منخفضة. لذلك فإن التصميم الجديد لمحرك الكيروسين الفضائي سوف يحتوي على دورة احتراق متعددة المراحل تنتج عنها كفاءة أعلى في استهلاك الوقود مقارنة بمحركات «اف. وان». وسوف يمكن في التصميم الجديد اعادة استخدام بعض الوقود وتستخدم مادة مؤكسدة في مرحلة ما قبل الاحتراق لبدء مرحلة الاحتراق الأساسية. تقوم هذه المواد التي تعمل في مرحلة ما قبل الاحتراق بتسخين كميات وقود الدفع لتجهيزها للاحتراق عالي الطاقة قبل حقنها داخل غرفة الاحتراق الرئيسية، حيث يقوم احتراق الوقود الأساسي بتوليد قوة الدفع. هناك اختلاف آخر بين المحركات الجديدة ومحركات الكيروسين السابقة، وهو حجم المحرك. يتم حرق الوقود تحت ضغط أعلى مما يعني خفض حجم غرفة الاحتراق ويؤدي ذلك بالتالي الى زيادة قوة الدفع. وسوف يكون ضغط غرفة الاحتراق في المحرك الجديد نحو الفين و600 رطل لكل بوصة مربعة، مقابل 965 رطلاً/بوصة مربعة في المحرك السابق. هذا الارتفاع في الضغط يجعل محركا صغيرا يولد قوة دفع تعادل المتولدة من محرك «اف. وان» السابق كبير الحجم. و سوف يولد محرك الكيروسين الجديد قوة 1.1 مليون رطل أي أقل من محرك «اف. وان» السابق الكبير بمقدار اربعمئة ألف رطل من القوة. والاختلاف الثالث والأهم بين الجيلين من محركات الكيروسين هو اعادة الاستخدام مرة اخرى. كان محرك «اف. وان» يستخدم مرة واحدة فقط، لكن المحركين اللذين يجرى تطويرهما سوف يكونان أول محركي كيروسين يستخدمان وقود الكيروسين والغازات الغنية بالاكسجين أيضاً ولعدة مرات. وسوف يساعد استخدام محرك الكيروسين الجديد عدة مرات في خفض تكاليف الصيانة وتسريع الفترة الفاصلة بين الرحلات الفضائية. ويقول جاري ليلز مدير مشروع مبادرة الاطلاق الفضائي ان خفض تكلفة الصيانة والاستخدامات العديدة هما اساس المشروع. فالمحرك من الجيل الجديد سوف يكون طويل الحياة ويمكن ان يستخدم في 50 ـ 100 رحلة فضائية، وسوف يخفض ذلك من تكلفة التشغيل. رغم كل هذه المزايا فإن استخدام الكيروسين يواجه بعض التحديات، فهو ليس في كفاءة الهيدروجين من حيث امكانية التبريد، ولذلك يستخدم الهيدروجين في المرحلة الأولى أو الثانية غالباً في برنامج الفضاء الأميركي. والكيروسين هو وقود هيدروكربوني يسبب ترسب طبقات صلبة على مكونات المحرك الداخلية مع ارتفاع درجة حرارتها. هذه العملية تجعل من الصعب على وقود الصاروخ ان يمر من خلال انابيب التبريد الدقيقة التي تتكون منها غرفة الاحتراق الداخلية، كما ان احتراق الكيروسين يسبب ترسب السناج على المراوح التربينية، مما يعتبر تحدياً كبيراً امام استخدام المحرك الصاروخي عدة مرات تصل الى المئة. ويبحث المهندسون حالياً في وسائل لحل هذه المشكلة خاصة ارتفاع حرارة الكيروسين وتبريد غرفة الاحتراق والحد من الترسبات على نظام المراوح التربينية. وكما حدث في أيام أبوللو ـ سفينة الفضاء الشهيرة التي نزلت على سطح القمر، فإن المهندسين في وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» وشركات صناعية أخرى يكتبون فصلاً جديداً في صناعة دفع الصواريخ والسفن الفضائية.