مع تزايد المخاوف من تراجع المخزون المائي في اليمن اتجهت الانظار الى محاولة الاستفادة من المياه العادمة، واعادة استخدامها في الري الزراعي، ويعتبر هذا المقترح احد الحلول الجزئية، لمواجهة تدهور الموارد المائية في البلاد وتعول السلطات اليمنية على ان تساهم هذه الوسيلة في التخفيف من الشح المائي في المناطق الزراعية الواقعة على مقربة من المدن الرئيسية والثانوية. ولكن هذا التعويل حسب المختصين يتعين ان يكون مبنيا على تقنين وتنظيم صارمين نظراً للآثار الصحية والبيئية المترتبة على استعمال مياه الصرف الصحي، الامر الذي دفع بالسلطات المعنية بدراسة وبحث كل الجوانب الممكنة الهادفة الى توخي السلامة عند اعادة استخدام المياه العادمة. من هذا المنطلق وامام الحاجة الملحة لمواجهة الشح المائي في اليمن شرعت السلطات اليمنية بتبني منظور علمي وقانوني وتنظيمي يؤطر كيفية الاستفادة من مياه الصرف الصحي بأقل كلفة مادية وصحية وبيئية، وبدأت الانظار والجهود تنصب على ايجاد المسوغات الكفيلة ببلوغ تلك الاهداف حسب ما تؤكده الاجراءات المتخذة والجهود المبذولة حتى الآن. وطبقاً للمداخلات والاوراق المقدمة الى الدورة التدريبية التي نظمتها مؤخراً وزارة السياحة والبيئة والهيئة العامة لحماية البيئة حول ادارة المياه العادمة واعادة استخدامها المنظمة مؤخراً في العاصمة صنعاء كشف المختصون والباحثون في هذا الميدان الامكانيات المناخية لانطلاق هذه التجربة والمحاذير الواجب مراعاتها عند اعادة استخدام المياه العادمة ويقول المهندس قحطان يحيى عبدالملك مدير الوحدة المركزية لمراقبة مياه الري في وزارة الزراعة والري والمياه العادمة المعالجة لاستخدامها في الانتاج الزراعي لابد ان يكون لها مواصفات اهمها: ـ خلوها من المواد العالقة التي تعوق سريان المياه في انابيب واجهزة الري. ـ ضبط كمية النيتروجين في المياه لتتناسب مع متطلبات التسميد. ـ ضبط درجة ملوحة المياه بدرجة ملائمة للزراعة. ـ خلوها من الجراثيم الضارة للحد من المسببات المرية ولمنع تلوث أو تلف الانتاج الزراعي. ومن اجل مراعاة مثل تلك المواصفات قام مجلس حماية البيئة منذ وقت مبكر في دراسة وبحث هذه القضية وتعود البداية الى عام 1992 حيث قام منذ ذلك الحين بالتنسيق مع الجهات المعنية باعداد مسودة لمواصفة قياسية للمياه العادمة التي يمكن استخدامها في الاغراض الزراعية إلا انه لم يتم اقرارها واصدارها إلا في اواخر العام 1998م بعد ان قامت الهيئة العامة للموارد المائية مع العديد من الجهات ذات العلاقة بالمياه وبمشاركة الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس بالعمل على دراسة الموضوع وفي يوليو 1999م استكمل اعداد مشروع عام للمواصفات القياسية اليمنية للمياه. وبعد تقديمه لمجلس الوزراء وافق المجلس في سبتمبر 1999م على تلك المواصفات بقراره رقم 253 لعام 1999م وتضمن المشروع المواصفات القياسية لمياه الري واشتمل الباب الرابع على اشتراطات عامة متعلقة باستخدام المياه العادمة لاغراض الري مثل الدلائل النوعية الكيمائية الطبيعية ودرجة الملوحة ودرجة النفاذية والسمية ودلائل المواد والمعادن الثقيلة ويستطرد قحطان مبرزا الاشتراطات التي اوردها المشرع وهي: ـ يحب الحصول على موافقة مسبقة من السلطة المعنية في حال طلب استخدام المياه المعالجة على ان تتضمن نوع المحاصيل المروية وطرق الري لكل نوع. ولا يسمح باستخدام المياه المعالجة لري المزروعات لاغراض التشجير الحراجي واشجار الزينة، وري المحاصيل إلا بعد معالجتها وفق اشتراطات محددة. ـ لا يسمح باستخدام المياه المعالجة لري المزروعات التي تنمو قريبة من سطح الارض، او التي تؤكل مثل الخس ـ الكرنب ـ البنجر ـ الكزبرة ـ البقدونس ـ النعناع ـ الفجل ـ السبانخ ـ الجزر وغيرها إلا بعد معالجتها وقت الاشتراطات المحددة بجداول واضحة ـ يجب على جميع العمال ومتداولي المحاصيل ارتداء الملابس الواقية والاحذية المناسبة في جميع الحقول التي يعاد استعمال المياه العادمة فيها. ينبغي على السلطات العامة احاطة السكان بجميع البرك التي تصرف اليها المياه العادمة ووضع علامات واضحة ومطلية بلون مميز على جميع قنوات ومواسير ومخازن وبرك المياه تحظر استخدامها بدون اذن خاص، ولا يسمح باستخدام تلك المياه للري عن طريق الرش. ويستعرض الدكتور جمال اللوزي الاثر البيئي لاعادة استخدام المياه العادمة في الزراعة مبرزاً في هذا السياق ان لاعادة استخدام المياه العادمة في الزراعة مجموعة من الآثار البيئية الايجابية والسلبية ومن الآثار الايجابية المحافظة على المخزون المائي من الاستنزاف حيث من المعروف ان المحاصيل الزراعية بمختلف انواعها تستنزف كميات كبيرة من المياه تقدر بحوالي 80 ـ 90% من كميات المياه المستخدمة. ومع شح وجود المياه في اليمن فإن ذلك يؤدي الى سرعة نفاد المخزون المائي ولهذا فإن استخدام المياه العادمة من شأنه ان يساعد على المحافظة على المخزون المائي في اليمن لفترة اطول كما سيؤدي ذلك الى التقليل من التلوث للأحواض المائية بسبب تملحها نظراً للسحب الكبير لمياهها خاصة في المناطق الساحلية حيث يؤدي سحب الماء الى التقليل من الضغط والذي يؤدي بدوره الى دخول المياه المالحة واختلاطها بالمياه الحالية والنتيجة تكون تملح الحوض المائي. ومن الآثار الايجابية ان استخدام المياه العادمة يقلل من كمية المياه العادمة المنصرفة الى البيئة وبالتالي التقليل من التلوث البيئي، علاوة على ان ذلك يعمل على تزويد التربة الزراعية بالمواد الضرورية والعناصر الجيدة للتربة كالفسفور والنتروجين والمواد العضوية المهمة للنبات كما انه سيساهم بالتقليل من التصحر حيث سيؤدي استخدام المياه المعالجة الى المحافظة على الغطاء النباتي وبالتالي منع انتشار الرقعة المتصحرة كما انه باقامة الحواجز الخضراء المروية بالمياه المعالجة يمكن وقف زحف الرمال على المناطق الزراعية. مقابل تلك الآثار الايجابية لاعادة استعمال المواد العادمة بعد معالجتها وفق الاشتراطات والضوابط المحددة يسرد الدكتور اللوزي الآثار السلبية وهي انتشار الروائح الكريهة التي تسبب المضايقات للسكان القريبين من البرك الخاصة بتلك المياه وتكاثر العديد من ناقلات المرض حيث يزداد انتشار البعوض ويتكاثر مما يساعد على انتشار مرض الملاريا والامراض الاخرى كالتيفويد وغيرها وايضا من تلك الآثار السلبية تلوث المياه الجوفية، حيث المناطق المروية بالمياه المعالجة توجد فيها العديد من البكتيريا التي قد تتسرب عبر التربة الى المياه الجوفية فتلوثها وتلوث المياه التي قد تؤدي الى ما يسمى باعاقة التربة وفقدان التربة للقدرة على الترشيح وتصبح عندها غير صالحة للزراعة كما ينتج عن استعمال تلك المياه نقص في المحصول بسبب وجود تراكيز عالية في المياه العادمة لبعض العناصر مثل الصوديوم وغيره. ويقول المهندس الزراعي ناصر محمد ناصر انه بالنظر الى مصادر المياه المحدودة في اليمن اصبحت هناك مشكلة عويصة حيث يمكن القول ان ازمات المياه في عدد من المناطق قد بدأت تقلق شرائح متزايدة من السكان وقطاعات التنمية رغم ان نسبة التغطية بخدمات المياه والصرف الصحي لاتزال متدنية وقضية التسابق على مصادر المياه تأخذ اليوم مناحي جادة في ظل ضعف الادارة وعدم اكتمال المعلومات المائية وتضاربها الى درجة ان حالة الوضع المائي في اليمن غير معروفة بالدقة التي تمكن وضع خطط مائية تتوافق مع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا في جانب المصادر المتاحة ولا في جانب الاستخدامات والطلب على المياه ولا تعطي اهمية كافية لفاقد المياه والمعالجات التي تمكن من تطوير وسائل الاستفادة منها وهناك استخدام سيئ في طرق الري يؤدي الى اهدار المياه. على ان الواضح حسب المهندس ناصر ان افاق الطلب على المياه في المستقبل ستزداد من 238 مليون متر مكعب الى 778 مليون متر مكعب بسبب معدل النمو السكاني المرتفع المقدر بحوالي 3.5% ما يعني ان مؤشرات الازمة المائية قائمة على اكثر من مستوى وهذا يتطلب الاستفادة من كل المصادر المتاحة بما فيها المياه المعالجة لغرض الري الزراعي. واشار الى ان التوجه نحو ذلك لا يمكن ان يعالج المشكلة الا بصورة جزئية على انه ينبغي القيام بالكثير والكثير لمواجهة الازمة الفعلية التي يعاني منها البعض في قطاع المياه، واولها ان تتوفر الارادة الفاعلة المدعومة بارادة عليا توحد الطاقات الرسمية والشعبية في بوتقة العمل المشترك على خلفية الاعتراف اولا بأن الوضع المائي خاصة والبيئي عامة خطير فعلاً وان التدخل لوضع المعالجات المناسبة قضية لا تحتمل التأجيل والتسويف والمماحكة البيروقراطية واي معالجة لا تستهدف اعادة تخصيص المياه المستخدمة بالزراعة عبر رفع كفاءة الري لن يكتب لها النجاح وان يشمل ذلك الاهتمام بمياه السيول والفيضانات وتحديد اولويات قطاعية للاستفادة بترشيد استعمال المياه وادخال مياه الصرف الصحي المعالجة حالياً في دورة العرض والطلب على المياه وذلك كبديل للمياه الجوفية المستخدمة في الزراعة ولمحاربة التصحر والمحافظة على النظم الايكولوجية الطبيعية مع اهمية زيادة كمياتها وتحسين نوعياتها والاشراف على كيفية استخدامها لضمان عدم حدوث اضرار جانبية على البيئة او على صحة المزارعين ومستهلكي المحاصيل الزراعية المروية بهذه المياه. ويخلص المتابع لهذه القضية ومن خلال ما خلص اليه المختصون والباحثون ان توجه اليمن للاستفادة من المياه المعالجة امر ليس بالهين والسهل وانما يتطلب ادارة كفؤة وفاعلة وتحديد ضوابط واشتراطات قانونية وتنظيمية للتعامل مع هذه المياه المعالجة وإلا كانت نتائجها عكسية وهو ما يتخوف منه هؤلاء المختصون الذين يرفعون مطالب اصلاح الاطر التنظيمية والتشريعية لاسيما في بلد كثيراً ما يخترق القانون ولا يحترم من قبل المتنفذين والجهلاء. واذا لم يراع مثل هذه الاعتبارات والمحاذير الواردة في دراسات المتخصصين فإن الامال المعقودة على مردودية الاستفادة من المياه المعالجة ستكون دون التطلعات حتى في تحقيق تلك الجزئية البسيطة التي يعول عليها اليمنيون.