امام «الجداف» بالميناء الحر بأبوظبي وقف متأملا السفن الراسية والقوارب التي تنتظر الانطلاق لرحلات الصيد ، ومضى يحدثنا قائلا: هذه المنطقة كانت ومازالت شعلة من النشاط واذا كان «الجداف» اليوم مزدحما بعشرات السفن فقد كانت شواطيء الديرة ايام زمان تشهد انطلاق اعداد كبيرة من المراكب والسفن والمحامل فمن هنا ومن شواطيء دبي والامارات الاخرى انطلقت رحلات التجارة والصيد والغوص تجوب البحار وتطلب الارزاق، فعالم الغوص واللؤلؤ لم يعرف السكون بل كان في حركة دائمة. بهذه العبارات المفعمة بالحنين الى ذكريات ايام زمان بدأ الوالد علي بن عبيد يحكي لنا شريط ذكرياته مع ايام الزمن الجميل الماضية والتي تركت بصماتها على اجيال الامارات، ومضى يقول عالم الغوص واللؤلؤ كان مليئا بالبركة والارزاق وليس كما يعتقد البعض من اجيال اليوم التي نشأت في نعمة المال ورغد العيش فالبركة شيء غيبي من الله عز وجل كانت موجودة لان الجميع كانوا مؤمنين بالله يساعدون بعضهم لا يعرفون الطمع فرغم قلة المال كنا اغنياء بوحدتنا وتماسكنا الاجتماعي، فالفريج كان لا يترك فردا منه بأزمة الا وقف بجواره والجار كان يسأل عن جاره وبروبيات قليلة كنا نأكل ونعيش ونتزوج! وسألناه هل كان هناك نشاط بحري يقوم به اهل الديره بالصيف؟ ويقول نعم فالمغاصات شهدت خروج الكثير من رحلات الغوص ايام الحر و«القيظ»، ويتنهد بعمق مضيفا المغاصات كانت تعب ومخاطر وايضا تعلمنا منها الدروس والعبر فمهنة الغوص وصيد اللؤلؤ من اعرق المهن التي كانت مصدرا للرزق لسكان أبوظبي وامارات الدولة وكانت تذهب للمغاصات سفن كثيرة كما كانت توجد اغلب هذه المغاصات بأبوظبي ودبي. ويضيف عندما كانت سفن الغوص تخرج من رأس الخيمة وام القيوين والفجيرة في طريقها الى مغاصات اللؤلؤ كانت ترسو السفن في ميناء دبي ويشرع البحارة في تجهيز سفنهم بما تحتاجه من الزاد والمؤن وكذلك تزويدها بما يحتاجه البحارة من معدات ولوازم كالحبال وكل هذه التجهيزات كانت تحتاج الى عزائم قوية لرجال اشداء لهم القدرة على الصبر والتحمل وعدم اليأس والبقاء بالمغاصات شهورا بحثا عن اللؤلؤ والارزاق، ويقول لقد كانت المخاطر والمشاق تحيط بمن يعمل في مهنة الغوص فقد كانت مرحلة التحضير لرحلة المشاق والمخاطر، رحلة الغوص، تتطلب جهدا كبيرا وكان موسم عمل الغواصين يبدأ في العادة بالوقت التي تصبح فيه مياه الخليج دافئة ويستمر عملهم لمدة تزيد على اربعة شهور تقريبا حتى دخول فصل الشتاء، وكان تاريخ بدء موسم الغوص يختلف من سنة لاخرى وخاصة اذا دخل شهر رمضان في بداية موسم، الغوص. ففي هذه الحالة يتأخر ذهاب السفن الى عرض البحر حتى انتهاء هذا الشهر الكريم. ويقول كانت الرحلات تمتد من نهاية شهر مايو حتى سبتمبر واثناء هذه الفترة الطويلة التي تقضيها السفن في المغاصات قد تعود بعض سفن الاسطول الى الميناء الذي خرجت منه مرة او مرتين فترة قصيرة للتزود ببعض الحاجيات التي قد يحتاج اليها الغواصون اثناء رحلتهم، كما أن كثيرا من سفن الغوص كانت تتردد على سواحل «دلما» لأخذ مياه الشرب منها، كما كان التحضير لرحلات الغوص ذاتها يتطلب ترتيبات على الشاطيء حيث يجري اعداد «المحمل» وهو المركب المعد لرحلة الغوص حيث يتم دهانه بالصل «زيت الحوت» وغيره من الشحوم والدهانات والزيوت وكذلك يتم اعداد ادوات الغوص وتزويد المركب بأنواع مختلفة من الحبال والاوعية اللازمة والمجاديف كما كان يجري تزويد السفينة بالماء والزاد الكافي لغذاء البحارة على المركب اثناء الرحلة وكان ينتهي كل ذلك عندما يصبح المركب جاهزاً لرحلة الغوص الطويلة سعيا وراء جلب الارزاق. الرجال الاشداء ونستوقف الوالد علي بن عبيد لنسأله كيف كان يتم اختيار طاقم المحمل الذاهب للمغاصات ويبادر بالاجابة قائلا: عندما يتم الاعلان عن قيام رحلة غوص يتقدم الرجال الاشداء الذين يرغبون في المشاركة برحلة الغوص ويوقع معهم النوخذة «بروة» اي عقداً ويعطيهم شيئا من المال لشراء احتياجاتهم واحتياجات اسرهم وذلك بشكل يكفيهم حتى يعود الغواصون من رحلة الغوص وكان اهل الغواصين يجهزون لهم ما سوف يحتاجونه في رحلتهم الطويلة وعندما تحين ساعة الرحيل يرتفع علم اسود كنا نطلق عليه «النوف» وتخرج الديرة كلها الصغار والكبار لوداع هؤلاء الذاهبين الى المغاصات ويدعون لهم بالسلامة والعودة بالرزق الوفير وعادة ما يتكون طاقم المحمل من عشرين غواصا وعشرين اخرين جالسين وعدد مماثل لهم من الرجال يطلق عليهم «سيب» اي مساعد الغواص بالاضافة الى النوخذة ومساعده «المقدمي» ومع اذان الفجر يستيقظ جميع من على ظهر المحمل للصلاة ويتناولون التمر والقهوة ثم تبدأ عملية الغوص بعد شروق الشمس. مخاطر ومتاعب ويقول الوالد علي بن عبيد عن المخاطر والمتاعب التي كانت تواجه الغواص: عندما ينزل الغواص من «المحمل» ويظل على سطح الماء يضع على انفه خطاماً وهو يشبه الملقاط حتى لا يدخل الماء لأنفه ويؤذيه ولدى خروجه من الماء يرفع «الخطام» حتى يستطيع التنفس وعند نزول الغواص الى القاع يربط رجليه بحجر ليسرع به الى القاع ويقوم «السيب» بسحب الحجر بواسطة حبل يسمى الزيبن وهو عبارة عن السلة المصنوعة من حبال «الكمبار» او القطن وبها علقة يضعها الغواص في عنقه ليجمع بها المحار ويكون في هذه الاثناء مربوطا من وسطه بحبل يسمى «الجداء» والسيب يمسك به من الماء وعندما تصله الاشارة يقوم بسحب الغواص وكثيرا كان يتعرض الغواص لانقطاع هذا الحبل وهو في الاعماق فيخرج من البحر غائبا عن الوعي. ويتنهد قائلا: نعم كانت «الهيرات» التي نجلب منها اللؤلؤ عميقة ومهمتنا في البحث عن المحار كانت شاقة خاصة أن الغواص كان يتعرض لمخاطر كثيرة مثل الاختناق في الاعماق والتعرض للاسماك والحيوانات البحرية المؤذية والمفترسة وكثيرا ما كان الغيصه يرون اسماك القرش «الجرجور» في قاع البحر ويلجأون الى حيل كثيرة للهروب من سمك القرش المفترس وبالرغم من هذه المخاطر كان اجر الغواص لا يتعدى روبيات قليلة وكيس رز او سكر وادوات للغوص، ويتساءل هل يستطيع جيل اليوم تحمل مثل ذلك؟ والجواب بالطبع ابدا فأبناء اليوم يرغبون في العيش السهل والراتب الكبير والوصول الى المناصب سريعا دون جهد وعناء، ويستدرك القول وبالطبع هناك ابناء مكافحون في جيل اليوم ولكن للاسف قلة. ويقول بالرغم من قلة الامكانيات ايام زمان فقد استطعنا بناء السفن وتنظيم الرحلات التجارية ووصلنا الى اسيا وافريقيا وعشقنا البحر وصبرنا على اهواله حتى جاء الوالد القائد العظيم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ورعاه فكان نعمة الله لهذا الوطن فمنح ابناءه المواطنين المساكن والمعاشات والمزارع وكل شيء وكان سخيا كريما معهم فأطال الله في عمر سموه وجعله ذخرا لوطنه وامته. حوار : سمير الزعفراني