بعد أن ارتقت الابداعية بخيال الادب الغربي ومشاعره الى أفق جديد حررها من إسار الاتباعية سئم الانسان الاوروبي من الاسترسال، في الجري وراء العواطف النبيلة، وراح يبحث عن أسلوب يشده الى الارض، ويربطه بتكاليف الحياة، فكانت الواقعية. غير ان الواقعية اساءت بعد ان احسنت، وأسوأ ما فعلته انها قصّت جناحي الخيال الفني، وألصقت الادب بالمشكلات اليومية، فأخذ يسير ولا يطير، ويصفّق ولا يحلّق، ويرسم ما يراه البصر، لا ما يتراءى للبصيرة، ويتحسّس ما ينجم عن الأحداث لا ما توحي به العودة الى الطبيعة، ولا ما يفضي اليه الانصهار بنار الألم. ولما كان الخيال والشعور قوادم الادب وخوافيه، لا يرقى الا بهما، فان واقعية الغرب اخفقت اي اخفاق في ارواء الظماء المتعطشين الى الري الروحي. فبزغت الرمزية، وحملت ببزوغها اساطير اليونان والرومان، وأوهام الاحلام، وألغاز المجاز لتروي بسحرها ظمأ الغرب الذي لفحته مادية الانقلاب الصناعي، ولتداوي صداع الرأس الذي خلفته قعقعة الآلات. وبظهورها ظهر نوع من التوازن بين جسد الواقعية وروح الرمزية، فانتسمت النفوس المرهقة بالجري وراء المال، المشتعلة بالتنافس في سبيل الوصول الى المطامح نفحات التخيّل والتأمل، ووجدت في ظلال هذا التوازن ضرباً من التعادلية التي تعيد الى الانسان بعض السكينة. ان ظهور الرمزية في تاريخ الادب الغربي يستند الى عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية، لا يمكن انكارها، او التغافل عن تأثيرها. اما ظهورها في الوطن العربي فلم يكن نتيجة لأسباب، ولا معالجة لمشكلات. وانما حدث على سبيل المحاكاة والتقليد. فالعرب حتى يومنا هذا لم يبلغوا مرحلة التصنيع الثقيل، ولم تصدع رؤوسهم قعقعة الآلات، وكل ما لديهم من الصناعة مصنوعاتها لا مصانعها، وسلعها المستوردة لا عقليتها المبدعة. ولهذا فان اتصالهم بالمادية الصناعية ليس اكثر من احتكاك سطحي، لا يخالط القلب، ولا يعقّد بنية العقل، ولا يحمل الانسان على الضجر من آلية رأسمالية لا يعرف كيف تدور، واذا عرف فمعرفة المراقب لا المتمرس، واذا شارك في بعض الجوانب لم تزد مشاركته على اقراض المال. لقد استوردت ثلة من المثقفين المتأثرين بالادب الغربي رمزية الغرب، ولكنهم لم يستطيعوا ان يستوردوا القراء القادرين على فهم الاساطير، الراغبين في تجرّع الالغاز، فبقيت رمزيتهم بأساطيرها وألغازها وقفاً على فئات قليلة من القراء، وفئات اقل من الكتاب والشعراء، وبقي القراء العرب يؤثرون الوضوح على الغموض، والواقعية على الرمزية، والمعقول على غير المعقول. وكان توفيق الحكيم من الرعيل الاول الذي عايش حضارة الغرب، وعرف كيف يتأثر بها ويؤثر، وعرف ما يأخذ منها وما ينبذ: اخذ منها اقرب الرموز الى العقل العربي، ونبذ من الرموز ابعدها عن الوضوح، والصقها بالاساطير، فلم تنقطع صلته بالقراء، ولم يجرعهم ما يكرهون. وربما كانت مسرحية «مجلس العدل» اجود الامثلة المعبرة عن هذا الاقتباس الواعي المعتدل. خلاصة المسرحية ان خبّازاً نهازاً يتلقى من احد المواطنين إوزة مذبوحة مسلوخة معدة للشي، فيدخلها الفرن. وحينما يأتي صاحبها ليأخذها بعد شيها يجد الوعاء فارغاً، فيسأل الفران عن اوزته، فيقول له: طارت، فيطير عقل صاحبها من المفاجأة، ويذهب بالفران الى القاضي، فيقول له القاضي: الفران على حق، الا تؤمن بأن الله قادر على ان يحيي العظام وهي رميم؟ فيقول صاحب الاوزة: بلى، فيقول القاضي: ايمانك يعني انك تتهم الفران اتهاماً باطلاً. ولهذا حكمت عليك المحكمة بأن تعطي الفران ديناراً تعويضاً عما اتهمته به. فأجاب صاحب الاوزة: انا متنازل عن القضية، فيقول القاضي: تنازلك عن حقك لا يعني تنازل الفران عن حقه، فادفع له ما حكمت به المحكمة، فيدفع الدينار ويمضي، وهو يقول: لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. وقبل ان يخرج الفران من المحكمة يستوقفه مواطن اخر سملت عينه، وهو يصيح: عيني عيني، فقأها هذا الفران. فيقول له القاضي: العين بالعين، فيفرح صاحب العين المسمولة، ويقول: يحيا العدل!! فيجيبه القاضي: على الفران ان يقلع لك عينا وانت تقلع له عيناً، فيقول صاحب العين، وهذه المقلوعة؟ فيقول القاضي: المحكمة تتعامل مع الموجود لا مع المفقود، وتطبق قاعدة العين بالعين على عينك الباقية، واحدى عيني الفران. فيجيبه: انا متنازل عن القضية، فيقول القاضي: لك ان تتنازل ولكن عليك ان تدفع ديناراً لهذا الفران تعويضا عن الاتهام الباطل. فيدفع، ويحوقل، ويمضي. ثم تتعاقب الشكاوى من امرأة حامل ضربها الفران فأسقط حملها، ومن مفجوع قتل الفران اخاه، ومن فلاح تعلق الفران بذنب حماره فقطعه.. وفي كل قضية من هذه القضايا كان الفران يخرج بريئاً، ظافراً بتعويض عما اتهم به. ومحك النقد يعتذر للقاريء، ويقرّ بأن تلخيص المسرحية يفسدها، لان اجمل ما في المسرح الحوار، والتلخيص يحول الحوار الحي الى سرد ميت. ويقر كذلك بأن ظاهر المسرحية اقرب الى الضحالة والسخف، وأشبه بحكاية احداث متكلفة الحبكة. غير ان قراءة النص كما كتبه الحكيم بعين المتدبر تكشف عن جوهر حصيف وراء المظهر السخيف، وعن أبعاد سياسية تحتجب بحجب اجتماعية. والوصول من السطح الرقيق الى الغور العميق لا يكلفك اكثر من كشف الغطاء الرمزي الذي وضعه المؤلف على فوهة البئر، او اكثر من مفتاح صغير، تديره في قفل الباب المغلق، لتلقي المسرحية بين يديك كنوزها الفكرية والفنية، او تمد امامك آفاقها القومية. فالفّران ههنا هو اسرائيل المتمردة على القانون العالمي كله: على أنظمته السياسية، وعلاقاته الدولية، وحقوقه الانسانية. ولهذا فانها كلما ارتكبت جريمة ظفرت بغنيمة، وكلما اعتدت على بريء وجدت من يبرئها ويكافئها. وهذا الوضع اغراها في الطغيان على الجيران، فسرقت ولم تقطع يدها، وسملت ولم تقلع عينها، وقتلت ولم يقم عليها الحد. ولهذا راحت تعربد عربدة الفران. والقاضي ههنا مجلس الامن، ومجلس الامن منذ نصف قرن يسوغ جرائمها، ويغتفر مآثمها، ويبسط عليها ظلال الوصاية، كما بسط القاضي وصايته على الفران، ثم جاوز الوصاية الى الابتزاز، والحماية الى الانتهاز. وراح يحمل جرائم الظالم على ظهور المظلومين، والمظلومون ههنا هم العرب: صاحب الاوزة المسروقة، وذو العين المسمولة، والمفجوع بأخيه، والحبلى الثكلى، وآخرون. ولم يكتف القاضي بتبرئة الجاني، بل كافأه اجزل مكافأة، اذ اعطى القاتل دية المقتول، وما هذه الدنانير التي اخذت تنهال على الفران بعد كل عدوان الا مال العرب المنتهي الى اليهود عن طريق الغرب الذي يشلي الصهيونية على العروبة، فيطيل اظافرها، ويضاعف جرائرها، ويحرضها على ان ترتكب مجازر جديدة. حتى المحاكمات المفضية الى تجريم الصهيونية وتأثيمها كانت ومازالت تنتهي الى اغضاء او الغاء. وهذا التسويغ الدائم لمجازرها اغراها في الاثم والعدوان، فلم يقف طغيانها عند حد. ولماذا تقف او تتردد اذا كانت واثقة بالبراءة اثر كل جراءة، وراجية الغفران بعد كل عدوان، وطامعة في المكافأة بعد كل مناوأة. ومن مآثر الرمزية المقبولة قبولها التفسير اثر التغيير، والتأويل بعد التبديل، والتجدد الموازي للتطور، والمواكبة للاحداث، واليك البيان: حينما كتب الحكيم مسرحيته «مجلس العدل» اراد بمجلس العدل مجلس الامن، لان الصهيونية كانت في حمى الدول الغربية المسيطرة على الامم المتحدة، واليوم اصبحت في حمى دولة واحدة من خمس الدول الكبرى. ولهذا فلابد الان لفهم الرمز من التحول الى الخاص عن العام، ومن القاء الصهيونية المدللة في حجر العم سام. ان الفران لم يتبدل، وان المظلومين العرب لم ينصفوا، والمتغير الوحيد هو القاضي، وهو شريك الفران وصديقه، يشارك الفران في الابتزاز والانتهاز وفي سرقة الامة العربية. وهذه الرمزية المقبولة اثبتت انها قادرة على الاقتراب من افهام القراء مهما ضؤلت حظوظهم من دراسة الادب الرمزي ونقده. ان من يستوعب نشرة اخبار قادر على ان يرسم فوق صدر الفران نجمة داود، وعلى ان يلف رأس القاضي بخرقة فيها خمسون نجماً وبضعة خطوط حمراء، اي: هو قادر على ان يحل الرموز، ويدرك دلالاتها السياسية. وهذا الضرب الواضح من الرمز هو الغذاء الذي تستطيع النفس العربية ان تتمثله، وتحوله من ادب مضحك مبك الى وقود يلهبها بالحمية والنخوة. ولو أخذ ادباؤنا بهذا النمط من الرمز لاقتربوا من الشعب، ولما ابتعدوا عن الفن. اما اصرارهم على الغموض المرفوض فانه يحرمهم شعبية الادب، ويبدد فنهم في دروب الاغتراب والضياع. ويجعلهم من الاخسرين اعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا