في سبتمبر المقبل يقوم المغامر الفرنسي ميشيل فورنير بأول مغامرة قفز من نوعها، حيث يستعد هذا المتهور كما وصفته الاوساط العلمية، الى القفز من مسافة تصل الى 40 ألف متر فوق سطح الارض، اي بالقرب من حافة الفضاء، وبسرعة ستصل في بعض اللحظات الى 1.207 كيلومترات في الساعة، وهي السرعة التي تجعله اول كائن بشري يكسر حاجز الصوت من دون مساعدة من أي آلة. وسيبدأ فورنير رحلته مستخدما منطاداً هوائياً يعد واحداً من أكبر المنطادات الموجودة في العالم حالياً، حيث سيصطحبه هذا المنطاد الى أعلى نقطة وصل اليها قافز في التاريخ، محطماً اخر رقم قياسي من هذا النوع من القفز المسجل باسم المغامر جو كيتنجر عام 1960، حيث قفز هذا المغامر من مسافة 31.334 متراً فوق مستوى سطح البحر ووصلت سرعته اثناء القفز الى 988 كيلومترا في الساعة، اي اقل قليلاً من سرعة الصوت، ودخل بذلك موسوعة جينس للأرقام القياسية. اما فورنير، البالغ من العمر 58 عاما، فيأمل في تحطيم الرقم القياسي ليكتنجر ويقفز من مسافة تزيد اربع مرات عن ارتفاع جبل ايفرست ومرتين عن الارتفاع الذي يمكن ان تصل اليه طائرة الكونكورد. ويرى فورنير ان قفزته تلك والتي لقبت حتى الآن «بالقفزة الفضائية» ستكون لها ايضاً فوائد علمية بجانب الشق المثير والمغامرة الفريدة التي تنطوي عليها على الرغم من حجم التدريب الشاق الذي خاضه فورنير خلال الفترة الطويلة الماضية استعداداً لهذا العمل الاستثنائي الذي يعرض حياته لخطر مؤكد. ويرى فورنير ان قفزته تلك سوف تساعد العلم لا سيما وان العلماء حتى الآن ليس لديهم اي فكرة محددة بشأن مدى تأثير مثل تلك الصدمة الناتجة عن الوجود على هذا الارتفاع الهائل على جسم الانسان. فمنذ 10 اعوام يعكف فورنير وفريقه الطبي على دراسة تأثير مثل ذلك الارتفاع الشاهق على وظائف الانسان العادي، ويعتقد فورنير ان المعلومات وقدر المعرفة الذي سيتم التوصل اليه من خلال هذه القفزة سيساعد كثيراً صناعة سياحة الفضاء المستقبلية، واجراءات الطوارئ اللازم اتخاذها عند تعرض رجال الفضاء الى الخطر. فهذه القفزة، على حد اعتقاده، ستوفر معلومات عن كيفية تفاعل جسم الانسان، بمساعدة معدات تكنولوجيا فائقة التطور، مع الضغط الجوي وكيف تتغير درجة حرارته فالعلماء في حاجة الى ان يعرفوا ما اذا كان هناك آثار جانبية سيعانيها الشخص على المستوى النفسي او التنفسي او مستوى الدورة الدموية اثناء هذه الرحلة التي ستكسر سرعتها حاجز الصوت والتي ستستغرق ست دقائق ستكون هي الاصعب والاكثر خطورة في حياة فورنير على الاطلاق. يريد العلماء ان يعرفوا كذلك مدى شدة صدمة فتح الباراشوت بعد السقوط بهذه السرعة الشديدة والفريدة من نوعها حتى الآن. وعلى الرغم من تفرد العمل الذي سيقوم به فورنير الا ان هناك عالمي فضاء آخرين يأملان في تحطيم الرقم القياسي الذي يبتغي فورنير تحطيمه، وهما الاسترالي رود ميلنسير والاميركي شيريل ستيرنز لكن حتى الآن يبدو ان العالمين متخلفان كثيراً عن فورنير وذلك فيما يتعلق بالتخطيط والاعداد اللوجيستي والدعم المالي، وهما عاملان في غاية الاهمية لانجاح مثل تلك المهمات شبه المستحيلة. على مثل هذا الارتفاع الشاهق، تكون درجة الحرارة حوالي 20 درجة مئوية تحت الصفر، ويحتوي الهواء في مثل هذا الارتفاع على نسبة اكسجين منخفضة جداً ولا يوجد هناك حماية من اي نوع من الاشعاع فوق البنفسجي الصادر عن الشمس ولذلك فإن فورنير اثناء الرحلة سوف يكون داخل ما يشبه التابوت من اجل حمايته من آثار البيئة القاسية المحيطة به وبعد عملية القفز سوف يعتمد على سترته المصنوعة من نوع متطور من القماش يرتديه الطيارون الذين يقودون الطائرات النفاثة على ارتفاعات شاهقة من اجل توفير الحماية اللازمة لاجسادهم. واذا جرى كل شيء كما هو مخطط له، فإن مدة سقوط فورنير سوف تصل الى ست دقائق و25 ثانية، وان سرعته اثناء تلك الفترة ستصل الى 19 كيلومتراً في الدقيقة وكلما اقترب وصوله الى الارض فإن سرعته ستزيد. وقد قام فورنير، الذي كان ضابطاً سابقاً في الجيش الفرنسي، بالقفز 8000 مرة طوال حياته، اكثر من 100 قفزة منها حدثت من على ارتفاعات شاهقة، وذلك بعد ان اصبح القفز واحداً من الرياضات العسكرية في الجيش عام 1964. يقول فورنير: «انني اعشق القفزات الاكثر خطورة والاكثر سرعة والاكثر جرأة». ويعيش فورنير الذي ولد في مدينة تريبان في وسط فرنسا، حالياً بالقرب من مدينة بوردو الفرنسية ويحمل الرقم القياسي الفرنسي في القفز من مسافة 12000 متر وحتى الآن اضطر ان يؤجل على الاقل القيام بمحاولتين للقفز بسبب عدم الاتفاق على نقاط الاقلاع والهبوط مع السلطات الفرنسية وبعد ان فشل في الحصول على موافقة من الحكومة الفرنسية، يخطط فورنير للاقلاع من منطقة بعيدة في البراري الكندية تعرف باسم ساسكاتشيوان. وتنطوي بالطبع محاولة فورنير على قدر كبير من الخطورة لا سيما وان اللذين قاما بالمحاولتين السابقتين لتحطيم الرقم القياسي لكيتنجر لقيا حتفهما ففي عام 1962 قام الكولونيل الروسي بيوتر دولجوف بالقفز من منطاد للجيش الاحمر السوفييتي من ارتفاع 28.642 متراً، وحدث ان فرغت سترته من الضغط الجوي بشكل مفاجئ ولقي حتفه على الفور. وبعد ذلك بأربعة أعوام، قام أحد سائقي الحافلات في نيوجيرسي يدعى نيكولاس بيانتانيرا بثلاث محاولات لتحطيم رقم كيتنجر واثناء محاولته الثالثة، شيء ما حدث له وهو على ارتفاع 14.935 متراً، يعتقد انه راجع الى انه لم يتلق قدراً كافياً من الاكسجين قبل الاقلاع مما ادى الى اصابته بالهياج وقام بخلع خوذته وتم سحبه الى الارض عن طريق جهاز للتحكم عن بعد ولكنه ظل في غيبوبة كاملة حتى مات بعد الحادث بأربعة اشهر. وعلى الرغم من حجم الخطر الكبير المرتبط بهذه العملية والذي ظهر في فشل المحاولات السابقة، فإن فورنير لا يزال واثقاً وتملؤه الرغبة في القيام بهذه القفزة الاستثنائية، معللاً هذه الثقة بأنه اخذ جميع الاحتياطات التي تسبب اهمالها في فشل المحاولات السابقة. ومع توافر الاعداد المناسب لمثل هذا العمل التاريخي، يحتاج فورنير الى تحكم ذهني غير محدود حتى يتجنب ارتكاب اي اخطاء، وقوة جسدية كبيرة حتى يتسنى له الحفاظ على الوضع الصحيح اثناء عملية القفز، لا سيما وانه اذا سقط على الارض بشكل خاطئ فإنه سيفقد الوعي تماماً وسوف يقوم فورنير باستنشاق قدر كبير من الاكسجين النقي طوال اربعة ساعات قبل عملية الاقلاع، حيث يمكن ان يصاب الانسان في مثل هذا الارتفاع بنوع من النوبات يشبه في تأثيره تأثير الكحول على المخ وهو الامر الذي سيصيب الانسان بالكسل والخمول وعدم الاتزان مما يؤدي الى خطر قاتل والوسيلة الوحيدة لتجنب هذه النوبات هو استنشاق قدر كبير من الاكسجين النقي قبل الوصول لمثل تلك الارتفاعات الشاهقة. وعلى الرغم من كل تلك المخاطر، يعتقد فورنير ان مشروعه الذي تكلف 6 ملايين دولار سيكلل بالنجاح وان سبتمبر المقبل سوف يشهد نقلة تاريخية جديدة في تاريخ الفضاء في العالم. حاتم حسين