الجنون هو استنفاد مخزون الحكمة التي، مثل نار قشة، اشد ما تكون التهابا وهي موشكة على الانطفاء، هذا الكلام لا يشبه طبعي، ومع ذلك اكتبه، لست من النوع المسمى «متأمل»، ولم اعد ابدا وصفى بـ «الارضي» شتيمة او انتقاصا مني فأنا غير خجل من طبيعتي. في بعض المرات، حين اقتنع بأن المرء يتشكل بما يحيط به اقول انني تأثرت بنوع دراستي وبمهنتي بعدها ايضا. لا اذكر انني انشغلت جديا يوما بتلك الاسئلة «الكبرى» التي يعطي حسب من يطرحها، البحث فيها للانسان الحق في الادعاء انه «لم يعش غبيا في هذا الوجود». لم افكر ايضا لولا اننا درسناها في مقرر الفلسفة، في معاني الحرية والارادة و«الاشياء» الاخرى التي سرعان ما نسيتها ولم يؤرقني البحث عن معرفة هل الانسان مخير او مسير، ولم اهتم ان كان مسلوب الارادة او مالكها ولم اتمم فيما اذكر عشر صفحات من اي كتاب يبدأ بطرح الاسئلة المهمة؟ مع ذلك هأنذا اكتب عن الحكمة والجنون وربما سأتكلم ايضا عن الجمال وعن جدوى الحياة فهي افكار تعتمل الآن داخلي ربما لن يطول الامر بها طويلا وستزول بعد ان يزول الظرف الذي اعيشه الآن، ولكنني اكتبها حتى ان لم تصبح بعد لحظات الا ذكرى بعيدة مبهمة المعالم. تغيرت هذه المدة الاخيرة! منذ جئت الى هذا المخيم ضمن الفريق الطبي، وانا أشعر بأشياء داخلي تتغير.سبقنا فريق آخر وكان اقل منا عددا نحن السبعة عشر شخصا الآن ضعفهم تقريبا عندما جاؤوا لم يكن احد يقدر فعلا حجم المأساة. «الذين يهربون من المبالغة الى الواقعية يقعون كثيرا في التقزيم» هكذا كتب رئيس الفريق الاول وهو يطلب المدد. طالت مدة الاستجابة ولكنها جاءت على كل حال. اتساءل كيف واجهوا الامور حينها. نحن على كثرتنا النسبية، لا نكاد نقوم الا بالضروري جدا تجاه مئات الحالات التي تقصد ألوان علمنا. الحياة على صعوبتها بدأت تستأنف سيرها، لا احب قول دورتها لانني لا أرغب تصور الحياة تعود الى مثل هذه النقطة ابدا. كان يقابلنا بيت بدورين مهجور ومهدم كليا تقريبا ثم رأيت على احدى نوافذه غسيلا منشورا غمرني نوع من السعادة لم اكن اعرفه. نوع فيه كثير من الوحشية، مثل ذلك الذي يشعر به كما اتصور تائه في غابة واسعة عندما يتغلب بعد صراع مرير شرس على ذئاب هاجمته لتفترسه اتصوره وهو يمسح بظاهر كفه المدمية المرتجفة الدم والعرق من وجهه مجهدا جريحا ولكن سعيدا واقفا يشاهد آخر الذئاب مولية هاربة تتبعها لعناته اللاهثة الفرحة. تماوج الغسيل المنشور مستجيبا للرياح كان هو تلك اللعنات اللاهثة التعبة لكن السعيدة بوحشية. كان «علي عزت» احدى هذه اللعنات ايضا. الحقيقة انني لا اكتب الآن بسببه ومن اجله. وجدته هنا حين جئت اتخذ في البداية مترجما ثم توسعت تلقائيا مجالات عمله فبعد مدة قصيرة من قدومه لم يعد يوجد مكان في المخيم لا تصادفه فيه هو هناك يشرف على توزيع المساعدات وهناك يساعد عجوزا على المشي، وهناك يلاعب الاطفال وهنا يحمل جريح لغم جديد. كان مثل اغلب رجال قومه، طويلا اما نحافته فهي كما هو واضح طارئة فتجاعيد الهزال على خديه وجبهته وجهتي انفه الطويل عميقة لم تتحايل عليها بشرته بعد لإخفائها او الحد منها. كان لايزال يحتفظ بقوته ويردد مشيرا الى شعره الذي بدأ الشيب يكسوه مازلت لم اتجاوز الخامسة والثلاثين بعد وكان ذلك صحيحا. الذين عملوا في المخيمات بعد الحروب او خلالها يعرفون ان الاسرار والحكايات تفقد هنالك غرابتها. اذا كان في المخيم عشرون ألف شخص مقيم ففيه عشرون ألف حكاية كل واحدة منها اتعس من الاخرى. الصحفيون الذين يأتون مرة واحدة لساعة واحدة هم الذين يعثرون في مخزن الحبوب على حبة قمح. لا احد اذن سأل علي عزت عن قصته ولم يروها هو ايضا لأحد فقصته شبيهة بآلاف غيرها. عائلة ممزقة مشتتة بين قتيل وفار وجريح واعتقد حسب معرفتي به انه لم يكن ليرويها لأحد. اكتب من جديد وقد وصلت الى ما كنت الوصول اليه ان الجنون هو استنفاد مخزون الحكمة. كنت عندما اجد وقتا للراحة احب تسلق احدى التلال القريبة منا الآمنة من الالغام. تسلقها يتطلب عشرين دقيقة طويلة ومتعبة قليلا ولكنها تمكن المرء في النهاية من الاشراف على جزء كبير من المدينة والحقول المحيطة بها. ظننتها خالية من الناس اذ لم يستعد الناس بعد حركات الحياة اليومية التي من اترفها التجوال، ولكنني في المرة الاولى التي صعدتها وجدت هناك علي عزت جالسا «يتأمل» اسفلها حقلا اخضر من القمح كان الصمت يلف المكان الواسع المفتوح مع ذلك بدا لي حين تكلم دون الالتفات الي كأنه في بئر: ـ الذي كان حينها يحرث ويزرع رجل مجنون بالتأكيد هل تظنه مازال حيا؟ ظللت صامتا واصل: ـ الانسان مخلوق جدير بالاحترام. اتذكر الان هذه الجملة التي لم تعن لي عندئذ شيئا محددا ولم تدفعني الى سؤاله عن اي انسان يتحدث: عن ذلك الغبي الذي كان يزرع بينما القنابل تنهمر عليه وتأخذ اعز الناس اليه ام عن انسان آخر؟ كأن ما قاله بعد ذلك اجاب عن تساؤلي ولكنني في الحقيقة لم اهتم كثيرا قال: ـ الزراعة زمن الحرب شتيمة للانسان ولكنها شتيمة تقدسه ايضا لمن تظنه كان يزرع؟ لم اجب ربما كان يزرع لانه اعتقد ان الحرب لن تطول ربما لانه بدا له العمل العاقل الوحيد في عالم مجنون ربما لانه لم يجد عملا آخر يقوم به او ربما فكر بأنانية انه سينجو حين يموت الآخرون. حين قام عني قال: ـ لو كنت معه لساعدته. اين كان هو زمن الحرب؟ لم أسأله ولكنني علمت انه كان يدافع مثل غيره عن بلدته التي لا اعلم اين تقع. وفي المرة الاخرى التي لقيته فوق التلة استدار نحوي وابتسم بحرارة. ـ هل رأيت العجوز التي كنت احملها هذا الصباح؟ او مأت بالايجاب: ـ لايمكن ان تتصور مدى تعلقها بالحياة.. احببتها كثيرا.. كانت لا تتوقف عن الابتسام جسمها ضامر كليا كأنه جسم عصفور ولكنها تبتسم فكرت ان لها اسبابا تجعلها تفعل ذلك. تجرأت وسألته. ـ وأنت؟ نظر امامه الى حقل القمح الاخضر. ـ انا آتي الى هنا كل يوم لم لا تحضر انت الا احيانا حين تنظر الى اسفل ستحاول الاجابة على كثير من الاسئلة.. اتعرف فيم افكر؟ في اعادة تلوين الحياة.. اتصور هذا القمح برتقاليا والسماء خضراء والشمس بالالوان السبعة بعدها اغير رأيي واغير الالوان ملايين الاحتمالات تمكنها الالوان. ـ هل انت رسام؟ ـ كنت لكن ليس هذا هو المهم افكر ان الحياة يمكن ان تجمل تبدو لي في بعض الاحيان قبيحة ولكنني اقول ان التعود عليها هو الذي يصورها هكذا احيانا اخرى اقول انها ليست جميلة ولا قبيحة الاشياء المتعلقة بها هي التي تجملها او تقبحها. ـ لم افهم. ـ منذ زمن بعيد كانت الحياة جميلة حينئذ كتبت لزوجتي لم تكن حينها زوجتي انني احببت للحظات نقيق الضفادع كنت في مكان بعيد.. كان الصمت تاما والقمر منيرا وكنت مستلقيا في الخلاء على ظهري واضعا رأسي على كفي اتذكر ذلك جيدا عندما سمعت نقيق الضفادع فكرت انه موسم التزاوج وتذكرت خطيبتي.. في تلك اللحظات احببت نقيق الضفادع.. نقيق الضفادع قبيح أليس كذلك؟ ومع ذلك! ضحكت بالعمق كله الذي تسمح به القلوب التي تعايش الألم يوميا، وضحك هو ايضا ثم سألني: ـ هل تتصور ان لون القمح يمكن ان يكون اجمل من هذا؟ وما رأيك في سماء خضراء؟ اعتقد الآن ان الوانها قبيحة او ليست على الاقل بريئة. رأت فظاعات كثيرة سلبت منها براءتها.. تظن ان هذا القمح بريء؟ ـ بريء من ماذا؟ ادار رأسه الى جهة اخرى، وصمت طويلا ثم قال: ـ الصغار يفقدون براءتهم حين يفهمون اسرار الكبار. في الغد دخل علينا علي عزت في العيادة وهو يحمل العجوز المبتسمة التي احبها بين ذراعيه لم تكن تبتسم حين وضعها على الطاولة امامنا كانت تحدق فيه بينما الدموع تجري من طرفي عينيها وكان هو ايضا يبكي. بعد ذلك بثلاثة او اربعة ايام صعدت التلة ووجدت علي عزت هنالك منهارا كنت قد افتقدته اذ لم يعد موجودا مثل السابق في كل مكان اقصده لم يلتفت الي كانت العجوز قد توفيت في اليوم نفسه الذي حملها فيه الينا في العيادة. ـ بكت العجوز كثيرا في ايامها الاخيرة.. كانت ترفض ان آخذها الى العيادة.. انت لا تعرف ذلك.. لم تعد تتكلم.. ولكنها كانت تفزع حين اهم بحملها في ذلك اليوم حملتها عنوة.. كانت تعاتبني بنظراتها.. أنا متأكد.. لم تكن تريد العيش اكثر.. اصبحت الحياة اقسى من ان ترغب فيها ظللت اتساءل لماذا كانت تبتسم قبل ذلك اذن كنت اظن لها اسبابا تجمل بها الحياة: ربما كانت هي ايضا تريد اعادة تلوين السماء وحقول القمح. كان منهارا ولكنني كنت واثقا من انه سيتماسك مرت عليه دون شك تجارب عديدة من قبل وظل محتفظا بقوته يردد وهو يشير الى شعره الذي بدأ الشيب يغزوه. ـ انا لم اتجاوز الخامسة والثلاثين بعد. شعرت مع ذلك بوجوب ان اقول شيئا ربما فعلت ذلك من اجل نفسي كي اقاوم مثل كل مرة، شعور اليأس والانهيار الذي كان يحدق بي منذ جئت الى هنا في كل لحظة. قلت له: ـ أنت تتحدث بطريقة.. كيف اصفها.. بطريقة لم اعهدها.. اعني لم اكن التفت اليها.. ولكن مادامت تعطيك القوة، والقدرة على التعامل مع الحياة بهدوء فاني اظنها طريقة صحيحة.. الحياة فيها اشياء قبيحة كثيرة.. انت تفكر ان تجملها.. اما انا فأتمنى ان لا يعيش اي انسان في اي مكان تجربة مثل هذه ربما نحن نقول الشيء نفسه بطريقتين مختلفتين انا افهمك قليلا.. ربما لا تصدفني ولكن دعني اقول لك ما فهمته: الجمال هو ما يحرك الاحاسيس الجميلة في قلوبنا حتى صوت الضفادع جميل احيانا اما تلك التي تذكرنا بأشياء اليمة او تثيرها فينا، فمن غير الممكن مهما كانت ان تكون جميلة. قاطعني قائلا: ـ من غير الممكن ان يكون جميلا هذا القمح الممتد الذي رأى صاحبه الذي زرعه اشلاء ممزقة منثورة وسطه والشمس.. والقمر.. والنجوم.. كلها قبيحة، قبيحة. تابعت: ـ جملها!... غير ألوانها!.. ـ أحاول... احاول. لست ادري لماذا انقلبت فجأة ثقتي من انه سيتماسك الى انه انهار نهائيا بعد ذلك لم استغرب حين رأيته يضحك ويعدو مجنونا وسط المخيم وهو يصيح. ـ الحياة جميلة.. وانا سعيد جدا. الجنون يبدأ حين نستنفد مخزون حكمتنا. قاص من الجزائر