تناقضات تركيا الكثيرة تجعل منها بلاد اللامعقول، وعندما تعبر الجبال النائية في اقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من تركيا ربما تسأل عريفا في الجيش يتجه بعيدا لانقاذ اثنين من الغرباء، في ليل حالك مظلم يغطيه المطر الكثيف حول مهمته في هذه النقطة العسكرية البعيدة فيرد عليك باعتزاز انه ينتمي الى وحدة المهام الصعبة التي تشبه اعمالها العذاب وفيما يتحدث باسهاب عن واجباته، يصعب عندئذ معرفة ما اذا كان يضحك او يبكي. لقد ارتكبت المؤسسة الرسمية للجمهورية في انقرة، الكثير من الاخطاء لتشجيعها تنامي التعصب القومي الاعمى بين الاتراك وبالمقابل فشلت في منح الشعب التركي التعليم الكافي والمناسب ولتفضيلها نهج القوة على الديمقراطية وفرضت على مدى عقود على الشعب التركي العزلة ولم يعد من السهل على حلفاء تركيا الغربيين تقبل المعاذير السهلة للسلوك الشمولي والقمعي للشرطة الذي كانت تمارسه خلال الحرب الباردة. ولم يعد المواطن التركي العادي يقبل مثل هذه السياسات. وخلال سنوات طويلة من تحسن الاتصالات طرأ تغير على الاتراك وتخلصوا من نظرة الشك نحو الاجانب واتيح لهم الامتزاج الطبيعي مع العالم الخارجي. لم تعد تركيا ذاك البلد الفقير المحتوى ذاتيا والذي يتسم بانه مجتمع زراعي في عمومه في الحديقة الخلفية لاوروبا كما كان الاعتقاد السائد حتى وقت مبكر من عقد ثمانينيات القرن الماضي. وادى فتح الحدود وانتعاش التجارة الداخلية، اي داخل تركيا نفسها، الى تحول تركيا من بلد غير مهم اقتصاديا الى حارس قوي للجناح الجنوبي الشرقي لحلف شمال الاطلسي. وادى انتهاء الحرب الباردة الى اعادة اسطنبول مركزا ماليا لتركيا فضلا عن الاهمية الجغرافية والتجارية التي كانت تتمتع بها قبل الحرب العالمية الاولى وهو المركز الذي جعل من اسطنبول مركزا للامبراطورية العثمانية لاكثر من ستة قرون. في اعوام التسعينيات من القرن الماضي احتضن الشعب التركي ثورة في المفاهيم مثلها حكم الرئيس الراحل تورجوت اوزال. وفي عقد الثمانينيات، بينما كانت قناة حكومية واحدة تبث البرامج لبضعة ساعات كل ليلة، فان 15 محطة تلفزة قومية ومئات المحطات التلفزيونية المحلية باتت تبث برامجها في اواسط عقد التسعينيات. واصبحت النقاشات العلنية تبث علانية حول موضوعات كانت من المحظورات في السنوات الماضية مثل قضية القومية الكردية ووضع الاسلام في الحياة التركية. لقد تغيرت الحياة اليومية كلها ولم تعد لها صلة بالماضي، كما البنية التحتية للمدن الكبرى. اصبحت اسطنبول تضم عشرات الفنادق خمسة نجوم بعد ان كانت في الماضي تضم فندقين فخمين فقط، وادى الانتعاش الاقتصادي الى التخفيف من الاحتكاكات الاثنية وبقيت في ادنى درجاتها. والواقع ان تركيا الغنية بالتعقيدات السياسية والاثنية تستحق اهتماما اكبر بكثير من المواد ضيقة الأفق التي تتحدث عن الصدامات مع الاكراد او عن انتهاكات حقوق الانسان والازمات الاقتصادية التي غالبا ما تقدم الى القراء بصورة عامة. واذا لم يكن هناك اي اتجاه لتبرير هذه الاحداث بل القفز فوقها لفحص بلاد لا تزال ممسكة براية المجد من جهة ولكنها لاتزال تعيش تاريخا مؤلما، ومن الخطأ الشديد وصف الاتراك بانهم قساة القلوب او متوحشون كما يحلو للبعض وصفهم. ان الشعب التركي الذي كان ضحية لسلسلة متلاحقة من الانقلابات العسكرية بدأ يتعلم تدريجيا كيف يرفع صوته، وبدأت اصوات كثيرة يعلو صوتها في تركيا: بالكردية الاذرية والاليفية فضلا عن العلمانيين والاسلاميين وبات يكشف عن الفساد كما هو سواء على المستوى الاجتماعي او الحكومي بعد ان كان في الماضي يتم خفية وتتم مداراته بعناية. ولا تزال هناك بقع مظلمة خاصة بشأن توقعات الانقلابات العسكرية والارهاب والجريمة المنظمة ولا تزال هناك جماعات ايديولوجية تود ان تفرض افكارها بالقوة. ولكن فسيفساء الشعب التركي كمجموع ينهض بسرعة في الوان جديد وزاهية اكثر، نظرا لان هذا الشعب بدأ ينفض عن نفسه غبار التناسقية واللون الواحد الذي فرضته عليه ورثة مصطفى كمال اتاتورك. جذور متشابكة كل صباح يصطف الطلبة في طول تركيا وعرضها من بطاح ثراسيان الجميلة على الحدود مع اليونان الى المنحدرات الجبلية المتراصة عند حدود العراق مع تركيا. وعلى امتداد الكتل الاسمنتية الهائلة في اسطنبول الى القرى الجميلة المطلة على حوض البحر الابيض المتوسط وفي بلدات هضبة الاناضول القاسية وفي الاكواخ الصغيرة المخبأة في الغابات المطيرة على ساحل البحر الاسود، يرتفع صوت المدرسين عاليا. وعندما يحل الصمت يبدأ طابور الصباح وغالبا بمساعدة مكبرات صوت قديمة وعلى الرغم من ان الاحتفال ليس دينيا رسميا فانه يتضمن التوجيه الايديولوجي للجمهورية التركية التي تأسست عام 1923 على يد مصطفى كمال اتاتورك. ويصرخ الاطفال مرددين بصوت واحد: «انا تركي .. انا مخلص .. انا مجتهد» مهما كان الدور الذي لعبه اجدادهم في فسيفساء تركيا من المجموعات الاثنية والدينية والمهاجرين وتتنوع الشعارات لكن رسالة هي نفسها للصغار الذين سيشكلون مواطني تركيا الحديثة. ويعود الاطفال للهتاف بأعلى صوتهم « يا اتاتورك العظيم اقسم ان اسير بدون تردد على خطى الدرب الذي عبرته تجاه الهدف الذي بينته». ويطل على الطوابير من مكان اشبه بالمحراب تمثال اتاتورك الداكن او الموشى او «ابو الاتراك» وتتراوح تعابير وجهه ما بين الشفقة والحزم غير المتسامح. وينتهي احتفال طابور الصباح وينطلق الطلبة يتدافعون متجهين الى فصولهم ومعظم هؤلاء لا يمتلك اي سبب كي يتحدى الطريقة التي يعلمون بها كاتراك ولا يعرفون اية طريقة اخرى يبدأون بها صباحهم. ويضع الطلبة شعارات على الجدران مثل «الكتاب صديق لا يخدعني ابدا». وفي كتب التاريخ يتدرب الطلبة على تاريخهم واصولهم القومية ويتعرفون على عالم من حولهم يختلف اختلافا كبيرا عن العالم الذي يعلمونه لطفل مسيحي في اوروبا او حتى لاخوانهم المسلمين في الشرق الاوسط. ويتعلم الاتراك انه في فجر تاريخ اجدادهم قادتهم ذئبة رمادية وبدأوا يهاجرون الى الخارج من قلب آسيا الوسطى بعد ان اصبحت اعدادهم تتزايد وضرب الجفاف مناطق رعيهم عند السهوب. ويحكى لهم ان بعضهم قد اجتاز مضيق بيرينغ الى الاميركيتين واصبحوا الهنود الاميركيين. وفي تخريفاته الاخيرة تبنى اتاتورك نفسه عقيدة غريبة عرفت باسم «نظرية الشمس» وصور الاتراك بأنهم اصل جميع الكائنات البشرية. فاجأ اتاتورك صحافياً اميركياً وخاطبه قائلا: «انت في الحقيقة لست اميركيا بل تركي»، وابلغ الصحفي الاميركي في احد الايام في فندق القصر في اسطنبول قائلا: «لقد اكتشف الاتراك اميركا قبل خمسين سنة من اكتشاف كريستوفر كولومبوس لها» وتابع يروي للصحفي كدليل على هذا التأكيد ان جزر الاتراك الكيكوس في منطقة الكاريبي من الواضح ان الاتراك هم الذين اسموها خاصة وان عاصمة هذه الجزر تعرف باسم «جراندتورك». لكن في واقع الامر فان الجزر سميت هكذا لانها تتخذ شكل الطربوش. ولا شك ان اتاتورك لم يكن ليبدي اية دهشة لو اكتشف ان الاتراك العثمانيين وصلوا الى العالم الجديد فقط في سفن محملة بالمساجين الذين افرغوا في اميركا اللاتينية ومازالوا يسمون انفسهم. «ميلونجانز» او «الارواح الملعونة». وبصرف النظر عن هذه المزاعم التي يصعب التحقق منها فالحقيقة هي ان الشعوب التي تتحدث اكثر من 18 لغة لها صلة باللغة التركية لا تزال تستوطن ليس فقط اسيا الوسطى بل مناطق سيبيريا الشرقية مثل ياكوثيا. ويعد المغول ابناء عمومة الاتراك وحتى اللغات التركية والكورية واليابانية تمتلك تشابها غريبا وتتقاسم الاعراب القواعدي الذي يجعل التركي والياباني يتعلم كل منهما لغة الآخر ببساطة. وما يلفت الانتباه ان جوهر الاثنية التركية في الايديولوجية الجمهورية هو ان الاتراك هم «عرق بطل» وهو يدخل في صميم النشيد الوطني التركي الذي يردده اطفال المدارس الاتراك في كل صباح. ويضفي الاتراك الاوائل على انفسهم مجدا عسكريا كبيرا. ففي القرن السادس بعد الميلاد نجح احد خانات (ملوك) الاتراك بغزو العاصمة الصينية كما تمكن «الهون البيض» الاتراك من غزو شمال غرب القارة الهندية وفي الوقت ذاته وصل الاتراك الى تلال شامبين في الغرب الاوروبي وتصف الكتب التركية الرجل الذي قاد الحملة بانه البطل التركي الاول: اتيلا المعروف عند الغرب بأتيلا الهوني. ويتعلم الاطفال ان اتيلا كان دبلوماسيا موهوبا وفي لهجة مماثلة لتلك التي تستخدم من قبل تركيا في طموحها للدخول في عضوية كاملة في الاتحاد الاوروبي، توضح كتب الدراسة التركية ان اتيلا لم يعتبر الرومان اعداء بل كان ينتظرهم حتى يقبلوه. ومن وجهة النظر التركية فان القبائل التركية التي هاجمت من الشرق حضرت وحسنت من وضع الشعوب البدائية التي وجدتها في طريقها اثناء الاندفاع الى داخل اوروبا. لقد جعل شظف الحياة في السهوب من الاتراك سريعي الحركة ذوي بصر حاد ونشيطين وملتزمين بالنظام. وفوق كل شيء فإن حرفتهم العسكرية لا ينافسها احد. وبلغة خطابية يؤكد المدرسون وهم يقرأون من كتب تنشرها قيادة الاركان التركية، ان «الاتراك بدون ادنى شك هم الشعب الذي منح الفن العسكري المكانة الاعلى بين الحضارات في العالم فالنساء والرجال وكل تركي يتأهب دائما للحرب». المجد العثماني والسقوط «لقد هزمنا لتخلفنا وحتى ننتقم لابد ان نتبنى طرق واساليب عدونا نتعلم مهاراته ونسرق اساليبه». (ضياء طالب 1876 ـ 1924). قسمة 55 اسم الفندق الذي اختارته صاحبته، ويعني النصيب، عن قصد ويقع في منتجع ساحلي على شواطيء بحر ايجة قرب بلدة كوشاداسي. وفي جمهورية المساواة بين بني البشر تعرف صاحبة الفندق باسم حميراء أوزباشي. لكن بالنسبة لصديقاتها واقاربها فهي حميراء سلطان او الاميرة حميراء سليلة الاسرة العثمانية وهي اليوم تعيش على التراب التركي. وتتسم قصتها بالغرابة بالنسبة لمسيرة واحداث القرون الستة التي كانت اسرتها الملكية العثمانية تمسك بأقدار الاتراك وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت الاسرة المالكة العثمانية اقوى قوة على الارض. وبكل كبريائها واناقتها الارستقراطية وانفها المدبب الذي ورثته عن اجدادها تمتنع الاميرة حميراء عن اثارة اي جدل حول مصيرها. لقد شيدت منزلها الرائع على حافة خليج كوشاداسي في منطقة خلابة مزدانة بأشجار الياسمين وشجيرات الغار. وتسجل الصور الفوتغرافية التي تزين ردهات الفندق، زيارات قامت بها اسر ملكية من اوروبا، لقد توجت الاميرة حميراء نفسها ملكة لمجد مملكتها الخاصة بها، ومن عادتها الجلوس على طاولتها على الشرفة الخارجية في الامسيات الصيفية، وتجدها سيدة بارعة في اضفاء البهجة على نفوس افراد من العائلة المالكة غربت عنهم الشمس وباتوا في الشوط الاخير من حياتهم واحيانا يأتيها السفراء وحتى ضباط الجيش الكبار ومعلقو الصحف البارزة. لقد عمل الزمن على محو الشكوك القديمة للجمهوريين بنوايا الاسرة المالكة وازالت المرارة من نفوس افراد الاسرة العثمانية ذاتها. وباتت المجلات المصقولة جيدا تنشر الذكريات الجميلة للمرحلة العثمانية، وبدأت السينما وشبكات التلفزة والمجلات الاكاديمية تكيل المديح للحقبة العثمانية وبدأت انواع جديدة من الزيتون الاسود وحتى درجات متنوعة منه بالظهور تنتجها طبقات صاعدة من ابناء البلاط العثماني. وعلى الرغم من مرور سنوات على الاطاحة بالعرش العثماني فان حميراء لم تنس قط حجم المعاناة الكبيرة التي مرت بها اسرتها لقد كان جدها محمد وحيد الدين السلطان السادس والثلاثين وآخر سلاطين بني عثمان وهو الحاكم الذي تم ترحيله على سفينة حربية بريطانية بعد 17 يوما من الغاء نظام الخلافة الاسلامية في الاول من نوفمبر 1922. وشهد السلطان عبد الحميد الثاني آخر الخلفاء العثمانيين انتهاء الحكم العثماني في الثالث من مارس 1924. ومنح باقي العثمانيين يوما او يومين للمغادرة على متن قطار الشرق السريع من المحطة الكبرى في سيركجي في اسطنبول. تقول حميراء كنت لا اتجاوز السادسة من عمري عندما نقلنا الى المطار اتذكر ابناء عمي الصغار وهم يجرون في الردهات ومربيتي الافريقية الطيبة وهي تقف على النافذة وتبكي وهي تردد «ماذا افعل؟ ماذا افعل؟» رحلت السلطات الجمهورية الجديدة 144 من افراد العائلة المالكة «هانيران» تتكون من اطفال واحفاد السلاطين واخذ كل واحد منهم الفي جنيه استرليني وجوازات سفر صالحة للمغادرة فقط. وتمت مصادرة املاك العائلة المالكة وتعقيد مبيعات الممتلكات الخاصة بها. واضطرت العائلة المالكة الى رهن مقاديرها في ايدي محامين غير امناء والى خدمهم والى طبيب اسنان اصبح الشخصية الابرز في صفقات المزاد، وعزز دمار هذه الاسرة المالكة الخلافات بين افراد الاسرة. حتى وحيد الدين وعبد المجيد الثاني اختلفا حتى النهاية حول من هو الخليفة الحقيقي، ولم يمض وقت قصير حتى كانت الاسرة المالكة قد تشتت في عدد من عواصم العالم بينها بيروت والقاهرة. ولم تعد الاميرات اميرات حيث بدأن يطهين بأنفسهن لاول مرة وبعضهن اضطررن للعمل، وتدريجيا باع افراد الاسرة المالكة المجوهرات وحتى اختام الاسرة المالكة، حتى ان واحدة من احفاد السلطان اضطرت لارسال خادمتها الافريقية للتسول في الشوارع لجمع المال لها حتى لا تموت جوعا. وبدأ الذكور من ابناء العائلة المالكة يبحثون عن اعمال، وكان غالبيتهم جنودا في الجيش العثماني، وغالبيتهم عملوا صباغين وحمالين ونساخين للخط العربي وفشلت كل محاولاتهم لاستعادة املاك السلطان عبد الحميد الثاني التي قيل انها بلغت 10 آلاف موزعة في بلدان عديدة. وعانوا جميعهم من نضوب المال، وتوفي وحيد الدين جد حميراء عام 1926 وتحت وسادته وصفات طبية لم يتمكن من شراء ادويتها وبقي جثمانه مسجى في قاعة منزله في سان ريمو لان سائس خيوله تجاهل دفع الديون التي كان يجب تصفيتها قبل ان يتمكن احد من دفنه، وبيع المزيد من المجوهرات وتم استجداء المال من ملك العراق وامير الحجاز لارساله لدفع مراسم دفن اخر خلفاء بني عثمان. ولم يكن معظم العثمانيين محظوظين مثل حميراء بالعودة الى تركيا واضطر بعض الذكور الى العمل على متن سفن تركية للحديث الى ابناء وطنهم والقاء نظرة على ارض الوطن من بعد الى ان تم صدور عفو رسمي لعودتهم الى الوطن عام 1974 في العيد الخمسين لقيام الجمهورية. لقد انهار النظام القديم ولكن لم يكن الاتراك والمسلمون هم الضحايا فقط بل تلك الشعوب التي شجعتها القوى الغربية على التمرد للايقاع بالعثمانيين واضعاف قوتهم وتقسيم الامبراطورية وهؤلاء تخلت عنهم تلك القوى وهجرتهم في الساعات الحاسمة وهؤلاء الضحايا هم: اليونان والارمن. أتاتورك القائد الخالد في صبيحة يوم شتائي قارس البرودة في نوفمبر العام 1994 كانت حركة السير تتدفق سريعة في كل الاتجاهات على طريق رئيسي في اسطنبول وعلى حين غرة اندفع رجل مرور الى وسط الشارع وهو يطلق زعيق صافرته طالبا من السيارات والعربات الكبيرة التوقف وتوقفت العربات من حوله محدثة ضجيجا كبيرا صادرا عن فرامل السيارات الصغيرة والشاحنات ولحسن الحظ لم يصب احد بأذى وانطلقت صافرات الانذار مولولة نابعة من بعد. لقد كان ذاك اليوم العاشر من نوفمبر الذي صادف يوم وفاة مصطفى اتاتورك، وهو موعد تحيي ذكراه كل انحاء تركيا في الساعة التاسعة وخمس دقائق لقد كان الاجراء الانتحاري الذي قام به الشرطي ايماءة تعني الحفاظ على ذكرى اتاتورك الزعيم الخالد حية في الاذهان. وحتى الاشخاص الذين في بيوتهم يقفون خاشعين أمام شاشات التلفزة تخليداً لذكرى أبو الأتراك. وتحتوي كل مدينة تركية على متحف لأتاتورك حيث تعرض مقتنياته الشخصية مثل البيجامات الحريرية وأحذيته المصنوعة صناعة جميلة لقدميه النحيلتين وبزاته التي خاطها له أفضل الخياطين اليونان والأرمن ويفتخر واحد من ابناء اصدقائه الحميمين انه لايزال يحتفظ بعقب آخر سيجارة دخنها أتاتورك. لقد ظهر أتاتورك في الوقت الذي كان فيه الاتراك قد فقدوا ثقتهم بأنفسهم بعد ان انهارت الدولة العثمانية المسماة برجل أوروبا المريض. وتبنى النظام الجديد التقويم الغربي بما فيه ذلك النهج المسيحي لقبل الميلاد وبعده. ويعرض التاريخ التركي الحديث غالباً على العامة مقسماً الى الحقبة الجمهورية ما قبل وبعد أتاتورك. وبصرف النظر عن بعض اللحظات المجيدة مثل فتح القسطنطينية في العام 1453 فإن الكماليين القدامى (الحرس القديم) ينظرون الى الماضي العثماني والاسلامي كعصر ظلام. ولكن بالنسبة للمحايدين فإن تركيا الجمهورية وخاصة جمعية الاتحاد والترقي القومية قد تبدو كثيرا كمولود أنجب من رحم الامبراطورية العثمانية. لكن بالنسبة للصادقين من المؤمنين بالكمالية فإن ثورة أتاتورك هي مقدمة لعصر تنوير ولحقبة جديدة في حياة تركيا العصرية. دفع العثمانيون ثمن هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى واحتل الحلفاء اسطنبول وباتوا مستعدين لتقسيم البلاد فيما بينهم. وكتب خالد أديب، مشيرا الى الظلم الفادح الذي تعرض له الاتراك عندما رأوا الامتيازات الجديدة تمنح للأقليات المسيحية تحت غطاء القوات الغربية. وبدأ المشهد المثير للشفقة من الشارع. فعلى سبيل المثال كان يسمح للمرأة المسيحية ان تسافر أو تنتقل في الدرجة الأولى وهي تحمل تذكرة الدرجة الثانية اثناء عبورها بالسفينة البوسفور. عندما وصل كمال أتاتورك على متن السفينة باندرما الى مدينة سامسون على شاطيء البحر الأسود في التاسع عشر من مايو 1919، وقد أصبح عيداً وطنياً فيما بعد، كانت الجماعات القومية قد بدأت المقاومة المسلحة ضد القوات الغربية وضد السلطان الضعيف الذي سمح لامبراطوريته بأن تغرق الى هذا الحضيض من الضعف. ولكن لايزال الغموض يلف تعيين الجنرال مصطفى كمال قائداً للفيلق التاسع في الجيش التركي. ويقال ان السلطان وحيد الدين الذي كان يخشى العمل ضد قوات الاحتلال علانية منح مصطفى كمال بركته ورضاه في الخفاء وتؤكد الأميرة حميراء أوزباشي على ذلك. إن ما يمكن التأكد منه ان مصطفى كمال لم يكن وحيداً في قيادة الأتراك ضد الحلفاء. ويذكر الكاتب الراحل جمال قوطاي ان «خمسة رجال شرعوا في حرب التحرير: علي فؤاد جيبيسوي وكاظم قرة بكير ومصطفى كمال ورؤوف أوربية ورفعت بيلي». وعندما وصل كمال أتاتورك الى سامسون لم يكن معه سوى 31 رجلاً وهي قوة عسكرية لا قيمة لها. ولكن القوة الحقيقية في الأناضول كانت تحت امرة علي فؤاد الذي استطاع ترميم ما تبقى من الفيلق العشرين وكاظم قره بكير الذي استطاع اعادة تجميع الفيلق الخامس عشر في أرضروم. وأدى هجوم اليونان على ازمير وقيام انتفاضة مسلحة أرضية لاقامة دولة مستقلة في الاقليم الشرقي من تركيا الى اذكاء نار الحماس في صفوف الاتراك الذين شعروا آنذاك بالاهانة وحشدوا قواهم لمحاربة الاجانب الذين بدأوا في شن معاركهم في كل الاتجاهات. معاهدة سيفر اختار السلطان وحيد الدين ألا يقاوم الحلفاء، ففي العاشر من أغسطس 1920 وقع ممثلوه معاهدة سيفر، وهي وثيقة ترقى الى اعلان حكم اعدام الامبراطورية العثمانية، ووفقاً للاتفاقية يتم تجزئة تركيا واقتطاع جزء منها لاقامة جمهورية أرمنية مستقلة في الشرق ومنطقة حكم ذاتي للأكراد في الجنوب الشرقي. كما يقسم باقي البلد ما بين فرنسا وايطاليا واليونان. وينزع السلاح من المضائق واسطنبول وتوضعان تحت الوصاية الدولية. والحقيقة ان المعاهدة لم تتم المصادقة عليها أو تنفذ ولكنها بقيت مغروسة في عمق الذاكرة التركية. وبينت تفاصيلها نوايا «القوى الغربية» وهي حصار تركيا في بقعة جغرافية صغيرة وتحديداً في كانتون شمالي صغير وصعب يقع في الاناضول. ولاتزال اتفاقية سيفر تدق ناقوس الخطر وتحشد ارتياب القوميين الأتراك الذين يؤمنون ان الاوروبيين لم يتخلوا بعد عن خططهم في تجزئة تركيا المعاصرة. وفي رأيهم فإن هذه الاجندة توضح أسباب دعم الاوروبيين للأكراد في سعيهم للحصول على حقوق أكبر والأرمنيين في دعواهم للحصول على اعتذار تركي عن الأعمال الوحشية التي ارتكبت ضدهم ما بين 1890 و1918. طالما كانت مضائق البوسفور والدردنيل مطمحاً روسياً وعليها قامت الحرب بين الجيشين التركي والقيصري، ولكن المستغرب ان تكون روسيا هي أول قوى أجنبية تمد يد المساعدة لأنقرة عند ولادة الجمهورية. فقد أرسل لينين بالأموال الى مصطفى كمال وكذلك الدعم المعنوي للثورة التركية. وعندما أصدرت الحكومة الكمالية خطة السنوات الخمس الأولى (1934 ـ 1939) أقرضت موسكو أنقرة 8 ملايين دولار ذهباً بدون أية فوائد. وعلى الرغم من هذا الكرم وايماءة الصداقة ظل التنافس بين البلدين قائماً. وعندما تعرض البيت الابيض في موسكو للقصف في أغسطس عام 1991 في المحاولة الانقلابية ضد ميخائيل غورباتشوف التي جلبت بوريس يلتسين لاحقاً الى السلطة تم تكليف مقاولين أتراك لاعادة البناء. وعندما طرحت عملية اعادة بناء العاصمة الشيشانية غروزني على المناقصة، فازت شركة مقاولات تركية بالمناقصة. كما ان منطقة واسعة من اسطنبول يشغلها الآن تجار من المعسكر الشرقي السابق ويعمل في مشاريع البناء الروسية 30 ألف تركي يبنون المطارات والمستشفيات والمشروعات السكنية. وانتعشت المدن الواقعة على البحر الأسود، حيث يؤمها الآلاف من السياح القادمين من الاتحاد السوفييتي السابق عندما كان عصمت اينونو يثير جدلاً حول قضية الاستقلال الجديد لبلاده في لوزان (وكان انتخب حديثاً رئيساً لتركيا بعد وفاة أتاتورك) اعتبرت روسيا ذلك تهديداً خطيراً. وفي عيون الحلفاء فإن النظام الجديد في تركيا والاتحاد السوفييتي كانا يشكلان جبهة واحدة، وبناء عليه وقف الغرب ضد توحيد البلقان أو اقامة اتحاد بلقاني. وكان الاتحاد السوفييتي أول من اعترف بالجمهورية التركية على الرغم من قمع أتاتورك للشيوعيين في بلاده، فإن ايديولوجية هيمنة الدولة التي هي في طور النشأة أثارت آمال موسكو في كسب تركيا لجانبها في النهاية. وقال عصمت اينونو في حديث أدلى به للصحافي الفرنسي بيرت جورج جوليس ان الروس لن ينسوا طموحاتهم للهيمنة على المضائق التركية، وجاء في حديثه: «ان معسكر البلقان الغربي يبين لنا مخاطر المستقبل. ان اسطنبول وثريس ليستا المشكلة الأساسية بل ان الاناضول والكيانات الآسيوية التركية هي اكثر المسائل أهمية، إنها تحالفاتنا هناك، انهم سيديرون الصراع وهم ينهجون ذلك الآن ضد روسيا التي ستتحالف مع انجلترا ضدنا يوما ما وينبغي التغلب على هذا التحالف واللعب على عامل الزمن، وقبل كل شيء ينبغي علينا انقاذ وضعنا في آسيا وعلاقاتنا مع العالم الاسلامي». وصدق حدس اينونو حيث تحالف الروس مع الانجليز في الحرب العالمية الثانية وقدم تشرشل لستالين تفاصيل الدفاعات التركية على طاولة عشاء في الكرملين وبضمان قيام موسكو بالحصول على درجة من امكانية الدخول الى المياه الدافئة عبر المضائق. في نهاية 1945 بات واضحاً في الدوائر الدبلوماسية ان السوفييت كانوا ينوون تحويل تركيا الى دولة تابعة، كما فعلوا بأقطار البلقان. ولعل من أهم الشخصيات وأكثرها غرابة من قاطني فندق بارك هوتيل هو جورج ايرل الثالث الذي أرسل الى اسطنبول بعد ان شغل منصب سفير في بلغاريا، وقد كتب الى الرئيس الاميركي ترومان، وكان صديقه الشخصي لتحذيره بأن: «المشكلة الأهم والأكثر صعوبة التي ستواجهها أوروبا في فترة ما بعد الحرب ستكون روسيا. ولعل روسيا الآن تحظى بشعبية في أميركا وانجلترا بعد ثلاثين يوماً من نهاية الحرب، لكنها ستصبح بلا شعبية ليس بسبب الشيوعية بل الامبريالية الروسية». هذه الكلمات ما لبثت ان ترددت على شفاه دبلوماسيين اميركيين دفاعاً عن دول وسط آسيا التركية التي كانت موسكو لاتزال تحاول إحكام الخناق عليها حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه. بعد انتهاء الحرب الثانية وغزو السوفييت لأذربيجان تعزز الدور التركي وظهر ما يسمى «مبدأ ترومان» وهو قرار أميركي «بدعم الشعوب الحرة التي تقاوم الاخضاع بالقوة المسلحة من قبل ضغوط خارجية». ووصف مبدأ «ترومان» تركيا بأنها «مهمة وجوهرية بالنسبة للحفاظ على النظام في الشرق الأوسط» ووعدت الإدارة الاميركية كلا من تركيا واليونان بتوفير المساعدات. وفي اغسطس من العام 1946 صدرت مذكرة اميركية اعترفت بأن موسكو تسعى إلى السيطرة على تركيا «وما ان يتم لها ذلك سيستحيل منعها من الهيمنة على الشرق الأدنى والاوسط. ولم يخف الاميركيون الاهمية الاستراتيجية لمضائق البوسفور والدردنيل». وأكدت وثيقة عسكرية اميركية لاحقة ان «تركيا اهم عامل عسكري في شرق المتوسط والشرق الاوسط». الثورة الاوزالية سجلت مرحلة الانقلابات العسكرية ضد الحكومات المدنية بداية انشغال الغرب، وحتى استثناء قضايا كثيرة، بملف حقوق الانسان في تركيا. وفي الاول من يوليو 1982 اتخذت خمس دول اوروبية خطوة غير مسبوقة بتكليف لجنة حقوق انسان ببحث سجل تركيا في حقوق الانسان. واوقف البرلمان الاوروبي جميع دعمه المالي واشترط عودة الديمقراطية وبعد اكثر من عشر سنوات وأربعة انتخابات عامة كان الحظر على المساعدات لا يزال مفروضاً. والواقع انه مع وجود نظام سياسي هش جعل من المستحيل تحديث أي مرفق قانوني له صلة بقضايا مثل الاكراد والاسلام وحرية التعبير وحرية العمل السياسي. ووصف بولنت اجاويد الانقلابات بأنها ردود فعل سلبية «فالعسكر لا يثقون بوعي الناس ولذلك فهم فرضوا دستوراً يغلق في الغالب كل الابواب امام المشاركة النشطة للجماهير او المجموعات المنظمة في العمل السياسي. فهم يمنعون الاحزاب من التعاون مع الجمعيات الاسلامية والخيرية والاتحادات العمالية والمؤسسات. وهم بذلك يمنعون تفعيل الديمقراطية بالصورة المناسبة. ونحن الآن ندفع الثمن». في ظل كل ذلك اراد العسكر اعادة الاسلام بالصورة التي يرونها مناسبة عبر المؤسسات الحكومية لكن في اواخر عقد التسعينيات كانت الاصولية الاسلامية قد ازدهرت شعبيتها وباتت ظاهرة تخيف العسكر. وباتت مدارس ما يسمى «الخطيب الامام» ظاهرة منتشرة بقوة. ولم تخف المجموعات الإسلامية ان الاسلام ايضاً قوة سياسية. تعد مرحلة تولي تورجوت اوزال للحكم في تركيا مهمة للغاية فهذا الرجل الاناضولي كان يتمتع بدينامية ويجمع الكثير من المتناقضات، لكن فترة حكمه شهدت تسارعاً يقطع الانفاس في كل الميادين وادى ذلك الى تغييرات جعلت تركيا تخوض ثورة على كافة المستويات خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات. واوزال المدفون حالياً بجوار قبر رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس خارج اسوار اسطنبول القديمة كان يعترف دائماً بأنه تجاوز كل القوالب الجامدة التي كانت مفروضة متجاوزاً لمواقف هيمنة الدولة الكمالية التقليدية على التجارة والمرافق المالية وعلى وسائل الاعلام وعمم ايديولوجية جديدة للسوق والتجارة العالمية وحطم محظورات خاصة بالجيش والاسلام والاكراد وبات اوزال الشخصية السياسية التركية الاكثر شعبية ونفوذاً منذ اتاتورك. ولكن كما اتاتورك فإن موته المفاجيء عام 1993 ترك الثورة في منتصف الطريق. وفي ابريل 1987 تقدم اوزال بطلب للحصول على عضوية تركيا في السوق الأوروبية مخالفاً بذلك نصائح كل سفير في انقرة!! النسيج الاسلامي التركي بدأ الاسلام السياسي يدق ابواب العسكر والقوميين بقوة وهو يندفع بشعبية متصاعدة على يد نجم الدين اربكان الذي قاد حزب الرفاه الاسلامي ليصبح الحزب الاكثر تنظيماً وانضباطية في اعوام التسعينيات. وفي اعين الكثيرين من الاتراك فإن اربكان لديه نوايا بتحطيم جوهر الجمهورية العلمانية المعاصرة التي اقر دعائمها اتاتورك. والواقع فإن الاسلام بقي اكبر مسألة مثار انقسام في الجمهورية التركية منذ انشائها عام 1923، وبقي هذا الانقسام شديداً واعمق من القضية الكردية القومية. ولم يخف الكماليون وورثتهم ازدراءهم لاهالي القرى والارياف الذي بقوا متشبثين بقوة بعقيدتهم الاسلامية. وفي رأي هؤلاء العلمانيين ان تكون متديناً يعني ان تكون متخلفاً وهكذا تعمق الصراع بين كل ما هو إسلامي وعلماني وغالباً ما وصفه العلمانيون بأنه صراع بين الحداثة والرجعية والتخلف والتنوير والظلامية. ورغم محاولة الكماليين تقويض كل ما له صلة بالاسلام بدءاً من الغاء نظام الخلافة فقد واجهوا معارضة شديدة وليس ادل على ذلك سوى التظاهرة العارمة التي شهدتها بلدة مينيمين الواقعة على بحر ايجة حيث طالب المتظاهرون بعودة الحجاب وامسكوا خلال ذلك بضابط يدعى قوبليه اثناء محاولته فض التظاهرة وقطع المتظاهرون رأسه. ويعتقد الأوروبيون انه لا يمكن ان يكون بلد يدفع رواتب 60 الف امام وخطيب مسجد علمانيا ولا يخفي الأوروبيون مخاوفهم في ان تتحول تركيا إلى بلد اصولي خاصة وان اعداد العلمانيين محدودة بعد ان فشلت الكمالية في تعميم العلمانية على كل تركيا. وبصرف النظر عن حزب الرفاه الإسلامي فإن حزبا مثل الوطن الام القومي يحتوي على مكونات إسلامية قوية. وفي اطار الحل النهائي للصراع الكردي، يعد الاسلاميون صراحة بأن برنامجهم المستقبلي ينص على منح الاكراد حرياتهم الثقافية. وفي عيون الإسلاميين فإن هناك امكانية حقيقية لتوحيد الاكراد والاتراك تحت راية الإسلام. وفي اطار هذا الحراك وفي بلد يشكل فيه المسلمون 99% من السكان تظل الحكومات التركية المتعاقبة عاجزة عن اقامة سلام مع هويتها الإسلامية. وفي اطار الصراعات الداخلية، التي قد تنبيء بمخاوف احياناً، فإن القوات المسلحة التركية لا تزال تشكل المؤسسة الوحيدة الاكثر ثقة بين المواطنين العاديين في الشارع التركي!!