حي «القلعة» الذي يحمل اسم رمز تاريخي هام في منظومة مصر الثقافية وهو «قلعة صلاح الدين» بما تمثله في شموخها من إنتصار العرب على الصليبيين وإسترداد الناصر لـ «القدس»، تحولت إلى أحد أشهر الأحياء الشعبية بمدينة القاهرة رغم ان أن صاحب القلعة كان أول من شجع الناس على سكنى المدينة بعد أن كانت للخاصة. ولكن المنطقة تعرضت الى هجمة شرسة من العشوائيات التي بدأت الدولة تدريجيا في القضاء عليها والإلتفات إلى هذا الحي الذي يمثل بوتقة إنصهرت فيها عصور التاريخ الأخشيدي والطولوني والأيوبي والمملوكي أيضا. ويذكر التاريخ ان الوهن قد أدرك دولة الفاطميين أواخر أيامها منذ عهد الشدة العظمى في عهد الخليفة المستنصر وانهارت الدولة تماما عام 567هـ ـ 1171م وقامت على أنقاضها الدولة الأيوبية التي شيدها صلاح الدين يوسف بن أيوب ولما كان صلاح الدين يدين بالمذهب السني وينقم على نظيره الشيعي، فقد آل على نفس أن يطمس سلطانهم لذلك لم يبق على قصورهم وأهمل مدينتهم ومع هذا، لم يفكر في إنشاء عاصمة جديدة بل عمل على توحيد العواصم الأربع القديمة وكما يقول شحاته عيسي إبراهيم في كتابه «القاهرة» إن صلاح الدين هو الذي وضع أساس القاهرة الحالية ومهد لها كي تصبح أكبر مدينة في الشرق. وقد شجع صلاح الدين أفراد الشعب على سكنى القاهرة وإقامة المنازل فيها، ولما كان صلاح الدين دائم التنقل بين القاهرة والشام للإشراف على أعماله الحربية ضد الصليبيين فقد أوكل إلى وزيره «أبو سعيد قراقوش» إنفاذ خططه. ولم يكتمل بناء القلعة التي أرادها صلاح الدين إلا بعد 6 سنوات من البدء في تأسيسها وبعد وفاته وقد تمت في عهد الملك الكامل وقد استعمل لبنائها أحجار بعض الأهرام الصغيرة في الجيزة ولم يبق حاليا من منشآت صلاح الدين بالقلعة سوى بعض أجزاء السور والأبواب والبئر التي حفرها في القلعة كي يستقي منها الجيش وسكان القلعة إذا ما منع الماء عنها عند حصارها وهي من أعجب ما تم من الأعمال في عهد صلاح الدين إذ أنها محفورة في الصخر على عمق 90 مترا تقريبا من مستوى أرض القلعة، ولا يخفي ما يتطلبه هذا العمل من جهد، وتتركب هذه البئر من طابقين لكل منهما ساقية ترفع المياه منها بواسطة الدواب التي خصص لها منحدر لتسهيل النزول والصعود وقد فتحت بجانبه فتحات لإيصال النور إلى هذا الممر ولا تزال توجد السواقي بمعداتها أسفل البئر حتى الآن. أما القلعة فقد وردت عليها كثير من التغيرات خلال العصور المتتالية فقد أنشأ الكامل قصورا كما أنشا الظاهر بيبرس برجا كبيرا وقصرا فخما لوالده وأنشأ الأشرف خليل بن قلاوون مقعدا فخما شاهقا يطل على الجيزة والنيل وشيد الناصر محمد بن قلاوون قصره المعروف بالقصر الأبلق كما شيد السلطان الغوري إيوانا كبيرا جمع كثيرا من بدائع الفن، وأصلح محمد علي جانبا كبيرا من سورها وأبراجها وأبوابها وأنشأ الجامع وسراي الجوهرة ودار الضرائب ودار المحفوظات المقابلة للباب الجديد الذي أنشأه 1241هـ ـ 1825م. وقد ظلت القلعة مقرا لحكم البلاد منذ عهد الملك الكامل بن أيوب وحتى مهد الخديوي إسماعيل الذي إختار قصر عابدين مركزا لحكمه. وقد أضيف في العصر الحديث المتحف الحربي الذي يروي إنجازات مصر العسكرية في المراحل التاريخية وقد تحولت القلعة إلى أحد أهم المزارات السياحية بمدينة القاهرة بعد إجراء عمليات ترميم واسعة النطاق. وفي حرم قلعة صلاح الدين توجد منطقة «باب الغرب» التي أثارت منذ بضعة سنوات جدلاً واسعاً في أوساط الأثريين والمثقفين بعد أن أعلنت وزارة الثقافة عن فتح الاستثمارات في منطقة باب العزب بالقلعة وتحويلها إلى منتجع سياحي عالمي، وهذه المنطقة كان قد تم بناؤها في عهد السلطان الكامل على أطلال قصر أحمد بن طولون لتكون إسطبلات للخيول الملكية وفي العصر العثماني سكنتها فرق الجيش وتم توزيع فرقة «عزبان» بمنطقة الإسطبلات ومنها جاء اسم « باب العزب». وفي عهد الوالي محمد علي مؤسس مصر الحديثة، تحولت تلك المنطقة إلى مقر للصناعات العسكرية التي أنشأها الوالي الطموح وهي تعد أول منطقة صناعة عسكرية في العالم العربي بأكمله وكان المشروع الاستثماري الذي تقدمت به شركة إيطالية يشتمل على إقامة فندق وكافتيريا وملاه ومتحف على مساحة 50 ألف متر مربع وقد رأى الأثريون ضرورة القيام بحفائر منظمة بالمنطقة خشية وجود مجموعة من العصور الطولونية أو الآثار المملوكية وطرح البديل الآخر أن يقام المشروع في رحاب ميدان القلعة بعد تجهيزه وتنظيفه لتتحول المنطقة إلى متحف إسلامي مفتوح وقد إنتهى الأمر إلى لاشئ بعد جدل واسع إستمر قرابة العام على صفحات الجرائد. مسجد الرفاعي وفي الجانب المقابل للقلعة في ميدان صلاح الدين الذي تحول الى حديقة يرتادها العامة في ليالي الصيف خاصة ممن قاموا بزيارة مسجد الرفاعي أو مسجد السلطان حسن اللذين يتراءى للقادم من بعيد أنهما كتلة واحدة شاهقة وهما من أهم المساجد التي يقبل عليها الشباب لإتمام مراسم الزواج في جو مليء بعبق التاريخ كما يقول سامي عبد الفتاح مأذون المسجد النسبة التي يحصل عليها مأذون المسجد من قيمة مؤخر الصداق المتفق عليه في العقد أقل بكثير من النسبة التي يحصل عليها المأذون الخاص لذا يحرص الشباب على إتمام عقد القران في المسجد والبعض يكتفي بإقامة حفل صغير حيث توزع الحلوى وأحيانا بعض الهدايا التذكارية كمصحف صغير يدون عليه رسم العروسين وذلك كبديل عن الإسراف في الحفلات التي تقام في الفنادق الكبرى أو الأندية الراقية. ويمتاز جامع الرفاعي بوجود قاعة كبيرة تتسع لأعداد كبيرة أضف إلى هذا الجمال المعماري للمسجد من الداخل والخارج والذي يسمح بالتقاط الصور التذكارية في مثل تلك المناسبات السعيدة. وقد أنشئ هذا المسجد بأمر خوشياي هانم والدة الخديوي إسماعيل حيث عهدت إلى المرحوم حسين «باشا» فهمي وكيل ديوان الأوقاف عام 1869م بوضع تصميمه ولكن توقف العمل فيه عدة مرات بسبب وفاة منشئته، وبسبب إجراء تعديلات على تصميمه وظل العمل موقوفا ربع قرن إلى أن عهد إلى هرتس «باشا» بشمهندس الآثار العربية بإصلاح المسجد فتم بناؤه في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني سنة 1912م. وكانت في المكان الذي أنشئ به هذا المسجد زاوية الرفاعي نسبة إلى الإمام «الرفاعي» ومازال مسجد الرفاعي هو قبلة أبناء الطريقة الرفاعية بمصر عقب صلاة الجمعة أسبوعيا والطريقة الرفاعية كما يشرح إمام مسجد الرفاعي الدكتور سمير عبده من سلوك يلتزم به المرء في التقرب إلى الله من خلال أذكار وأوراد محدودة والرفاعية تنسب إلى الإمام أحمد الرفاعي الكبير وهو من أساتذة التصوف وقد ولد بجزيرة أم عبيدة بمحافظة البصرة في العراق وتوفى ودفن بها عام 572م أما الرفاعي المدفون بمصر فهو الحفيد السادس للإمام الرفاعي. وقد عرف الإمام الرفاعي الكبير «بأبي العلمين» إذ أن نسبه ينتهي من ناحية أبيه إلى الحسين رضى الله عنه ومن ناحية أمه إلى الحسن رضي الله عنه وقد ولد الإمام وتربى في بيت خاله الشيخ منصور البطائحي وللطريقة أتباع كثيرون ويأتون إلى المسجد للإحتفال بمولد السيد الرفاعي في إحتفال ضخم يحضره شيخ الأزهر ووزير الأوقاف وعدد من الشخصيات العامة. وقد كانت تلك الإحتفالات تصاحبها بعض العادات التي إبتدعها العامة من ضرب السيف والدبوس اعتقادا من أنها من كرامات الرفاعي خاصة وأنه يشاع قدرة الرفاعية على إخضاع الأفاعي وكلها بدع كانت تقام في الموالد قديما لكن مشيخة الطرق الصوفية قامت بمنعها تماما. مسجد السلطان حسن وسور القاهرة وفي مواجهة مسجد الرفاعي يقع مسجد السلطان حسن الذي أنشأه السلطان الناصر حسن بن قلاوون واجهته البحرية وهي الواجهة الأصلية تشرف على شارع القلعة «شارع محمد علي سابقا» وواجهتاه الجنوبية والشرقية شرفتان على ميدان صلاح الدين وهذا المجسد أضخم مساجد مصر عمارة وأعلاها بنيانا وأكثرها فخامة حتى يقال إنه مدرسة مستقلة في المعمار الإسلامي. والمشروعات الثقافية والأثرية بمنطقة القلعة كثيرة للغاية نظرا للزخم الهائل بتلك المنطقة منها ترميم سور مجرى العيون الذي سيعيد إليه بهاؤه التاريخي كما يؤكد محمد محجوب مكي مدير منطقة آثار مصر القديمة وقد فكر في بناء هذا السور السلطان قنصوة الغوري إذ أن مياه بئر يوسف التي حفرها صلاح الدين بالقلعة أصبحت مياهه غير صالحة للإستعمال فأنشئ هذا السور لنقل مياه النيل العذبة إلى القلعة عبر مجموعة من السواقي مقامة على السور وظل السور يعد تحفة معمارية هندسية لا يوجد لها مثيل وظل السور ينقل المياه إلى القلعة حتى عام 1872 في عهد الخديوي إسماعيل وذلك عندما بدأت شركة توزيع مياه القاهرة في العمل، ويضيف محجوب أنه سيتم تحويل السور إلى مزار سياحي بعد ترميمه وتطويره في إطار خطة تتكلف نحو 40 مليون جنيه. أما السور فقد عثرت بعثة تنقيب مصرية منذ حوالي العامين على أبراج السور الذي شيده الناصر صلاح الدين 1863 ـ 1879م ليحيط بعواصم مصر الإسلامية الأربعة «الفسطاط ـ العسكر ـ القطائع ـ القاهرة» ومازالت أعمال التنقيب مستمرة كما يقول المهندس عواد إبراهيم رئيس بعثة التنقيب: لقد تبقى جزء كبير من السور يبلغ طوله ثلاثة آلاف متر يمتد من منطقة باب الوزير وحتى ميدان الدراسة. وقد عثرنا على عدد من أبراج السور ويتكون البرج من سلم هابط إلى طابق فوق الأرض وهو عبارة عن حجرتين وممر له سقف مقبي البرج سيصب بالسور عن طريق ممر وكان يستخدم في التنقل بين مناطق البرج دون التعرض لسهام المهاجمين. ويضيف المهندس عواد: يجري ترميم الأجزاء المكتشفة حاليا قبل إفتتاحه للجمهور والسائحين ويجرى العمل حاليا على إزالة التعديات على السور والمخلفات التي يصل إرتفاعها إلى ستة أمتار. ويعد السور أثرا نادرا من العمارة التي تأخذ سمة العمارة الحربية إذ أنها كانت فترة مواجهة للغزو الصليبي حيث أمضى صلاح الدين فترة حكمه في حروب متصلة ومن بعده المماليك الذين خاضوا معارك لتثبيت أوضاعهم وقد سميت المدينة التي يحدها السور مدينة مصر وإلى هذه التسمية يرجع إطلاق سكان الأقاليم اسم مصر على العاصمة حتى يومنا هذا. الزنازين والمفتوح ومن جانب آخر تنفذ وزارة الثقافة مشروعا لتحويل سجن القلعة بمبانيه العتيقة التي استضافت الكثير من الشخصيات التاريخية التي قدمت الكثير من البطولات إلى متحف عالمي مزود بأحدث وسائل التكنولوجيا وذلك ليكون مزارا ثقافيا يحفظ ذاكرة الأمة في مختلف فروع الفنون والآداب والمشروع سينفذ بتمويل من صندوق التنمية الثقافية الذي يهدف إلى تحويل الزنازين إلى مزارات للثقافة يحمل كل منها اسما من أسماء مشاهير الفكر والفن والأدب الذين اثروا في الحياة الثقافية في مصر خلال القرن العشرين وستستخدم أحدث تقنيات العرض والإضاءة وأجهزة الليزر والصوت المجسم ليشعر الزائر بأنه يعيش عصر الشخصية التي تحمل إسمها القاعة. ومن أهم شوارع حي القلعة «شارع الصليبية» والمتحف المفتوح هو بوتقة منفصلة تضم عدداً هائلاً من الآثار التي ترجع للعصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية والتي تخضع لعمليات ترميم واسعة النطاق لتجميل الشارع وتحويله إلى متحف مفتوح يضاهي شارع المعز لدين الله الفاطمي كما يشير عادل عبد الستار مدير عام مناطق جنوب القاهرة أن شارع الصليبية مليء بالآثار المعمارية النادرة مثل جامع شيخوم وسبيل أم عباس ولابد أن يدرج على الخريطة السياحية لإبراز روعة الحضارة الإسلامية وقد تم بالفعل تنفيذ مشروع ضخم لإنقاذ سبيل السلطان قايتباي الذي يرجع إلى عصر الجراكسة والذي قامت به البعثة الأسبانية وقد عثر على تكوينات معمارية بالدور الأرضي بالسبيل ومبان لها أشكال وتكوينات من الطوب الأجر «الأحمر» والحجر وهي طريقة إنتشرت في العصر المملوكي وكذلك وجود مصارف للمياه مما يؤكد أن هذا السبيل الذي أنشأه السلطان قايتباي قد بناه على أنقاض مبنى أثري وهو ما يؤكده ما ذكره ابن إياس ان السبيل أنشئ على أنقاض سبيل بناه جاني بك الفقيه أحد حراسه وقد تم العثور على عدد من العملات الأثرية المعدنية من العصر المملوكي العثماني أثناء إجراء الحفريات.