اشتهرت اليمن تاريخياً بالكثير من الصناعات الحرفية اليدوية التقليدية وارتبط استمرار هذه الحرف والصناعات وازدهارها بالطلب عليها ومن هذه الحرف صناعة الفخار والخزف، التي ظلت على اختلاف مراحل التاريخ تحظى بطلب اجتماعي منقطع النظير نظراً لاستخداماتها المتعددة كأوان للطهي وتقديم الطعام. غير انه وخلال الثلاثة عقود الاخيرة بدأ الطلب على هذه الاواني الفخارية ينحسر شيئاً فشيئاً نتيجة مزاحمتها ومنافستها بالاواني المعدنية والبلاستيكية والزجاجية المصنعة محلياً او المستوردة منها، الامر الذي ادى الى تراجع حظوظ صناعة الفخار في السوق اليمنية واقتصارها على نماذج معينة ومحدودة للغاية بفعل خصوصيات بعض الأكلات الشعبية اليمنية التي لا يحبذ البعض تقديمها وطهيها او تناولها الا في قدور وأوان فخارية او استعمالها كمزهريات. ويقول علي مطيع حسن تاجر في بيع الاواني الفخارية اين كنا وكيف اصبحنا، الناس في الماضي وبدون استثناء كانوا يستخدمون الاواني الفخارية في جميع الأغراض المنزلية ابتداء من الطهي بها وتقديم الاكل وحفظ المؤن وحتى الماء كان لا يخزن ولا يحفظ الا في الاواني الفخارية مثل «الزير، الكوز» اما اليوم فالناس يفضلون الاواني البلاستيكية والمعدنية لهذه الاغراض كلها وقليلون جدا مازالوا يحافظون على مثل تلك العادات ولهذا فسوق الاواني والقدور الفخارية في تراجع مستمر ومن النادر من يأتي لشراء مثل هذه الاواني والقدور الفخارية. ويضيف مطيع ان عمله في هذه المهنة على الرغم من تراجع سوقها والطلب عليها يعود الى انه قد توارث الاشتغال ببيع هذه الاواني الخزفية عن ابيه الذي بدوره ورثها عن جده حتى أصبحت النشاط المعتاد للاسرة منذ عقود طويلة وليس هناك أي بديل عنها نظراً لان بعض الصناع الحرفيين اعتادوا على القدوم بمنتوجاتهم الى هذا المحل دون غيره مستطرداً بقوله وهذا نوع من الوفاء للعلاقة التي ربطتنا بهؤلاء الصناع وان كان الكثير منهم قد هجر العمل بهذه الصناعة. واضاف رغم ان هذا العمل لم يعد يدر عليهم دخلاً كما كان عليه الحال في الماضي عندما كان جميع سكان اليمن وبيوته يستعملون هذه الاواني الا ان بعضهم ظل وفياً لمهنته ولم يتخلوا عنها ونحن بدورنا نصرفها لهم تبعاً لطلب السوق حيث ينحصر الطلب حالياً على بعض الأنواع من الاواني الفخارية دون غيرها مثل المدر، البواري القصوص. فالمدرة مازال البعض يحرص على اقتنائها وشرائها لأنها الاناء المفضل لتقديم وجبة «العصيد» اما البواري او البوري فهو معروف باستخدامه كوعاء لوقيد الزاجيل ولان العديد من اليمنيين يستعملون الشيشة فهناك اقبال ملحوظ على شراء البواري لهذا الغرض. اما القصيص الان الذي ظل في الماضي المخصص لطباخة اللحوم لم يعد يحظى بالطلب عليه الا لأغراض استخدامه كوعاء لأشجار ونبات الظل ولهذا تغير شكله عن الشكل السابق واصبح عبارة عن مزهرية معدة لمثل هذه الاغراض وحدها نظراً لان الناس اصبحوا يستخدمون القدور الضاغطة لطهي اللحوم والخضروات لما تتميز به من سرعة التحضير والاعداد. ويقول نعمان غالب من قرية «قحزة» الواقعة في محافظة اب والتي اشتهرت على الدوام بصناعة الاواني الفخارية الجيدة، الحقيقة ان الكثير من العاملين في صناعة الفخار في هذه القرية قد تخلوا عن عملهم وانصرفوا لأعمال أخرى نتيجة لتراجع الطلب على الفخار والخزف ولم يبق في هذه المهنة سوى القليل من الصناع الذين لو توافرت لهم الظروف لاشتغلوا باعمال اخرى وحتى اولئك الذين مازالوا يمارسون هذه المهنة انحصرت اشغالهم في نماذج محدودة للغاية فمثلا «الزير» المصنوع من الفخار لم يعد له وجود اليوم لان الناس اصبحوا يخزنون المياه في اوعية اخرى مثل البراميل الحديدية او البلاستيكية والمعدنية كذلك «الكوز» كان على الدوام الوعاء المفضل للاحتفاظ بمياه الشرب باردة اليوم لم يعد له اي حضور لان الناس اصبحوا يستخدمون بدلا عنه الثلاجات «الترمس» او الأوعية البلاستيكية والزجاجية الاخرى التي تؤدي الغرض ذاته. حتى افران الخبز المعروفة باللهجة اليمنية الشعبية «الصغن» او «الصاغة» لم يعد هناك من يقتنيها بسبب انتشار «التنور» المعدني الذي اصبح يصنع من قبل مصانع يمنية مختصة وغدا الفرن المفضل ليس في المدن وحسب بل وحتى في القرى وساعد على انتشاره في كل البيوت اليمنية استخدامه للغاز بدلا عن الحطب الذي كان يستخدم في التنور الفخاري وهذا وفر الجهد والوقت للمرأة في المدينة والريف على حد سواء وبالتالي كان سبباً للانصراف عن التنور الفخاري. واذا كان تراجع الاقبال على الاواني الفخارية قد دفع العديد من المشتغلين في هذه الصناعة الى الانصراف عنها الى أعمال اخرى فانه لم يكن كذلك لمحمد صالح احد الصناع للفخار في اليمن الذي قال بعد ان لاحظت تراجع الاقبال على الاواني والقدور التقليدية المعدة لاغراض الطهي وتقديم الطعام تحولت الى اشتغال انواع اخرى منها معدة لاغراض الاشجار المنزلية والمزهريات كما عملت على تحسين نوعية هذه المشغولات بنفسها وتلوينها بألوان جذابة لتجاري اذواق الناس واستطيع الان ان اصنع الوعاء المطلوب بالشكل المحدد واللون المرغوب وفقاً لطلب الزبون وحاجته وبأحجام مختلفة واستطعت بهذا الابتكار والجهد الذاتي ان اواكب اذواق الناس وطلبياتهم وفقاً لهذه الاغراض. ولهذا فالاواني والقدور المعدة للطباخة والطهي لم أعد أهتم الا بالقليل منها مثل «المسدر» «البواري» فيما نشاطي الرئيسي الان هو صناعة المزهريات لمحلات بيع الزهور ونباتات الظل مضيفاً في هذا السياق ومع الاسف هناك بعض القدور المماثلة المصنوعة من البلاستيك شبيهة في مظهرها الخارجي بالفخار مع الأسف هذه القدور والمزهريات القادمة من دول جنوب شرق اسيا اصبحت اليوم تزاحم منتوجاتنا وتنافسها ونخشى مع مرور الايام ان تأتي على البقية الباقية من هذه الحرفة التقليدية التي تعيش عليها الكثير من الاسر اليمنية. وعبر العديد من تجار وصناع الفخار عن قلقهم على مستقبل الاشتغال في هذه الحرفة مطالبين الحكومة اليمنية والجهات المعنية مثل وزارة الثقافة والتجارة الحد من المنتجات المنافسة لصناعة الفخار متسائلين في الوقت ذاته عن سبب عدم الاهتمام بصناعة الفخار والخزف في اليمن في الوقت الذي اهتمت فيه الحكومة بالحرف التقليدية الاخرى واضافوا في هذا السياق ان الجهات الرسمية اذا ما بادرت الى تطوير مهارات الصناع وتدريبهم على الطرق الحديثة لانتاجهم هذا وتزويدهم بالمعدات اللازمة لكان لهذه الصناعة شأن اخر مشيرين الى ان الكثير من البلدان عملت على الارتقاء بهذه الصناعة وتطويرها بما يواكب متطلبات العصر لكن في حالة الصناع اليمنيين للفخار مازالت وسائلهم بدائية وتقليدية وتعتمد بدرجة اساسية على المهارات المتوارثة من السلف الى الخلف والذين حاولوا تطوير اشغالهم هذه اعتمدوا على قدراتهم الذاتية. اجمالاً يمكن الجزم بأن هذه الحرفة التقليدية التي تتوافر لها المواد الخام في انحاء اليمن بحاجة ماسة الى لفتة مسئولة تعي المردود الذي يمكن ان تحققه هذه الصناعة على الكثير من الأسر اليمنية خاصة في القرى والارياف التي تعاني من انتشار ظاهرة الفقر بسبب البطالة المتفشية وسط شبابها ولو تم الدفع بالاتجاه في تنمية هذا القطاع المنسي لادى الى خلق فرص عمل مهمة على ان ذلك يبقى مشروطاً بالمبادرة الى دعم هذه الحرفة وتطوير مهاراتها بما يتلاءم ومتطلبات الحاضر والمستقبل على حد سواء وتدارك موتها البطيء.