رغم تقدم العلوم الطبية الا ان الطب مازال يقف عاجزا امام علاج فعال لكل من الاورام السرطانية والايدز ومع ذلك فالعلماء مازالوا يحاولون اجراء المزيد من الدراسات في سبيل التوصل الى العلاج الشافي لمثل هذه الامراض التي تهدد حياة الملايين بالوفاة قبل الاوان. ومن بين هذه الدراسات تلك الدراسة التي قام بها البروفيسور ريتشارد جورجنسن المختص بالعلوم الزراعية في جامعة اريزونا والذي اراد من خلال تجاربه ان يغير لون زهرة البيتونيا الارجوانية الى اللون الابيض، والجدير بالذكر ان البروفيسور جورجنسن كان مهتما بالميكانيزم الخفي الذي يتحكم بـ ضبط الموروثة في النباتات ومن خلال اهتمامه بهذا الجانب البيولوجي قرر ان يحاول ان يجعل من لون زهرة البيتونيا اكثر قرمزية، وذلك عبر حقنها بجينة ملونة للتخصيب. وللمفاجأة تحولت الزهور الى اللون الابيض وبدل ان تكون نتيجة مجموعتي تخصيب من الجينات مكملة لبعضها تفاعلاتا كما يبدو بحيث عطلتا بعضهما. بعض الازهار تحولت بشكل كامل الى الابيض بينما بعضها تلونت بشكل متنوع بما فيها واحدة اسمتها زوجته ومساعدته كارولين نابولي «الراقصة القوقازية» كونها بدت كرجل بلباس ضخم وملتف، وبيديه ورجليه منتشرة. في العام 1990 حين تم نشر البحث الذي قام به اطلق البروفيسور جورجنسن على الظاهرة اسم «القمع الذاتي» لانه كما بدا ان مجموعتي الجينات المخصبة كانت تمنع بعضها البعض من العمل بشكل دقيق. كان ذلك احد الاكتشافات غير المتوقعة والتي تجعل الابحاث العلمية مشوقة، واحيانا مخيبة للآمال. كان البروفيسور جورجنسن يعتقد في البداية ان اكتشافاته ومراقبته فريدة، الا انه اكتشف ان هناك علماء ايضا وصلوا الى نتائج مشابهة مع انواع اخرى من النباتات وبعدها دخل الى البحث بعض علماء الخمائر، واكتشفوا ان العملية تنجح بشكل خاص ايضا على منتجاتهم الميكرو ـ عضوية المنتجة مخبريا والتي كان قد اطلق عليها اسم نيروسبوراكراسا وفقط لكي يظهروا انهم قاموا بشيء مختلف اطلقوا عليها اسما مختلفا «جينات كييلين». ولكن لم يمتلك احد فكرة واضحة حول كيفية عمل هذه الظاهرة او بكل الاحوال اذا كان لها اية اهمية خاصة خارج عالم المزروعات والخمائر. وبنفس الوقت الذي كانت هذه الاختبارات تجرى كان ثمة متخصصون بعلم الاحياء الجزئية يعملون على ما يدعى بتقنية «مضاد للاحساس» وهي كانت طريقة تعتمد اطفاء الجينات باستخدام ابن عم قريب من الدي ان اي يدعى ار ان اي «انتيسينس» يعمل عبر الحقن في خلية جزئية من الار ان اي متكاملة بتتابعها الجيني مع القاعدة الكيميائية للار ان اي للخلية الملتقة بالتركيب البروتيني للجينات وكان من المتأمل يؤدي «انتيسينس» الى اغلاق ووقف انتاج نوع محدد من البروتينات مما يؤدي الى اطفاء الجينة. ولكن مرة اخرى حدث شيء غير متوقع العلماء العاملون على الدودة الخطية بالغة الصغر من نوع كانور هاديتيس ايليغان وجدوا ان نظام الانتسينس يعمل بشكل افضل عندما يتم حقن الار ان اي بشكل جزيئة ملتفة مرتين عوضا عن شكلها الملتف احاديا. بقيت العملية تشبه القطع المبعثرة حتى بضعة سنوات لاحقة، حين نظر اندرو فاير، الباحث في جامعة هوبكنز في بالتيمور بمريلاند، بالمسألة وهو ايضا كان مهتما بالحقن بتقنية «انتيسينس» بالدود المجهري لمراقبة عمل وتوقف الجينات عن العمل. وكأمر طبيعي علميا قام الدكتور فاير باختيار للتحكم والمراقبة مفترض الا يؤدي الى اية نتيجة وذلك فقط لمقارنته مع الاختبارات الفعلية وبالواقع كان الاختبار التجريبي للتحكم هو المثمر والواعد. «ما اكتشفناه ان اختبارات التحكم لم تعمل كما يفترض بها» يقول الدكتور فاير «ولم تنطفيء فقط الجينة الطبيعية بل ايضا الجينة التي ادخلناها». لم يتمكن الدكتور فاير من تقديم اجابة، ولكنه لاحظ ان الظاهرة مشابهة الى حد بعيد في التجربة على البيتونيا التي سمعتها، وأطلق على جينته اسم «الصامتة». لقد عمل مختبري بجهد لمعرفة تركيبة الـ «آر.ان.آي» المسببة للصمت، واستغربنا انه لم يكن المكون الرئيسي الذي نحقن به، بل ملوث معلوم وجوده حين تضع الـ «آر.ان.آي» في انبوبة الاختبار. يقول الدكتور فاير. هذا الملوث كان يقوم بالتفافة المزدوجة للـ «آر.ان.آي». وكانت حدود الاكتشاف هي انه حين يتشكل الـ «آر.ان.آي» في شكله المزدوج فإنه يقدر على تعطيل الجينات واطفائها أو اسكاتها. ونشر الدكتور فاير وزملاؤه في المجلة العلمية «طبيعة» في 19 فبراير 1998، واسموا اكتشافهم «اضطراب الـ آر.ان.آي» أو ببساطة «آر.ان.آي.اي»، وابدوا مدى استغرابهم ودهشتهم لطاقة الـ «آر.ان.آي» أي المزدوج على اسكات الجينات. وبدأ العلماء في فروع اخرى بأخذ الملاحظات، كان يبدو ان الدكتور فاير وشريكه الدكتور كريغ ميللو من جامعة مساشوستس اكتشفا طريقة لاطفاء الجينات باستخدام الـ «آر.ان.آي» وهو ما لا يوضع بتوقع كل طالب لعلوم الاحياء. وفي الواقع فإن القاعدة الثابتة في البيولوجيا هي ان الـ «آر.ان.آي» أي هو الوسيط الضروري في عملية تشغيل الجينات وصناعة البروتينات الضرورية للحياة. وكان يفترض ان تكون الـ «آر.ان.آي» هي بمثابة الزيت للماكينة في عملية انتاج البروتينات في الجينات، لا أن تلعب دور مفتاح الاغلاق في العملية. وقد اندفع البروفيسور فيليب شارب الحائز على جائزة نوبل والعامل في معهد مساشوستس للتكنولوجيا، بفضول بما تم اكتشافه «كنت أعلم انه لم يسبق للأمر ان حصل قبلاً». وبدأ علماء الجينات العملاقة يعملون على ذبابة الندى، الجميع يريد معرفة ما الذي يحصل بالضبط. كيف يمكن للـ «آر.ان.اي» ان يعمل كمطفيء للجينات. وفي الاثناء نفسها على الناحية الاخرى من الاطلسي، كان علماء النبات كمختبرات سينسبوري يعملون ايضاً على مسألة الحلزونة المزدوجة، واحدهم، ديفيد بولكومبي، كان مهتماً بالكيفية التي يدافع بها النبات عن نفسه ضد هجمات الفيروسات، عبر استخدامه الحلزونة المزدوجة للـ «آر.ان.اي» كمادة جينية أولية. وأثارت اكتشافات الدكتور بولكومبي اهتمام الدكتور فاير الذي كان لايزال يسعى الى حل مشكلاته في البحث، ويقول الدكتور فاير: «كنا لانزال نعتبر الأمر بمثابة حادثة تخلط اختباراتنا، وكانت نتيجة اضافية لها. وكان فريق بولكومبي يدرس المقاومة الفيروسية لدى النبات وتوصلوا الى استنتاج بأن ثمة شيء في الـ «آر.ان.اي» الغريبة تعيق الفيروسات. وبوضع ما لدينا معاً توصلنا الى فهم جوهري للموضوع. وقام بولكومبي باعادة تحليل بيتونيا الدكتور جورجنسن ونباتات اخرى ووجد ان ثمة مسطحات صغيرة من الحلزونات المزدوجة للـ «آر.ان.اي» تطوف حول الخلايا. وسارع الفريق الذي عمل على ذبابة الندى الى اعلان عثوره على النوع نفسه من المسطحات مشظاة في حشراتهم المخبرية. هم أيضاً عثروا على «آر.ان.اي» دقيقة كانت بمثابة طفيليات على جينات ذبابة الندى. ما يحصل كان تحولا لجزيئات الحلزونات المزدوجة للـ «آر.ان.اي» الكبيرة الى وحدات أصغر من الدقائق (المجهريات). هذه الدقائق كانت تشكل تعقيدا قاتلا مع الانزيمات التي يفترض ان تحدد نوع وتحول الرسالة الخطيرة «آر.ان.اي»، وتحول المعلومات الجينية من داخل لب الخلية حيث يصنع السيتوبلازم، الى المنطقة في خارج لب الخلية. وفجأة لاحظ الجميع انه يمكن وضع هذه الحلزونة المزدوجة في انبوب اختبار واعدادها لتستهدف نوعا محددا من الرسائل للـ «آر.ان.اي» لجينات معينة، مما يعني انه يمكن للعلماء اطفاء أية جينة. وكان السؤال المركزي إذا كان ينجح على جينات الثدييات، بما فيها البشرية، وإذا كان ينجح فإن الآفاق الطبية لهذا الاكتشاف هائلة. مما يعني انه سيمكننا اطفاء الجينات المعنية بالسرطان، والجينات التي تسمح للفيروسات بضرب الخلايا، والجينات التي ترفض وتنبذ النسيج المزروع بعد العمليات الطبية وطبعاً الجينات التي تسببت باصابة خلايا صحيحة. الشهر الماضي ظهر أول دليل على ان الـ «آر.ان.اي» المضطرب يمكنه التأثير على خلايا الثدييات. وتمكن العلماء في أنابيب الاختبار من جعل الخلايا البشرية تقاوم هجمات فيروس البوليو وكذلك فيروس الايدز. الآن التركيز على وضع هذه الجزيئات من الـ «آر.ان.اي» مباشرة داخل الخلايا. وتستثمر شركات التكنولوجيا البيولوجية ملايين من الدولارات بطرق مختلفة لتبني الاكتشاف التقني للاستخدام الطبي. والعلماء يعملون على معالجة اصابات الكبد عبر اسكات جينات التهابات الكبد لدى الفئران، وللسرطانات عبر اطفاء الجينات المحدثة له. «كل شيء مثير فعلاً من بداية الأمر، ومن الواضح ان كل شيء بدأ من عمل جورجنسن المبكر»، يقول الدكتور فاير: «اعتقد ان الأمر لايزال مبكراً، ولكنه مبكر ومحمس»