احدى السمات المميزة لحكومة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير هي انها قضت اكثر من خمسة اعوام كاملة من دون ان يتقدم احد اعضائها باستقالته، بشأن قضية تخص المبادئ او الضمير غير ان هذا الرقم القياسي ربما يكون على وشك ان يتغير. فدائماً كان هناك عدد قليل من الوزراء الذين تحيط بهم اجواء الاستقالة وينتظرون ان تحدث وهؤلاء المتمردون ربما يكونون على وشك العثور على القضية التي تدفعهم الى تلك الاستقالة وهي قضية العراق. يفترض ان الوزير روبن كوك اصبح غير مقتنع بفوائد ومميزات القيام بعمل عسكري للاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين لدرجة ان الدور الوحيد الذي اصبح مستعداً للقيام به هو السماح للولايات المتحدة الاميركية ان تستخدم القاعدة الجوية في دييجو جارسيا بالمحيط الهندي ضد العراق وسب. ويعتقد ان كلير شورت، وزيرة الدولة للتنمية الدولية يساورها القلق من هذا الامر وتشير بعض الادعاءات الى ان وزير الخزانة جون دون براون قلق من تأثير الحرب على الاقتصاد العالمي، في حين ان وزير الدفاع جيوف هون استشعر بوضوح الحذر الذي يشعر به القادة العسكريون من تلك الحرب واحياناً يظهر جاك سترو في الصورة ايضاً ليتخذ موقفاً مماثلاً، ناهيك عن المقاومة التي لن تنتهي والتي سوف يمثلها امثال تام داليل وجيرالد كوفمان وكريس سميث وتوني لويد وجليندا جاكسون من الصفوف الخلفية. ومن المحتمل بشدة ان يدعم مؤتمر سيعقد الشهر المقبل قراراً اقترحته نقابة الصحفيين لمعارضة الحرب ضد العراق. ان تحالف القوى الذي يواجه توني بلير من داخل حزبه الآن بشأن العراق يبدو بشكل او بآخر اكثر تأثيراً من ذلك التحالف الذي يواجه صدام، ولربما يمكن للمرء ان يطلق على هذا الموقف الذي يواجه بلير بأنه «أم الانشقاقات» الحزبية على غرار «أم المعارك». فالأميركيون يحبون ان يعطوا لعملياتهم العسكرية اسماء رمزية مفعمة بالمشاعر مثل عملية «عاصفة الصحراء» والمتمردون على حزب العمل ينبغي لهم ايضاً ان يفكروا في اسم لعمليتهم وليكن هذا الاسم عملية «الكلب المحبوس». ان مصدر قدر كبير من تلك المعلومات هو مارك سيدون، رئيس تحرير صحيفة «تريبيون» الاسبوعية الاشتراكية وعضو اللجنة التنفيذية القومية لحزب العمل، والذي بشكل غريب اختار ان يعلن عن معلوماته تلك عن طريق صحيفة «سبيكتاتور» الموالية للمحافظين. ويكتب سيدون بحماسة قائلاً: «يمكن ان يجد توني بلير نفسه يبحث على مائدة مجلس الوزراء عن دعم ليجد ان عدداً كبيراً من وزرائه يجمعون اوراقهم ويتجنبون النظر اليه واذا حدث وتكلم احد فسيكون حبيب ـ او حبيبة حركة حزب العمل وسيتبع هذا الشخص آخرون». هذه الجملة الاعتراضية السابقة: «او حبيبة»، تشير بشكل واضح وغير فجائي الى السيدة كلير شورت على الرغم من انه من العدل القول ان ملاحظات سيدون تبدو اكثر كدعوة وتمن للتخلي عن الحزب اكثر منها توقع واثق ان شورت سوف تقوم بذلك. فلقد تقدمت شورت باستقالتها من قبل بسبب العراق، حيث كانت واحدة من ثلاثة تركوا مناصبهم بسبب دعم نيل كينوك لحرب الخليج عام 1991، وهي الحرب التي كانت تتمتع بموافقة الامم المتحدة. وبالتأكيد لم تخف السيدة شورت عدم سعادتها بالسياسة الحالية وقالت في مقابلة مع محطة «بي.بي.سي» في مارس الماضي: «الشيء الافضل هو ارجاع مفتشي الامم المتحدة الى هناك، ولكن لا يوجد عمل عسكري يمكن ان يتعامل مع مشكلة صدام ولا مع حالة الشرق الاوسط او المعاناة التي يعيشها الشعبان الاسرائيلي والفلسطيني ومن غير الحكمة ان يتم التعامل عسكرياً مع العراق في ظل حالة الغضب الموجودة في العالم العربي». وبعد ان تمت مواجهتها بامكانية تقديم استقالتها مرة اخرى، قالت: «نعم انا ما زلت نفس كلير شورت التي كانت في الماضي، وانا فخورة بانتمائي للحكومة، ولكنني لدي الكثير من الثوابت لا اتوقع ان تمسها الحكومة، ولكن اذا حدث ذلك فإنني سأستقيل فهذا ما ينبغي ان يكون عليه الوضع في السياسة». وبالنسبة لكوك فإنه هو الآخر لديه ماض ولكن ليس بالماضي الذي يبشر بأن يكون زعيم تمرد محتمل. ففي عام 1991 كان كوك عضواً في وزارة الظل الخاصة بكوك وكان ضد الحرب ولكنه لم يستقل والتزم بميثاق ومفهوم المسئولية المشتركة واثناء السنوات الخمس التي قضاها في منصب وزارة الخارجية تحت قيادة بلير اخذ ينظم الكثير من العمليات العسكرية التي اثارت بشدة غضب اليسار وكان كوك شديد القرب من مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية في ادارة كلينتون، لدرجة انها كانت توصف بأنها «المرأة الثالثة في حياته». وأعظم خدماته لما يوصف بأنه «العلاقة الخاصة» كانت تلك المجهودات التي بذلها في مجلس الامن لتأمين وضمان وجود دعم دولي لعملية «ثعلب الصحراء» التي تم من خلالها ضرب العراق عام 1998 وجاءت كلماته كالتالي: «هنا تكمن الصلة بين معارضتنا للعراق وبين القاعدة الاخلاقية للسياسة الخارجية، نحن تبنينا اتجاهاً قوياً ضد الاسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية وسيكون الامر متضارباً تماماً مع هذا الاتجاه اذا سمحنا لصدام ان يواصل امتلاكه لأسلحة دمار شامل». يمكن للمرء ان يتساءل هنا: ما هو وجه الاختلاف الشديد الذي طرأ على الموقف الآن تجاه العراق باستثناء ان كوك قد تمت اقالته من وزارة الخارجية ولم يعد مسئولاً عن تلك السياسة؟ يمكن تلخيص نزعة بلير لاحداث انشقاقات داخلية بشكل مختصر كالتالي: فلو نال بلير جنيهاً واحدا عن كل مرة يقول فيها الناس له انه سوف يخسر تصويتاً برلمانياً او ان اعضاء مجلس الوزراء سوف يتخلون عنه لأصبح شخصاً ثرياً للغاية وبعد كل ذلك ظللت السيدة شورت في مجلس الوزراء خلال قصف العراق عام 1998 وخلال العملية التي قادتها اميركا ضد افغانستان. ان الامر لن يحدث في اغلب الاحتمالات ولكن حتى لو حدث ان استقالت شورت وعدد آخر من الوزراء الصغار فإن بلير يقيم الموقف على اساس انه سوف يستطيع التعامل مع هذا المستوى من الضرر غير المباشر. ولكنه لا يستطيع ان يتعامل بلا مبالاة مع وزير المالية جوردون براون. فحتى الان يشبه براون القطة اللغز ماكافيتي حيث يغيب ويتميز بالهدوء عندما يتورط رئيس الوزراء في بعض المغامرات الخارجية التي سبق وان حكم براون بنفسه عليها بأنها غير حكيمة. وفي الوقت الذي لا يتقدم فيه براون بالدعم فإنه حتى الآن لم يتخذ موقفاً عدائياً على الرغم من انه صرح ان معالجة بلير للموقف «حماسية» لحد ما وتغلب عليها العاطفة. ان الصعوبة الحقيقية لا تكمن في تقديم الاستقالات ولكن تكمن فيما اذا استخدم محور «براون ـ شورت ـ كوك» القوة التي يمنحه اياها الشعب وحزب متشكك لمقاومة السياسة العامة للبلاد. مثل ذلك الموقف ان حدث سوف يترك بلير في الموقف نفسه الذي وجد هارولد ويلسون نفسه فيه اثناء حرب فيتنام في الستينيات وهو الموقف الذي كان فيه ويلسون قادراً على تقديم غطاء دبلوماسي للرئيس الاميركي ولكن من دون اي مشاركة للقوات البريطانية في الحرب. ربما لا تحدث حرب اخرى ضد العراق اذا ما استمر تناقص الدعم الذي تناله تلك الحرب داخل الادارة الاميركية والحزب الجمهوري ولكن اذاحدثت تلك الحرب واذا وجد بلير نفسه غير قادر على دعمها بالشكل السليم فإن هذا سيؤدي الى تدمير علاقته بالرئيس الاميركي جورج بوش وسيؤدي الامر ببلير الى ان يصبح في موقف ضعيف يتعذر الدفاع عنه فلا عليك اذن يا كلير شورت، فالمرء يمكن ان يتساءل هنا: وما هي ثوابت توني بلير؟ ترجمة: حاتم حسين عن« اوبزرفر»