يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. كثيراً ما قورن حال الثورة الفلسطينية بحال العنقاء الأسطورية، هذه التي تحترق ثم تنبعث من رمادها مرّة تلو أخرى. إنه تشبيه لا يفتقر إلى ما يسوّغه. لكن، إذا شئت الدقة، فإن وهج الثورة لم ينطفئ بتمامه وهي لم تتحول كلها إلى رماد في أي مرة فهي، إذن، عنقاء من نوع خاص، تحطّ أو تصعد حسب تبدل الأحوال وتظل حيّة في كل حال. والحال التي أعقبت سبتمبر 1970 ويوليو 1971، حفرت منحدراً أُريد للمقاومة الفلسطينية أن تنحدر فيه. إلا أن في الأغوار هي الأخرى ذرى. وقد لا تبدو ذرى الأغوار شامخة، غير أن التشبث بها يعكس إرادة الصعود ويُبقي توقدها، فيظل من الممكن توفير الإحساس بالسموّ والتحليق أعلى فأعلى. لم تتوقف، إذن، محاولات الصعود. صحيح أن هذه المحاولات لم تسر كلها في خطوط مستقيمة أو لم تستخدم وسائل ناجعة. لكن، صحيح، أيضاً، أن مداومة العزم على مقاومة الانحدار انطوت على الرغبة في اكتشاف الوسائل الأنجع وتلمس الاتجاه الأصوب. فالتوجه إلى العنف، بما هو تعبير عن اليأس والإحباط زامنه التوجه نحو الواقعية السياسية، وهو ما عبر عن بقاء الأمل في الخلاص.لم يتمايز التوجهان دفعة واحدة، بل بقي الاختلاط في مواقع كثيرة. لكن عدد الذين أيّدوا صياغة أهداف ممكنة التحقيق ظل في ازدياد. حتى العنف وُجد بين المنهمكين فيه والمؤيدين له من تصوروا أنه وسيلة للضغط على إسرائيل وحلفائها كي يتراجعوا عن التعنت ويقبلوا المساومة، تماماً كما وجد بين الداعين إلى التسوية من اعتقدوا أن الحديث عنها مفيد في تزيين العمل الذي يستهدف القضاء على إسرائيل. ولعلي لا أجانب أي صواب لو قلت لك إن شخصية الشخص الواحد انطوت على التباينات كلها. وقد عرفت كثيرين انهمكوا في المقاومة المسلحة ضد إسرائيل وتحمسوا للعنف وحثّوا على تنشيط الجهد السياسي في آن واحد. وأنا لا أجانب الصواب أبداً إذا قلت إن ياسر عرفات بالذات مثّل هذا كلّه كما مثل بالطبع غيره، مما هو أيضاً متباين. فقد رعى أبو عمار نشاط سبتمبر الأسود كما رعى العمليات المسلحة الموجهة ضد الاحتلال وظل داعية عالي الصوت لتحرير فلسطين، لكنه وسع العلاقات مع مصر التي تمحورت سياستها حول قرار التسوية السياسية، القرار 242، وبذل جهداً سرياً وعلنياً لإقامة علاقات مع الاتحاد السوفييتي أشدّ المتحمسين لتطبيق هذا القرار. ورعى الفلسطينيين الداعين علناً إلى التسوية حتى وهو يعلن اختلافه معهم، وحماهم. وتحدى أبو عمار متزمتي «فتح» وأصر على أن يتمثل الشيوعيون الفلسطينيون في المجلس الوطني. وفي مجالسه، كان عرفات يكرر: «يا ليت !»، يقولها إن دار الحديث على تحرير فلسطين كلها، ويقولها، أيضاً، إن دار على استعادة جزء منها، ويقولها، أيضاً وأيضاً، حين يخلط الحديث بين هذا وذاك ويعدّ استعادة بعض فلسطين خطوة نحو تحريرها كلها.ومنذ عودتي إلى دمشق، عدت إلى سيرتي المألوفة فيها: الانهماك في المشاغل وقد صار جلّها فلسطينياً، طيلة النهار، ومصاحبة صغيراتي أول المساء، والسهر مع الشلة، مع نبيه ارشيدات وحنّا مينه ومنير الحمارنة وسعيد مراد وسعيد حورانية الذي رجع من موسكو، بقية المساء إلى ما بعد منتصف الليل والتمتع بحوارات الشلة ومسامراتها والاستفادة منها. وزاد تواتر سفراتي إلى بيروت، حيث استقر مركز الثقل السياسي والعسكري الفلسطيني. وقد كانت أنباء العمليات الخارجية (أقرأ غالباً: الإرهابية) هي الطاغية على أي اهتمام. وكما يحدث إزاء الأعمال الصارخة، غطت هذه الأنباء على أنباء عمليات بطولية حقيقية وفعالة نفذها المقاومون في الأرض المحتلّة. ولأن معارضتي للعنف كانت حازمة لا يعتريها أي وهن، فقد وجدتني أجدّف في دوامة لا ترحم. وفي غضون ذلك، لم أنقطع عن زيارة القاهرة، بل ظللت أجيء إلى أم الدنيا هذه مرة كل شهر أو اثنين، أو كل ثلاثة شهور على أبعد تقدير. وحين لا تتوفر المناسبة الملائمة، كنت أتصيد المناسبات تصيداً أو أجيء إلى المدينة التي أحببتها حتى بدون مناسبة. وقد كنت في بيروت يوم ارتهنت مجموعة تنتسب إلى سبتمبر الأسود الوفد الرياضي الإسرائيلي إلى أولمبياد 1972 في ميونيخ في ألمانيا الفيدرالية. وأوصلت هذه العملية سخطي على العمليات الخارجية إلى ذروته، حتى لقد كدت أفقد صوابي. تصور مخططو العملية أنهم وقعوا على صيد ثمين في مناسبة تتركز عليها الأفكار فبإمكانهم، إذن، أن يجتذبوا أشد الانتباه. أما أنا فأخذت على هؤلاء، زيادة على المآخذ المألوفة، تقصدهم هذا الصيد بالذات في هذه المناسبة بالذات. ولم أتصور أن الغباء يمكن أن يقود إلى ما هو أسوأ من هذا: أصحاب قضية عادلة يريدون أن يجتذبوا الانتباه إلى قضيتهم فيهاجمون نجوم رياضة في أولمبياد عالمي ويعرضون أنفسهم لفضيحة قاسية أمام أعين المشاهدين الذين يتابعون شاشات كل تلفزيون في كل مكان في العالم !ونادراً ما سخطت على أي من ناس ربعي في أي مرة بمقدار ما سخطت هذه المرة. وسخطي هو الذي حملني على أن أكتب ضد عملية ميونيخ هذه بقسوة شديدة. ولعلي كنت بين ناس المقاومة الوحيد الذي نشر رأيه ضد العملية. وأظن أنني الوحيد الذي عارضها بمثل هذه القسوة. وقد يدهشك أني نشرت رأيي في مجلة «إلى الأمام» أعلى مجلات الرفض الفلسطيني صوتاً وأشدها حماساً في الحثّ على العمليات التي من نوع عملية ميونيخ. أما كيف توفرت لي هذه الفرصة فلهذا حكاية يجدر أن أرويها. فقد كان رئيس تحرير المجلة هو فضل شرورو، وكان كما صرت تعرف، من أصدقائي، وهو المسئول عن الإعلام في قيادة جبهة التحرير الفلسطينية التي استقلّت ثانية عن الجبهة الشعبية. وصار اسمها الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، والمجلة هي الناطقة باسم هذه الجبهة. وكثيراً ما حثني فضل هذا على الكتابة لمجلته. وكنت أزوغ بدعوى أنهم في جبهته لا يحتملون آرائي. وفي تلك الزيارة لبيروت، وفيما أنا دائب أبثّ آرائي ضد العملية ولا أجد من يجرؤون على نشرها، لقيني فضل وكرر دعوته إياي إلى الكتابة، فتحديته بما أعرف أنه يثير حميته: «سوف أكتب إن تيقنت من أنك تجرؤ على نشر ما أكتب». واستجاب صاحبي للتحدي: «من يدك إلى المطبعة، بلا أي تدخل». وهكذا، كتبت أنا ونشر هو. وفي واحد من المقالات، قلت إن اللجوء إلى «الإرهاب» هو سلوك اليائسين. وشددت على أن ليس من حق اليائس أن يتصدى لقيادة شعب ويسيء إلى سمعته وقضيته. وقد جعلت للمقال هذا العنوان الذي يلخص فحواه: اليائس يذهبُ إلى بيته. وعندما وصلت المجلة التي فيها هذا المقال إلى من يهتم بها في القاهرة، كنت أنا قد جئت إليها. هنا، دعاني أبو إياد إلى الالتقاء به في مقهى في ميدان العتبة، ألف أن يدعوني إليه كلما شاء أن يلقاني خارج مقرّات العمل. لم يكن أبو إياد قد نسي تكتمي على مصدر معرفتي بحكاية كمال عدوان والأسلحة التي نقلت إلى جماعة الهادي المهدي في جزيرة آبا في السودان، فكان لايزال عاتباً عليّ. وقد تحدث الرجل عن مقالي، أنا المزدهي بتجذيفي ضد التيار، بنبرة بدت لي غير لائقة. وعندما حذّرني أبو إياد من أنني أجلب لنفسي المتاعب وأجازف بالتعرض للخطر، عددت أنا تحذيره لي إنذاراً، فقد كان هو من يصفه الإعلام بأنه قائد سبتمبر الأسود، وثرت في وجهه: «لست أنا ممن يخشون التهديد حين يتعلق الأمر بالحاجة إلى الجهر بما أرى أنه صواب».سأدرك بعد أن أهدأ أن الرجل لم يهددني بل شاء أن يلين معارضتي القاسية لنشاط له هو صلة به. ولكن تأذي من كلام أسأت فهمه نفع على كل حال. ففي حرصه على إعلان تقديره إياي ومحبته أقسم أبو إياد قسماً طالما انتفعت به ما دام هو حيّاً: «سأعمل على حمايتك حتى لو اتخذت مواقف لا أرضى عنها». والحاصل أن أبا إياد لم يحمني في ذلك الظرف فقط، بل في كل ظرف مماثل.في هذه الفترة، انهمكت في العمل الجاري لتأسيس الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، أو تجديد تأسيسه. فقد سبق أن تأسس اتحاد للكتاب، دون الصحافيين، في غزة في العام 1966، في عهد رئاسة الشقيري لمنظمة التحرير وبتأييد منها. لكن عضوية هذا الاتحاد الذي ترأسه المترجم الشهير خيري حماد اقتصرت على عدد محدود، وظلت فعالياته محدودة هي الأخرى وتضاءلت بعد التبديل الذي طرأ على قيادة «م. ت. ف».وفي العام 1969، مع البروز الكبير للعمل الفدائي وتوسع نشاط الحركة الوطنية الفلسطينية، برزت فكرة توسيع الاتحاد وضم الصحافيين إليه. إلا أن التطورات العاصفة التي صرت تعرفها أرجأت تنفيذ الفكرة. وقد انتعشت الفكرة من جديد في العام 1972، انتعشت مع اشتداد المواجهة الفلسطينية لمشروع المملكة العربية المتحدة وتقوّي الميل إلى إبراز الكيان الفلسطيني المستقل.وفي صيف هذا العام، تشكلت لجنة تحضيرية عامة رئيسها كمال ناصر وفيها غسان كنفاني من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وماجد أبو شرار وناجي علوش من «فتح» وآخرون. وقد استشهد غسان بعد وقت قصير من تشكيل اللجنة؛ أودت بحياة السياسي والأديب المشهور قنبلة فجرت سيارته في بيروت وهو داخلها ومعه طفلة هي ابنة أخته.واستقر في الأذهان أن عملاء الموساد الإسرائيلي هم الذين اغتالوا غسان على هذا النحو الناجع. وحفز استشهاد غسان روح التحدي لدى حملة الأقلام فانتعش العمل لتأسيس الاتحاد الكبير الجامع.في سياق هذا العمل، أَوكلت لي ولأنيس الخطيب وآخرين نسيت الآن أسماءهم مهمة تسجيل الأعضاء المقيمين في سوريا. ولا بدّ من أنك حزرت أن هذا العمل فتح ميداناً آخر للتنافس بين الفصائل الفلسطينية. ولما كانت «فتح» هي الأكبر، فقد حرصت كالعادة على الاستئثار بالحصة الكبرى. ولما لم يكن بين أعضاء «فتح» العدد الكافي من الكتاب والصحافيين الممارسين حقاً لتوفير أغلبية كبيرة لها، فما أكثر ما جرى تنسيب من ليسوا كتاباً أو صحافيين ليستوفي العدد اللازم. حتى لقد جاء إلى أنيس من فصيله مرة ثلاثون طلب انتساب دفعة واحدة وليس بينها طلب واحد لكاتب أو صحافي نعرفه أو نسمع باسمه. وكانت هذه الطلبات جميعها مكتوبة بخط يد واحدة على ورق من نوع واحد وقد أُضيف إلى الأسماء جميعها صفة واحدة: طالب وله ميول أدبية. وجاء أنيس إليّ بالأوراق وهو بادي التحرج، و«فتح» هي «فتح» وليس أقلّ من هذا، وهو ملزم بتنفيذ مشيئتها. ولأن أنيس ينفر من التزوير فقد استند إلى تشددي. ولكم تندرنا بغباء الذي اقترف هذا التزوير الساذج!ولإن أفلحنا في دمشق في التقليل من التزوير فإن أمثالنا لم يفلحوا بالمدار ذاته في كل مكان. وفي المحصلة، اتفقت قيادات الفصائل على تحديد عدد أعضاء المؤتمر التأسيسي بثلاثمائة وثلاثين وتوزيع الحصص. وخُولت كل قيادة بأن تبعث إلى المؤتمر عدداً من الأعضاء يساوي الحصة المخصصة لفصيلها في الاتفاق، بصرف النظر عن صلة هؤلاء الأعضاء بالقلم. وزاد الموكلون بعقد المؤتمر أعداداً أخرى، كل حسب مزاجه ومصلحته ودرجة نفوذه. وعندما انعقد المؤتمر، جاء كتاب وقراء، بل جاء أيضاً من ليسوا كتاباً أو قرّاء. ولقد رأيت بأم عيني صبّاب قهوة في مكتب تابع لأحد الفصائل وهو يعلق على صدره بطاقة العضوية ويصول ويجول. وأظن أنني أنا الذي ألف الطرفة التي عكست واقع الحال: وصل إلى قاعة جمال عبد الناصر في الجامعة العربية في بيروت حيث انعقد المؤتمر رجلٌ بادي المهابة. واستوقف الموكلون بتدقيق العضوية الرجل وسألوه عن اسمه فقال: أبو الطيب المتنبي. وكان هذا اسماً للشاعر الذي لا ينبغي لأي عربي أن يجهله. إلا أن مستوقفي الرجل سألوه: «إلى أي فصيل ينتمي الأخ، بلا صغرة». والاستهتار بكل قواعد العمل التنظيمي عاينته في المناقشات التي جرت حول مشروع النظام الداخلي للاتحاد. لا يتسع المجال هنا لرواية الكثير، فلأرو لك حكاية واحدة دالّة، فقد وقع في اللجنة التي عنيت بالانضمام إليها خلاف حاد حول بند من بنود شروط العضوية. أراد نصف أعضاء اللجنة أن يكون لأي كاتب أو صحافي أردني حق في العضوية مساو لنظيرهما الفلسطيني. وأراد نصف الأعضاء الآخر أن يكون للأردني الذي ينشط في مؤسسات الثورة الفلسطينية، وحده، هذا الحق فيتساوى الأردني بهذا مع العرب الآخرين. ومع امتداد الجدل، برز خالد أبو خالد في مقدمة النصف الأول، وتقدمت أنا النصف الثاني. وقد اشتدّ الجدل واحتدّ دون أن تتوصل اللجنة إلى اتفاق. كنت أستند إلى منطق يصعب دحضه بالمنطق. واستند خالد إلى حماس يصعب إطفاؤه. وهكذا، انتقل الخلاف إلى جلسة المؤتمر العامة وفيها ارتجل خالد خطبة لاهبة وقال بين ما قاله إن الذين يميزون بين الفلسطيني والأردني هم عملاء الامبريالية والصهيونية والرجعية، ولم يقل ما هو أقلّ من هذا. وحظي خالد بتأييد المحاضرين الذي عبّروا عنه بتصفيق صاخب ومتصل. وكان بين من صفّقوا لخالد نفر من الذين أيّدوا رأيي أثناء النقاش في اللجنة. لكن أخطر ما جرى وقع عندما أظهر فرز الأصوات وهو مشرف على نهايته أن ممثل الصاعقة في قائمة الوحدة الوطنية لم يظفر بما يكفي من الأصوات لإنجاحه. وقد اعتقدت قيادة الصاعقة أن هذه النتيجة تؤكد على أن «فتح» غدرت بحليفتها الصاعقة. ووضع زهير محسن مسلحي فصيله في حالة استنفار وهدد بالويل والثبور، وعظائم الأمور، أيضاً. وبدا أن الوحدة الوطنية، هذه التي كانت ضرورية ضرورة حياة أو موت، مهددة بخطر لعلعة الرصاص.جاءني كمال ناصر وهو يرتعش من الحنق وروى لي ما جرى خارج المؤتمر، وقال: «أنت، يا صوت العقل، خلّ العقل يدبرها مع هؤلاء المجانين !». وكان أول ما اقترحته أن نوقف فرز الأصوات حتى نتجنب إعلان النتيجة قبل الاهتداء إلى حل يحقن الدماء المهددة بالهدر، وقبل كمال الاقتراح. كان ضيف المؤتمر، الصحافي المصري إبراهيم عامر هو من أوكلت إليه رئاسة لجنة الفرز، فجئت إليه باقتراحي وشرحت المسوغات بمقدار ما أسعفني التعجل والحرج. إلا أن الرجل رفض، ثم كرر الرفض حتى عندما جاء إليه كمال ناصر بنفسه. وتمّ الفرز فاتضح أن ممثل الصاعقة لم يفشل فحسب، بل إن ترتيبه جاء الرابع وليس الأول، بعد آخر الناجحين. فاستفحلت الأزمة واشتدت النذر. أما الحلّ فقد ابتكره غيري ولم يكن للعقل أو صوته دخلٌ فيه: ضُغط على أحد الناجحين حتى استقال فحل محلّه الأول في الفاشلين، ثم ضغط على هذا، وتكررت العملية إلى أن صار ممثل الصاعقة عضواً في الأمانة العامة.وبهذا المؤتمر، توفرت لرشاد أبو شاور فرصة جديدة كي يهاجمني. فقد كنت واحداً من قليلين اعترضوا على شعار المؤتمر الذي صار شعاراً للاتحاد: «بالدم نكتب لفلسطين». رأيت أن من المعيب تبني مثل هذا الشعار، واعترضت. وعقّب معين بسيسو: «يكتبون بالدم لأنهم لا يعرفون كيف يكتبون بالحبر» أما رشاد المفتون بالشعار الدامي فهاجمني على أساس أني أرفض الشعار لأني أكره الدم، وعدّ كرهي للدم نقيصة. وفي دمشق التي رجعت إليها مساء يوم انتهاء المؤتمر، رن جرس الهاتف في منزلي في صباح اليوم التالي وجاءت الدعوة المألوفة: «الختيار يريدك على الفطور معه». وكانت في الانتظار مهمة عرضها أبو عمار وشرح دوافعه إلى ندبي أنا بالذات لها: «تكون بجانب جمال الصوراني حتى لا تضيع الفرصة». ولم أكن بحاجة إلى تشجيع، فالسفر إلى القاهرة يسعدني أياً ما كانت عليه طبيعة أي مهمة. كان على جدول أعمال جامعة الدول العربية مذكرة تطلب إنشاء صندوق عربي للشهداء الفلسطينيين تساهم كل دولة عربية في رأسماله بنسبة مساهمتها في ميزانية الجامعة وتديره هيئة مستقلة. وكانت اتصالات واسعة قد جرت لتوفير الموافقات اللازمة. وقد اتضح أن الجزائر تتصدر المؤيدين فيما تصدرت السعودية المعارضين، وصار اجتماع مجلس الجامعة الذي نُدبت إلى المشاركة فيه أن يحسم الخلافات. كانت السعودية تقدم للفلسطينيين معونات متعددة الأشكال وكثيرة، وكانت تقدمها إليهم، إلى من تختاره هي منهم أو من فصائلهم، مباشرة ووفق الأحوال وتُفضّل هذا الاسلوب. ومن هنا، جاء اعتراض السعودية على تأسيس صندوق دائم الاشتراك فيه ثابت وملزم. وكان محمود رياض، الأمين العام لجامعة الدول العربية، قد وعد باستخدام ثقله كلّه لإنجاح المشروع الحيوي للفلسطينيين وتعهد أن يلين اعتراض المعترضين. وفي الاجتماع، جلسنا، سعيد كمال زميلي في الدائرة السياسية وأنا، وراء جمال الصوراني رئيس وفد «م. ت. ف». بوصفنا عضوين في الوفد، وقدّم محمود رياض للموضوع تقديماً طيباً، ثم تكلم مندوب الجزائر، وكان هذا إنساناً بادي النباهة، وشاء، هو المتحمس للموضوع، أن يسحب البساط من تحت أقدام المعارضين، فراح يعدد ما يمكن أن يورده هؤلاء من انتقادات ليردّ عليها ويفندها. هذه المناورة المألوفة، بل البارعة، فات مغزاها على رئيس وفدنا. وظن الصوراني أن المندوب الجزائري يشكك في سلامة المشروع، فاستاء، وتابع الاستماع إلى الحديث وهو أسير الانفعال، فتفاقم سوء الفهم مع إمعان الجزائري في استعراض الانتقادات. وعندما قال الجزائري إن من الممكن أن تُستخدم أموال الصندوق لغير الغرض الذي رُصدت له، وقبل أن يفند حجة المعترضين هذه، جلجل صوت الصوراني: «كرامةُ شهدائنا أعزّ علينا من حفنة فلوس تدفعونها، واللّه هو المغني، لا نريد فلوسكم».وطلب جمال الذي سيطر سخطه عليه وقف النقاش وسحب الموضوع من جدول الأعمال. وما أعجل ما أيّد المندوب السعودي هذا الطلب ! ولم تفلح محاولات محمود رياض استبقاء الموضوع ومواصلة النقاش حوله. فقد تفنن الصوراني الذي لم يهدأ سخطه في عرض الأسانيد التي تظهر أن «م. ت. ف». هي صاحبة المشروع ومن حقها، إذن، سحبه. وفي مجلسي خلف رئيس الوفد، حيث لا يحق لي الكلام، لم أملك أن أفعل شيئاً. جمال الصوراني ذاته، علق في الاجتماع في نقاش غريب مع د. سيّد نوفل الأمين العام المساعد للجامعة. فقد ساق الحديث عن الشأن الفلسطيني د. سيّد إلى التنويه بقداسة فلسطين، وذكّر في سياق هذا الحديث بأن السيد المسيح ولد في «بيت لحم». ولدهشة الجميع، هدر في القاعة اعتراض: «هذا حكي مش مضبوط» وكان الصوراني هو المعترض. ولم يدرك د. سيد ما الذي يعترض عليه رئيس وفد فلسطين، أهو القول بقداسة فلسطين أم القول بأن السيد المسيح ولد في بيت لحم، فتساءل بهدوء: «إيه الحكاية؟». فابتسم الصوراني ابتسامة الواثق بأن لديه ما يدهش: «إسمع يا سيدي ! ألم يقل القرآن الكريم: «وهزّي إليك بجذع النخلة تسّاقط عليك رطباً جنيّاً». فأقر د. سيد بأن نعم. واتسعت الابتسامة على وجه الصوراني وهو يسأل وكأنه استدرج مناظره إلى فخّ: «طيّب، هي بيت لحم فيها نخيل ؟ !». وقبل أن يفوه د. سيّد بشيء، تابع الصوراني وهو يوجه خطابه إلى الحاضرين كلهم: «أين يوجد النخيل في فلسطين ؟»، وقبل أن يرد أيما أحد على السؤال، وصل الصوراني إلى بيت قصيده، وهتف بنبرة الظافر: «في غزة !».في هذه الزيارة أيضاً، كرر أبو إياد محاولة استقصاء مصدر حكاية كمال عدوان والأسلحة. كان القائد الفتحاوي قد التقى الرئيس السوداني مؤخراً وكان هذا قد كرر العتاب. وتشبثت بالسر ليس لأنه مما ينبغي إخفاؤه على مسئول الأمن الفلسطيني، بل لأني لم أشأ أن تصير عادة فأصير مطالباً بكشف مصادري كل مرة. ثم إن سخطي على العمليات الترويعية كان لا يزال على حاله، بل إنه اشتد.فهذه العمليات كانت قد تحولت إلى موجة عمياء كاسحة وصارت أقرب ما يكون إلى موضة انتشرت كما ينتشر وباء. وإذا ظلت البلاغات حافلة بالذرائع التي صرت تعرفها، فقد كنت أعرف ذرائع لا تتحدث عنها أي بلاغات وكان كثير منها قبيحاً، أقبح من الذرائع المعلنة. ولم تعد الهجمات تستهدف مصالح إسرائيلية أو أميركية أو ما يمكن نسبته إليها، فحسب، بل اتسعت دائرة الأهداف، ثم صار المهاجمون يخبطون خبط عشواء ويتصيدون أي فرصة سانحة. ولم تقتصر الدوافع على الانتقام المتسربل بنوازع وطنية، بل امتزجت بها روح متاجرة بغيضة، خصوصاً حين كانت فصائل صغيرة هي التي تشن الهجمات. وقد شنّت هجمات ليس لها هدف سوى الابتزاز. وها أنا ذا أتذكر واقعة رواها لي أحد المشاركين فيها. فقد استخدمت فتاة منتمية إلى أحد الفصائل لابتزاز عربي واسع الثراء. كان الثريّ في إجازة للمتعة على أحد شواطئ إسبانيا فتقربت الفتاة منه وأغوته. وما أن صار الغاوي ومغويته في السرير في الفندق حتى اقتحم الحجرة أقرباء مزعومون للفتاة وهم مسلحون وهددوا الرجل المرعوب بالفضيحة والانتقام. ثم رضي الرجل بالطبع أن يشتري الستر والسلامة ببضعة ملايين. في يناير 1973، جئت إلى القاهرة لحضور دورة جديدة للمجلس الوطني. كنّا في إبّان الشتاء وبرده. إلا أن الجدل بين تيار الرافضين وتيار غير الرافضين ظل ساخناً. وأمكن أن يسجل كل فريق نقاطاً لصالحه دون أن يُحسم الجدل. وفي هذه الدورة، فقد خالد الحسن منصبه في قيادة «م. ت. ف». فلم يعد رئيساً لدائرتها السياسية. وصار لي رئيس جديد هو محمد يوسف النجار «أبو يوسف». وكان هذا معدوداً من قادة «فتح» النافذين، وقد تولى عدداً من المسئوليات السرية ومنها الإشراف على بعض العمليات الخارجية. وكان غريباً، بالنسبة لي، أن توكل رئاسة الدائرة التي هي بمثابة وزارة خارجية إلى رجل العمل السري هذا، والواقع أن اختياره للمنصب صدمني. غير أني ألفت بمضيّ الوقت غرائب «فتح» والعجائب التي تجيء بها المنافسات العلنية أو المستترة بين قادتها. ووطدت نفسي على الاستمرار في العمل مع رئيس الدائرة الجديد، ذلك أنه كان، بصرف النظر عن ملاحظاتي، رجلاً يمكن الركون إليه. وما أن عدت إلى دمشق حتى وصل استدعاء من رئيس الدائرة الجديد يطلب أن ننضمّ إليه، عبد الرزاق وأبو سلمى وأنا، في اجتماع يعقده معنا في بيروت. وفي الاجتماع، قال أبو يوسف إن سلفه خالد الحسن قد زكاني لديه ووصفني بأني من الذين يمكن الاعتماد عليهم. وطلب أبو يوسف أن أنتقل إلى بيروت لأنه يريدني قريباً منه. هذا الطلب، وقد وضع بصيغة فيها تكريم لي، أحرجتني. فأنا لا أحبّ الإقامة في بيروت، ولا أرغب في أن أصير لصيقاً برجل يشرف على نشاطات لا أقرّها. ثم إن الراتب الذي أحصل عليه لا يكفي لإعالة أسرتي إن نقلتها إلى حيث الغلاء الفاحش وأكلاف المدارس المرتفعة. وفي محاولة التملص، ألمحت إلى الهمّ المالي وحده. فقال أبو يوسف: «هذه بسيطة». وأدركت مغزى القول. فهي بسيطة حقاً عند «فتح» وستتكرر العروض التي رفضتها دوماً. وشئت أن لا أترك الأمر ملتبساً: «ألتزم قاعدة لا أحيد عنها. أرفض أن أتقاضى مالاً من أي فصيل». وتدخل عبد الرزاق الراغب في بقائي معه في دمشق: «هكذا هو صديقنا، فلا تجادله !». ويبدو أن رفضي الذي سبق حتى تقديم العرض قد ساء الذي لم يألف أن تُرفض عروض المعونة. وربما ظن أبو يوسف أني لا أتشبث بهذه الذريعة إلا لأني أرفض الانتقال. وهو على أي حال لم يتراجع: «عليك، إذن، أن تتدبر أمرك بالراتب الذي تتقاضاه من م. ت. ف.».. إلا أني لم أستسلم للتوّ: «ليقل لي أحد كيف يمكن أن تغطي سبعمائة ليرة لبنانية نفقاتي ونفقات الأسرة في بيروت دون أن أحتاج إلى قبول ما يثقل على ضميري. لكن الرجل المستاء لم يستسلم، هو الآخر: «الواجب يفرض أن تكون هنا، نحن في ثورة يجازف الناس فيها بأرواحهم، اتّبع ضميرك كما تشاء !». وعندها، استسلمت.اتبعت ما طلبه رئيس الدائرة. واتبعت كذلك ضميري واهتديت إلى تدبير لا يوجعه: تبقى الأسرة في دمشق حيث إيجار الشقة وأكلاف المعيشة المنخفضة ومدارس بناتي المجانية، وأتدبر أنا في بيروت أمر طعامي بأقل نفقة وأبيت في مقرّ الدائرة. وانفض الاجتماع، على أن ينعقد اجتماع آخر بعد أيام وأجيء أنا إليه ثم أبقى.وعندما غادرنا الاجتماع وصحبت رئيس الدائرة، رجل العمل السري، إلى حيث تقف سيارته، لاحظت كيف وقف هو أمام المبنى ليحاور أشخاصاً كثيرين من طلاب الحاجات. ولم أملك أن أكتم دهشتي: «تتولى ما أعلمه، وتتصرف كأنك محام في بلد مستقر، وتغفل المخاطر». كنت أشير بهذا إلى وقوفه دون حراسة في الساحة المكشوفة لأي مترصد، في الشارع المكتظ بالسيارات والمارة، وإطالته الوقوف دون حذر.وها أنا ذا أتذكر كلمات محمد يوسف النجار وهو يفسر لي بقاءه بغير حراسة، أتذكرها لأنها كانت آخر ما سمعته منه: «هل يرضيك أن يقول الناس عنّي إني أهاب الموت فأحيط نفسي بالحراس !؟».وفي يوم الاجتماع، نهضت من نومي مبكراً إذ كان علي أن أبرح دمشق وأبلغ بيروت في الموعد، في العاشرة صباحاً. وتعجلت إعداد نفسي للسفر. وفيما أنا منصرف إلى حلاقة ذقني: داهمني النبأ الذي بثته إذاعة إسرائيل في أول نشراتها الإخبارية: داهمت وحدة كوماندوس إسرائيلية تسللت إلى بيروت في الليل منازل ثلاثة قادة فلسطينيين: كمال ناصر، وكمال عدوان، ومحمد يوسف النجار، وفتكت بهم. أسلمني النبأ إلى حالةٍ وَهَنَ فيها إحساسي بما أقول أو أفعل، واختفى ما يحيط بي. ولا أدري كيف وجدتني مع نبيه ارشيدات في سيارة عبداللّه البرقاوي صديقي رئيس شعبة مخابرات جيش التحرير الفلسطيني والسيارة متجهة إلى بيروت. وقد انتبهت إلى نفسي حين بدأنا ننحدر ناحية البحر والبحر ممتد أمامي. فداهمني الأسى. وهل كان للأسى في هذا الظرف إلا أن يكون عميقاً وموجعاً: كمال ناصر الذي لا مثيل له. وكمال عدوان الذي يرحل قبل أن تنصلح علاقتي به، أنا الذي حمّلت سلوكه ما لا يحمّله هو له. وأبو يوسف، هذا الذي بدأت أنجذب إليه لتوّي وأكتشف مزاياه. وعربدة القوة الإسرائيلية، والظلم، وعجز الضحايا عن الدفاع عن أنفسهم في بلاد الغربة. وفي بيروت، انداحت الحكايات حول عملية الاغتيال، فاستمعت إليها كما يستمع الناعس في حجرة إلى صخب أصحابه فيها. ولم أخرج كلية من ذهولي إلا حين سمعت قولاً قبيحاً صدمني. فقد قال ضيّق أفق أعرفه معرفة تامة إن ما جرى كان مؤامرةً تواطأ عليها بعض القادة الفلسطينيين لتصفية غيرهم. ففجّر هذا القول مخزن الضيق الذي يثقل على صدري، ووجدتني أصفع القائل صفعة دوّيها هو الذي أعاد إليّ صحوي. وأدركت أن انتمائي لناسي قويّ. وقد أنسى فواجع كثيرة. وقد يبهت تأثير أي فاجعة، إلا فجيعتي بكمال ناصر. كانوا قد صاروا يلقبونه الضمير ويخاطبونه بهذا اللقب. وكان هو يعتز باللقب الجليل. أما أنا فكنت في حياته أتندر باللقب الذي حلّ محل اسم الشاعر ولا آخذه على محمل الجدّ، أنا الذي ظللت أرى في كمال شاعراً، وأجد الشعر في قوله، وفي حركته، وفي سكونه، ولا أقرّ بأن ثمة لقباً أجلّ من لقب شاعر، دون أن أغفل أن كمال كان، إلى هذا، حقاً، ضمير الثورة. وقد اقتحم مغتالو الضمير حجرة نومه. وكان للحقد على الناطق الرسمي باسم «م. ت. ف» قبح الموت وقسوته فتعمد مغتالوه إطلاق النار على لسانه، اغتالوا لسان الضمير. ظل كمال يهاب الموت ويهجس به طيلة حياته، لكنه ظل يحوم دائماً حول النار ولا يبتعد عن مواقع الخطر إلا ليرجع إليها بأعجل ما يستطيع، حتى وهو يجهر بخشيته منه. الفراشة التي يجذبها ما يسلمها إلى حتفها، هذا هو ما كان كمال. لم يدع يوماً أنه شجاع، لكنه عاش كما يعيش أجرأ الشجعان. بطولة كمال كانت هي حياته ذاتها، وقد عاشها بطولها وعرضها، على امتداد الهم الفلسطيني والهموم العربية كلها. ولشدّ ما استخففت رواية الذين زعموا أن كمال ناصر قُتل وهو يطلق الرصاص على مهاجميه ! هل رأى أحدٌ فراشة تموت وهي تطلق الرصاص؟ سيسجل تاريخ الثورة الفلسطينية أن اغتيال القادة الثلاثة في بيروت شكل نقطة تحول في مسيرتها في لبنان. وقد شهدت بنفسي مظاهرة نصف المليون رجل وامرأة وقد تقدمها ممثلو الفعاليات السياسية اللبنانية كلهم وهي تطالب بتوفير الحماية للثورة الفلسطينية ضد عربدة القوة الإسرائيلية. وشهدت كيف تحوّل التعاطف الشعبي الكاسح مع الضحايا إلى رافعة. لقد انبعثت العنقاء مرة أخرى، كما في كل مرة.