خمسة اشهر تقريبا مرت منذ عملية السور الواقي، والتغيير الذي تمخض عنها في الحياة اليومية في الضفة الغربية أصبح ملموسا جدا. واذا كانت في المناطق ، قبل ذلك ضائقة بسبب قيود الحركة والاغلاقات والحصار فقد ازدادت حدة منذ العملية التي جددت الاحتلال العسكري في الضفة بدرجة ما. ما هي الفترة التي سيتمكن فيها السكان الفلسطينيون من الاستمرار في ذلك؟ من الصعب معرفة ذلك. غسان الخطيب وزير العمل في المجلس الوزاري الفلسطيني الجديد ركز في معرض حديثه عن الوضع في المناطق على مشكلة البطالة. وهو يقول ان نسبة العاطلين عن العمل في قوة العمل الفلسطينية ارتفع من 40 في المائة قبل خمسة اشهر الى 80 في المائة الآن. أي ان عدد العاطلين عن العمل تضاعف خلال فترة قصيرة. مثلما كان يحدث في الماضي سبب البطالة الأساسي الآن هو القيود المفروضة على الحركة والاغلاقات والحصار التي أصبحت أكثر تشددا، وأضيف اليها حظر التجول المتواصل المفروض على المدن المختلفة التي دخل جيش الدفاع اليها. الوضع في المدن يتغير كل الوقت. فنابلس مثلا كانت في اغلبية ايام الاسبوع الماضي خاضعة لحظر التجول والحياة فيها شلت تماما. وفي طولكرم وقلقيلية وجنين ومدن وبلدات اخرى كان حظر التجول جزئيا (في ساعات الليل عادة). أما في رام الله فلم يفرض حظر التجول منذ شهر، ومن يتجول في وسط المدينة يمكن ان يعتقد ان الحياة تسير فيها كالمعتاد تقريبا. لا أحد يعرف متى سيكون الاجتياح القادم للجيش الاسرائيلي، ومتى سيفرض حظر التجول، وهذا الوضع الغامض يشل الحياة الاقتصادية في واقع الامر. صحيفة الايام التي تصدر في رام الله نشرت في الآونة الاخيرة مقابلات مع عمال كسارات توقفت عن العمل في منطقة الضفة، ومع عمال أقيلوا من عملهم في مصانع الخياطة في نابلس، أصحاب الكسارات قرروا اغلاقها لانهم لم يكونوا قادرين على نقل الحجارة، فزبائنهم هم من المقاولين الفلسطينيين والاسرائيليين والدول العربية. الاوضاع الجديدة والقيود المترافقة تشل عمل هذه الكسارات. وفي مصانع الخياطة في نابلس التي تجهز الملابس للمحلات في «اسرائيل» يسود وضع مشابه حيث لم يعد هناك اقبال على البضائع الفلسطينية، إما بسبب الازمة الاقتصادية السائدة في اسرائيل أو بسبب استيراد بضاعة أرخص من الصين. في وسائل الاعلام الفلسطينية تنشر في الآونة الاخيرة تقارير ومعلومات قاسية حول الحالة الأقرب الى المجاعة في عدة اماكن في المناطق. المدارس في قطاع غزة تتحدث عن اتجاه واضح في صفوف الطلاب للتسرب من الدراسة. الأولاد من سن العاشرة فما فوق يتركون مقاعد الدراسة في محاولة منهم لكسب بضعة شواقل من خلال البيع في الشوارع. هؤلاء الفتيان يبيعون المارة والسائقين كل ما يلزمهم من ماء وأقلام وقداحات وسجائر، وبعضهم يقوم بغسل السيارة بصورة سريعة. القانون الفلسطيني يسمح بعمل الأحداث من سن الرابعة عشرة، الا ان أحدا لا يهتم لهذا القانون الآن. ففي عشرات مواقع العمل يعمل فتيان صغار اليوم بأجر يبلغ بضعة شواقل يوميا. وأطفال فلسطينيون كثيرون ينجحون في التسلل والعمل في اسرائيل، عادة في التجمعات السكانية العربية. في الآونة الاخيرة تحدثت وسائل الاعلام الفلسطينية عن حكاية صعبة لاطفال من مخيم جنين يعملون في الناصرة. مجموعة من الاطفال في سن 10ـ 15 سنة وعلى رأسهم الفتى باسم فراس الذي يبلغ من العمر 16 عاما اجتازوا الحدود بجانب أم الفحم ووصلوا الى الناصرة. هؤلاء الاولاد يبحثون عن اعمال في شوارع الناصرة.. عدد كبير من الناس يشفقون عليهم ويقدمون لهم المساعدة، ويقضون ساعات الليل بالنوم على سطح بناية مهجورة في المدينة. نحن لسنا متسولين نبحث عن الصدقات، وانما جئنا لعدم وجود طعام في جنين ولا مال ولا مدرسة قال شادي ابن الرابعة عشرة للصحيفة التي أجرت المقابلة معه. بعد ذلك رفع أكمامه وعرض على الصحفي شعار حماس الذي نقشه على يده وأضاف قائلا: «بعد ان أكسب بعض المال سأعود الى جنين وأنضم الى صفوف المقاتلين». وفي القدس ايضا، يمكنك ان تشاهد هؤلاء الصبية وهم يأتون في العادة من ضواحي الخليل. وحتى مدة غير بعيدة كانوا يتسكعون في الأحياء اليهودية في غربي المدينة ايضا. الا ان رجال الشرطة والحراسة يقومون بمنعهم من ذلك الآن، ولذلك يقتصر وجودهم على المناطق العربية. سعيد المدلل، مدير قسم التشغيل في وزارة العمل الفلسطينية يقول ان التقديرات التي توصل اليها مكتبه بعد الفحص في الضفة وغزة تفيد ان 30 ألف طفل فلسطيني تحت سن الرابعة عشرة لا يدرسون في المدارس ويبحثون عن عمل في الشوارع. عمل الاطفال بهذه الدرجة يؤثر على المجتمع كله، ذلك لان هؤلاء الاولاد يترعرعون وهم معرضون للأذى الجسدي والنفسي يقول المدلل. وفي تقرير المسئولين الفلسطينيين عن التعليم والذي يستند الى تقارير حول أوضاع مشابهة في العالم، جاء ان هؤلاء الاولاد الذين يترعرعون في الشوارع ويتقمصون لغته وسلوكه الدارج إنما يُعدون لحياة بائسة لاحقا. كيف ينجح سكان الضفة وغزة في كسب رزقهم بالرغم من ذلك؟، قوة العمل الفلسطينية في المناطق تبلغ 850 ألف نسمة (من بين السكان البالغ عددهم ثلاثة ملايين شخص)، وحوالي 150 ألفا منهم من موظفي السلطة والمؤسسات العامة (مثل البلديات). والسلطة تواصل دفع الرواتب الحكومية المتدنية لموظفيها. في اغلبية الاحوال يوجد تأخير في دفع الرواتب، وهي تدفع في العادة من المساعدات العربية والقروض والهبات الاوروبية. والسلطة الفلسطينية ما زالت تملك دخلا يأتيها من الشركات الحكومية (مثل احتكارات تسويق الوقود والاسمنت والسجائر). في الاسابيع الاخيرة أخذت اسرائيل تدفع لمالية السلطة الاموال المستحقة من الجمارك والضرائب والتي كانت قد جمدتها في بداية الانتفاضة. وحسب أوامر عرفات يقومون الآن بخصم 10 في المائة من رواتب كل موظف في السلطة لدعم العاطلين عن العمل. كل عاطل عن العمل يفترض ان يحصل على 500 شيكل شهريا من خلال النقابات العمالية التي يرأسها شاهر سعد في نابلس، وراسم البياري في غزة. ولكن الفوضى السائدة في هذا المجال كبيرة: النقابات العمالية لا تملك سجلات دقيقة للمستحقين، ولا توجد مبالغ كافية لتغطية الجميع، ولذلك تجري عملية الدفع كل ثلاثة ـ اربعة اشهر فقط. صحفي فلسطيني من نابلس وصف كيف تدافعت الناس بعد رفع حظر التجول الى مكاتب النقابات للحصول على رسوم البطالة، الا ان عددا قليلا منهم فقط استطاع ان يحصل عليها. في المناطق تعمل عدة منظمات خيرية تقوم بتوزيع الاغذية والاموال على الناس. هذه الجمعيات في الأساس هي اسلامية محلية واجنبية (من دول الخليج) وهناك ايضا جمعيات مسيحية من الدول الغربية ومؤسسات انسانية عالمية. وكالة غوث اللاجئين التابعة للامم المتحدة استأنفت عملية توزيع لأغذية بعد ان كانت قد قلصتها في السنوات السابقة. الصليب الاحمر ايضا شرع مؤخرا في توزيع كوبونات غذاء. الهدف هو مساعدة العائلات المحتاجة على شراء الأغذية من البقالات. التجار يقومون بصرف الكوبونات في مكاتب الصليب بعد ذلك. قيمة كل كوبون غذائي تبلغ 300 شيكل، عدد غير قليل من العائلات خصوصا في الضفة يحصلون على مساعدة مالية من الأقارب في الخارج. قبل حرب الخليج قدر اقتصاديون فلسطينيون ان 25 في المائة من المداخيل في الضفة وغزة تأتي من الاموال التي يبعثها الأقارب من الخارج. وبعد خروج الفلسطينيين من الكويت في عام 1991 هبط هذا الدخل. الصورة العامة هي اذا صورة سكان فلسطينيين يعيشون بشق الأنفس من التبرعات والصدقات. والرواتب الحكومية هي الاخرى يمكن ان تعتبر صدقة لان اغلبية المكاتب لا تعمل بالمرة. والامر الذي ينقذ هؤلاء السكان هو طريقة عيشهم التقليدية حيث يسود التكافل الاجتماعي الأسري العميق بينهم، اذ يتقاسم أبناء العائلة الممتدة الأرباح مع أقاربهم وبذلك ينجحون في الحفاظ على بقائهم. عن «يديعوت احرونوت»