لقد خضت أولى تجارب الدبلوماسية منذ سنوات طويلة وبالتحديد في عام 1950 عندما عملت في جنيف سكرتيراً للسفير روبرتو كوردوفا، العضو المكسيكي، في لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة حينذاك. وكان السيد كوردوفا أحد الدبلوماسيين الكبار المرموقين في الخارجية المكسيكية التي كانت في تلك الفترة تحتوي على نجوم يفوق عددها النجوم الموجودة في السماء. ذكريات نورمبرج طرأت على ذهني تلك الاحداث التي وقعت في تلك الفترة البعيدة لأن الموضوع الأساسي الذي كان يشغل كوردوفا ويشغل اللجنة كلها في عام 1951 هو شرعية العملية التي بدأتها القوات المنتصرة في الحرب الثانية ضد النازيين المنهزمين. كان النزاع واضحا فهل لمحكمة بأثر رجعي، أي محكمة اسست بعد ارتكاب الجرائم التي تنظر فيها، الحق في الحكم على افعال الماضي؟ ألم تخرق محكمة نورنبرج المبدأ الأساسي للقانون الدولي القائم منذ عهد الرومان والقائل بأنه لا جريمة ولا عقوبة من دون وجود قانون ينص عليها بشكل مسبق؟ أم ان الأمر على العكس من ذلك: ألم تعط حقيقة أن الجرائم التي تم الحكم بشأنها، من فضائح ومذابح، كانت معروفة من قبل الحرب على انها جرائم، محكمة نورمبرج شرعية كاملة لاصدار احكام في تلك القضايا؟ بأي حال من الأحوال، ألم تكن جرائم النظام النازي من الفظاعة ما جعل ارتكابها يبرر قيام محاكمة خاصة بها للحكم على نظام هتلر وكذلك على الأفراد الذين قاموا بارتكابها؟ إن المحرك الأساسي لمحكمة نورمبرج وتشريع جرائم الحرب عام 1945 كان الولايات المتحدة الأميركية. الصمت السوفييتي كان مفهوماً، وكان الطلب السوفييتي لقطع رؤوس قادة النظام النازي بمثابة غطاء لجرائم الزعيم الروسي ستالين. وفي الوقت نفسه، لم تسمح بريطانيا، بنوع من اللا مبالاة التامة، لأعمال هاريس، مدمر مدينة دريسدن والعقل المدبر وراء النصر الجوي للحلفاء والذي كانت خسائر، بريطانيا فيه تفوق خسائر ألمانيا، بأن تقلق ضميرها بأي شكل من الأشكال. وعلى النقيض، وصلت الولايات المتحدة الاميركية الى نورمبرج ثم الى لجنة القانون الدولي بوصفها حاملة راية التشريع الجنائي الدولي، والذي اصبح جزءا لا يتجزأ من نظام عالمي اسس بموجب ومن خلال القانون. وغير مبالية ولا متأثرة بما فعلته بهيروشيما، ظهرت أميركا بعد الحرب العالمية الثانية على السطح في صورة الضمير المشرق «للحرب الأخلاقية» التي تم الانتصار فيها بفضل اشتراكها ضد قوات المحور التي بالطبع تمثل قوى الشر وهي روما وبرلين وطوكيو. واصبحت الولايات المتحدة الداعم الاساسي لمنظمات دولية تقف بمثابة درع لايمكن الاستغناء عنه أمام تكرار مثل تلك الاحداث الفظيعة التي وقعت في الفترة من 1939 الى 1945. امبراطورية الشر جاءت الحرب الباردة لتخمد تلك الحماسة الدولية لاميركا، وجعلتها تحول اهتمامها بدرجة اكبر للنواحي الدفاعية. ففي مواجهة الكرملين، احتاجت واشنطن لحلفاء، سواء كانوا حلفاء بارادتهم مثل اوروبا الغربية الواقعة على حدود الكتلة السوفييتية أو حلفاء بالقوة، مثل اميركا اللاتينية التي اتخذت اتجاها موازيا للسياسة الاميركية المعادية للسوفييت. وقد وصف الرئيس الأميركي الاسبق رونالد ريجان الاتحاد السوفييتي السابق بأنه «امبراطورية الشر» وسواء كانت شرا ام خيرا، فإنها كانت امبراطورية بهيكل من طين تفككت مع سقوط سور برلين عام 1989. وأعلن الرئيس الاسبق جورج بوش وقتها أن عهد من «نظام عالمي جديد» أخذ في البدء، وهو نظام متعدد الاطراف به بمراكز قوى متعددة (الولايات المتحدة واوروبا واليابان والمحركات الاقصادية للنظام الجديد) ويتمتع خلاله القانون الدولي بسيادة تامة. لكن لم يكن الأمر كذلك، فاختفاء الخصم الذي يمكن مقارنته بأميركا، جعل الولايات التحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم. لقد كان الوعي الواضح لحدود القوة الامبرالية وحدود الحواجز القانونية ومعاملة الحلفاء بثقة واحترام السمة المميزة لرئاسة رجل دولة حقيقي واحد فقط وهو الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون. اما الآن، فقد اختفت فكرة وجود اي حدود للنزعة الفردية للبيت الابيض. وما من شيء يصور ويثبت هذا الامر افضل من الهجوم الذي تشنه الحكومة الاميركية على المحكمة الجنائية الدولية والتي اقيمت بموافقة الاغلبية العظمى للمجتمع الدولي، وهو الهجوم الذي اشار اليه كونتين بيل في صحيفة فاينانشيال تايمز، فتح باب «أخطر نزاع بين اوروبا واميركا بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر». الحاجة للمحكمة ان المحكمة الجنائية الدولية تأتي نتيجة التجارب المرعبة التي سيطرت على القرن العشرين: الخروقات الفظيعة لحقوق الاسان، المحرقة، جرائم ستالين، الطواغيت المتوحشة التي حكمت اميركا اللاتينية وافريقيا وآسيا، التمييز العنصري في جنوب افريقيا، الفظائع الاميركية في فيتنام، ومؤخراً جرائم الانسانية في رواندا ويوغسلافيا السابقة، ناهيك عما حدث في الشيشان. وكان المجتمع الدولي يتعامل مع تلك الجرائم منذ أحكام نورمبرج ولكن كان دائماً يبتعد عن المبدأ القائل بأن المحاكمات الجنائية مقصورة على القوانين الداخلية لكل دولة. وفقط عندما تتعلق تلك الجرائم بمواطنين من دولة ثالثة (مثل مقتل اسباني على يد ديكتاتور تشيلي) او عندما تتم الجرائم خارج اراضي دولة الجاني (مثل اغتيال الاشتراكي اتشيلي اورلاندو ليتليير في شوارع واشنطن على ايدي اتباع بينوشيه حينذاك فقط يأتي العمل القضائي من الخارج ضد شخص متهم من الخارج مثلما كان القاضي الأسباني بالتزار جارزون يعمل. ان المحكمة الجنائية الدولية تلتزم بشدة بعدد من المبادئ حتى في الجرائم المتعلقة بالولايات المتحدة الاميركية، حيث تنص قوانين المحكمة بشكل واضح على انه لن يتم التدخل في التشريعات الاميركية الداخلية او الحماية الممنوحة للجيش الاميركي. يمكنني ان ألخص تلك المبادئ كالتالي: ـ ان المحكمة الجنائية الدولية سوف تنظر فقط في «الاعمال الوحشية التي تنتشر على نطاق واسع والتي تتم بشكل منظم». ـ يتم النظر اولاً في تلك الجرائم من قبل السلطات المحلية. ـ تتحرك المحكمة فقط في حال رفضت المحاكم المحلية النظر في تلك الجرائم او عدم مقدرتها على ذلك. ـ يتم اختيار قضاة ومحامي المحكمة على أساس الكفاءة والحيادية وباعتبار ان اي محاكمة سياسية يمكن ان تخفي اي محاولات لعمليات ثأر او تغطي على عدم الكفاءة الداخلية لدولة ما، فإن الدول الموقعة لديها الحق في خلع اي قاض او مشرع غير محايد يعمل بالمحكمة. أميركا ضد العالم بهذه الطريقة فإن المحكمة توفر اقصى حد ممكن من الضمانات في نطاق مجموعة من القوانين للولايات المتحدة تلك القوة العظمى الوحيدة في العالم التي تختلف الآن بشكل كبير للغاية عن الصورة التي تخيلها بوش الأب مع نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد تسببت احداث سبتمبر في ايجاد منعطف جديد للعلاقات الدولية فبعد ان عانت من جرح عميق، تطالب الولايات المتحدة وتتلقى دعماً دولياً في معركتها ضد «الارهاب» وتتجاوب معها اوروبا عن طريق مساعدتها في افغانستان ولكن عندما تطلب اوروبا من اميركا دعم هيئة قانونية دولية يمكن ان تكون بمثابة سلاح ضد «الارهاب»، ترفض اميركا المشاركة. هنا يكمن الخطر هنا يكمن الألم، وهذا هو الامر المدهش حقاً فعلى الرغم من كل الضمانات التي تمنحها المحكمة والتي تم ذكرها اعلاه فإن ادارة بوش تقول «لا» وهي تقول ذلك لانها تريد ان تؤكد على الا تكون اميركا خاضعة لقانون او تشريع فوق ذلك الذي يتم تطبيقه فوق اراضيها. فبشكل يفوق كل التناقضات، تأتي القوة العظمى في العالم في عهد العولمة، وعندما يتم الاحتفال بموت وانتهاء الهيمنة القومية للدول او الندم عليه، مهما كانت هذه الدول، لتؤكد هيمنتها بشكل لم يسبق له مثيل على الأقل منذ عهد الامبراطورية الرومانية. ومن دون وضع اي اعتبار للتوازنات العالمية او من منطلق قوتها اللامحدودة، تقول الولايات المتحدة للعالم: «ان هيمنتي غير قابلة للخرق اما هيمنتكم فليست كذلك او تقول ان هناك قانوناً واحداً للولايات المتحدة، وهناك قانون آخر لبقية العالم. وقد عبر دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الاميركي، عن هذا الامر بصراحة، قائلاً: «ان الامر يتعلق بالدفاع عن شعبنا وعن مصالحنا وعن اسلوبنا في الحياة». هل هذا الدفاع ضد القاعدة؟ ضد الارهاب؟ ضد الجريمة والهدم، وغزاة المريخ والمتمردين المزروعين مثل رؤوس الكرنب في الاحياء والضواحي الاميركية وحتى ضد الارهابيين المحليين امثال تيمويث ماكفاي؟ لان رامسفيلد يرى ان الخطر الاكبر الذي يواجهه الشعب الاميركي هو المحكمة الجنائية الدولية، هل اعداء الولايات المتحدة هي الدول الاربعة والسبعون التي وقعت واعلنت التزامها بتأسيس المحكمة والمشاركة في عضويتها؟ هل العالم كله هو عدو الولايات المتحدة؟ من الواضح ان الامر كذلك بالنسبة للجناح اليميني لحكومة واشنطن فالمعركة ضد المحكمة ليست لها علاقة بمميزات المحكمة التي تعتبر كثيرة ولا بأخطارها المنعدمة اصلاً ان المعركة متعلقة بالصراع الداخلي الموجود في ادارة بوش ويعني انتصار الجناح الاكثر رجعية في الادارة والمتمثل في نائب الرئيس ريتشارد تشيني والوزير رامسفيلد ووزير العدل جون اشكروفت على الجناح الصغير المتعقل والمنفتح والمتمثل في وزير الخارجية كولن باول، الذي اصبحت ايامه طبقاً للرأي العام السائد في الاوساط الدبلوماسية الاوروبية، معدودة. يمكن للاميركيين التخلي عن المحكمة، ولكننا لا نستطيع . ان الكلمات الحاسمة التي ادلى بها خافيير سولانا المسئول عن الشئون الخارجية والامنية للاتحاد الاوروبي، ينبغي ان تكون دليلاً مرشداً ليس فقط للاوروبيين ولكن لنا جميعاً. يقول سولانا انه من مصلحتنا ولمصلحة الولايات المتحدة، تذكير واشنطن بأنه كلما زاد قدر الامبريالية الذي تتسم به سياستها، كلما ضعفت تلك السياسة واصبحت هشة وانه اذا لم تستطع الاعتماد على المجتمع الدولي ابتداء من حلفائها فإنها ستبني قوتها على الهواء وانه لا شيء افضل للولايات المتحدة بعد احداث سبتمبر من تقوية امبراطورية القانون. ولكن لا يمكن التعويل على هذه الكلمات فقضية المحكمة الجنائية الدولية ليست الا آخر حلقة في سلسلة طويلة من القرارات غير المسئولة التي دمر بها بوش الابن فكرة النظام العالمي الجديد الذي كان يتوقعه بوش الاب. الجميع يعلم هذه القائمة الطويلة: الاعتراض على اتفاقية كيوتو لصالح الانبعاثات الغازية الضارة، الاعتراض على استخدامات الاسلحة البيولوجية، والاعتراض على خطر التجارب النووية وعلى اتفاقية الألغام الارضية. نحن في اميركا اللاتينية نشتكي من تدني الاهتمام الذي توليه ادارة بوش لدول القارة وعلى الوجه الآخر فإننا نهنئ انفسنا فكوننا حتى هذه اللحظة خارج نطاق رادار واشنطن يعد تقريباً بمثابة شهادة صحية. ولكن ذاكرتي تعود الى جنيف والى لجنة القانون الدولي والى الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية وصورة اميركا حينذاك كطرف يقوم بتنشيط القانون الدولي والمنظمة الدولية بما في ذلك القانون الجنائي. ان الجرائم الشنيعة للحادي عشر من سبتمبر خلف ضحايا اكثر في عددهم من الابرياء الذين قتلوا بسبب التحامل الاعمى والمدمر ان اميركا جعلت من نفسها ضحية عندما اعطت ظهرها لأفضل وسيلة تدحر بها الارهاب وهي القانون. وقام تنظيم القاعدة بتحويلنا جميعاً الى ضحايا عن طريق هدم نظام قانوني عالمي يعد السبيل الوحيد لمقاومة الارهاب والبذور المفجرة لهذا الارهاب، والتي تتمثل في الجهل والجوع والمرض والفقر الذي يعيش فيه مليارا انسان على سطح البسيطة. ترجمة: حاتم حسين عن «لوس انجلوس تايمز»