ما من مكان يخلو من نوع ما من انواع الصابون هذا المنظف العجيب لكل شيء تقريباً. المنازل والفنادق والمطاعم والمقاهي والمكاتب، اماكن لا تخلو من هذه المادة. الصابون ينظف الاجساد والملابس والاواني والارضيات والسيارات وكل ما قد يخطر على بال الانسان. ولكن ما هي حكاية هذا الصابون؟ تعود جذور تنظيف الاجساد الى عصور ما قبل التاريخ ولان الماء عنصر حيوي في حياة الانسان، فقد سكن اجدادنا الاوائل على ضفاف الانهار ومجاري المياه، وكانوا بفطرتهم يعرفون شيئا عن خصائص الماء في النظافة، فقد كان هذا العنصر يزيل الطين والرمل عن اجسادهم على الاقل. وتم العثور على أول الخيوط التي تقود لصناعة الصابون خلال عملية تنقيب في آثار بابل القديمة حيث عثرت بعثة التنقيب على اسطوانات من الفخار عليها كتابات تعود الى العام 2500 قبل الميلاد تقول ان الشحوم كانت تغلي مع الرماد لصناعة الصابون ولم يتم العثور على ما يشير الى الغرض من الصابون. وتؤكد الوثائق التاريخية ان قدماء المصريين كانوا يستحمون بانتظام، وتم العثور على وثيقة علمية يعود تاريخها الى العام 1500 قبل الميلاد تتحدث عن صناعة مادة بعد خلط شحوم الحيوانات وزيوت الخضروات والاملاح تستخدم في معالجة الامراض الجلدية وفي الغسيل ايضا، وتم في مرحلة تاريخية لاحقة ربط النظافة بالصحة والنقاء الديني. وكان اليونانيون الاوائل يغسلون اجسادهم لاسباب جمالية، ومن الواضح انهم لم يستخدموا الصابون وكانوا بدلا عن ذلك ينظفون اجسادهم بقطع من الطين والرمال ثم يدهنونها بالزيت ثم يزيلونه مع الاوساخ بلوحات معدنية اطلقوا عليها «ستريجيل» وكانوا يمزجون الزيت بالرماد ايضا، إلا انهم كانوا يغسلون الملابس على ضفاف مجاري المياه والينابيع بدون استخدام الصابون. وتقول الاساطير ان هذه المادة المنظفة اكتسبت اسم «الصابون» بسبب اسطورة رومانية قديمة تقول انه مشتق من اسم جبل سابو، حيث كانت الحيوانات تقدم كأضحيات، وذات يوم انهمر المطر وجرف خليطاً من شحوم الحيوانات الذائبة ورماد حطب نحو الارض الطينية على ضفاف نهر التيبر، وجدت النسوة ان خليط الطين الذي استخدمنه في غسل الملابس قد اضاف اليها المزيد من اللمعان، وهكذا اطلقن على هذه المادة اسم «صابون». ومع تقدم الحضارة الرومانية تطورت اساليب الاستحمام، وشيد الرومانيون اول حمام حوالي العام 312 قبل الميلاد، وتوالى انشاء الحمامات الرومانية التي تميزت بالفخامة وتحول الاستحمام الى عادة يومية يمارسها الجميع. وبحلول القرن الثاني بعد الميلاد نصح جالين الطبيب اليوناني باستخدام الصابون كمادة علاجية ومنظف ايضا. وبعد انهيار روما العام 467 بعد الميلاد وما تبعه من تراجع في عادات الاستحمام، احست الدول الاوروبية بالتأثير الفعال للقذارة على الصحة العامة. وساعد تراجع هذه العادات وما احدثه من اوضاع غير صحية في تفشي مرض الطاعون خلال العصور الوسطى، وخاصة فيما كان يعرف بالموت الاسود خلال القرن الرابع عشر. ولم تستعد تلك العادات صحوتها الا في بداية القرن السابع عشر. ومع ذلك فقد ظل الاستحمام والنظافة الشخصية عادة يومية مهمة في بعض الدول خلال القرون الوسطى. ولم يتحول الصابون الى صناعة حقيقية في أوروبا الا في القرن السابع، حيث قام اصحاب المصانع بتشكيل اتحاد لحماية اسرارهم التجارية. وكان هؤلاء يخلطون شحوم الحيوانات والخضروات مع رماد بعض النباتات والعطور. وبمرور الوقت بدأت انواع اخرى من الصابون مثل معجون الحلاقة والشامبوهات وصابون غسل الملابس تأخذ حيزا واسعا في حياة الانسان. وبرزت صناعة قوية للصابون في ايطاليا واسبانيا وفرنسا نتيجة لثرائها بالمواد الخام مثل زيت الزيتون. ولم يعرف الانجليز هذه الصناعة الا خلال القرن الثاني عشر. وتحولت التجارة في الصابون الى نشاط اقتصادي حيوي للدرجة التي منح فيها الملك جيمس الاول احتكارا لمصنع صابون مقابل مئة ألف جنيه استرليني في السنة الواحدة العام 1622. كم يساوي هذا المبلغ الخرافي في يومنا هذا. وشهد العام 1791 تطورا مهما في صناعة الصابون لاغراض تجارية حيث ابتكر نيكولاس ليبلانك الكيميائي الفرنسي الاشهر آنذاك وسيلة لصناعة رماد الصودا او الصوديوم كاريونيت من ملح الطعام. ويستخرج هذا الرماد من الرماد المخلوط بالشحوم لصناعة الصابون. وتحولت صناعة الصابون منذ ذلك التاريخ تحولا جذريا، اذ اكتشف بعدها مايكل ايوجين، وهو كيميائي فرنسي ايضا العلاقة الكيميائية بين الشحوم والجلسرين والمواد الاسيدية الشحمية وهكذا اسس هذا العالم لكيمياء الشحوم والصابون. وتوالت الابتكارات التي اعتمدت على هذين الاكتشافين وابتكرت صناعة الصابون اشكالا جديدة وأسماء جديدة وروائح جديدة لهذه المادة المنظفة، وظهر الصابون السائل وصابون البودرة وصابون تنظيف الاواني وأنواع جديدة للغسالات الاتوماتيكية وتحول الصابون الى مادة لا يمكن لأي انسان ان يستغنى عنها. مأمون الباقر