يغوص المخرج الجزائري، ابن مدينة تلمسان غوثي بن ددوش، من خلال فيلمه الجديد، بعد «جحيم في العاشرة» و«حسن النية» وغيرهما: «الجارة»، انتاج 2002، الذي تجري أحداثه في مدينة الجزائر القديمة، في أعماق حي القصبة العتيق بالعاصمة مسكن الأسرار التي يكاد معها الواقع يتحول الى محض أسطورة تبهر بظلالها أكثر مما تفعله بأضوائها. ينبني فيلم «الجارة» على قصة فتاة في مقتبل العمر، «يمينة» التي تقتحم عالم نسوة القصبة المغلق: فطومة ووحدة ووسيلة وعائلاتهن في «الدار الكبيرة». وهو ما يعرض نظام الدار الى هزة لا قبل لساكنيها بها بدءا بجمالها الذي لا يمكن أن يمر دون لفت الانتباه، ثم عفويتها وبساطة تعاملها مع محيطها الجيري. وهي خصائص كافية لاثارة الغيرة والحسد في قلوب جاراتها اللائي يعتبرنها خطرا على عالمهن وعلى استقرارهن النفسي واستقرار بناء عائلاتهن الصغيرة أو الكبيرة. وعلى غرار ما تثيره يمينة من اضطراب في قلوب النسوة يبلغ بهن حد انتظار كارثة ما، فانها تثير اعجاب رجال الدار الى درجة هيام البعض بها.. لكن ما العمل في فضاء اجتماعي كالفضاء الذي يمثله نموذجا حي القصبة من جهة، وشخصية يمينة من جهة أخرى؟ ان المبادرة لن تتأخر من «الرجل»، وبالتحديد من محمد زوج الجارة فطومة الذي طالما تردد قبل أن يعزم على ارتكاب المحظور بالبوح لها بما أحدثه حضورها في المكان بقلبه. يحدث هذا في لحظة مهربة من زمن القصبة؛ حيث يغتنم محمد فرصة قدرية بتواجد يمينة منفردة وهي تهم باغلاق بابها بعد أن أشرعته عليها الريح ليسرب لها خطابا يتضمن موعدا للقاء توافق عيه بطرفة عين. وفي الزمان والمكان المحددين يواجه محمد بابا مغلقا، يتردد لحظات هي أشبه بالهزيمة قبل أن يعزم على طرقه... يطرق الباب ويطرق.. ليدلف الى العتمة... انها المدخل الى التساؤل: ماذا بعد هذه الخطوة؟ أو ليست من خارجيات عادات قصبة العاصمة الجزائرية؟ ثم ما دلالتها في السياق التاريخي لأحداثها؟ الواقع والأسطورة أساطير الواقع في قصبة الجزائر تغزلها النسوة على طريقة تخليل الجدات بين لحمة وسدى نسيج أثواب أفراد أسرهن قبل سنين صارت الآن مجرد أطياف للحنين. حيث تبدو النسوة في الحي العتيق لعاصمة الجزائر لا يتحدثن عن الواقع المعيش فقط، حين يتحدثن عنه أو يصنعن تفاصيله في الفيلم، بل عن الماضي والحاضر والمستقبل معا، حتى كأنما الفضاء الوجودي مجرد من الأبعاد التي يمنحها له الوجود نفسه، خاصة في بعده التاريخي، لولا بعض المؤشرات المتمثلة في الأشخاص وبعض المعالم الزمانية أو تلك المتعلقة بهيمنة الظلال تارة والأضواء الطبيعية أخرى أو القرائن التي توحي باستمرار الحياة متغيرة. ان الزمان والمكان في «الجارة» يمران بتثاقل رتيب نادرا ما يعرف الجديد من النوع الذي يتسم بالخصوصية والابهار أو الذي يترك بصماته على حياة الناس ومشاعرهم. ومع ذلك يقدم الفيلم عبر هذا الفضاء النموذجي مشاهد من حياة النسوة فطومة، حدة، وسيلة ومن ورائهن المئات من نسوة الجزائر.. في ديكور جزائري صرف ما يزال يشكل مجمع ملامح المجتمع التقليدي المتمسك بالعادات والتقاليد في الحديث والمعاملة. مجتمع محافظ شيدته أجيال وتعاقبت على نسج قيمه ونماذجه السلوكية أجيال وأجيال من نسوة القصبة ورجالها، وصار تغييره أو الدفع به لاقامة علاقة تفاعل مع أنماط السلوك التي أفرزتها مرحلة الانفتاح في الجزائر يطرح أكثر من اشكال على الصعيدين الاجتماعي والثقافي، خاصة اذا نظرنا الى هذه العلاقة من زاوية سلمي القيم اللذين يختص بهما كل نموذج على حدة. فلا مناص ـ والحال هذه ـ من لحظة مكاشفة من خلال النظر في المرآة التي هي السينما هنا. التواصل أم القطيعة؟ يطرح الفيلم الكثير من الاشكاليات الاجتماعية التي أفرزتها سياسة الانفتاح المنتهجة في البلاد. وقد اختار لتناولها فضاء نموذجيا مغلقا تقوم عليه النساء. وتبرز أولى هذه الاشكاليات من خلال العنوان ذاته: «الجارة». حيث أن الرؤية المعتمدة في الفيلم تتبلور وتنطلق من زاوية المقيمات في الدار الكبيرة اللائي تربط بينهن علاقة الجيرة، باتجاه المتلقي الافتراضي المتمثل في جمهور المشاهدين أو المجتمع بصفة عامة. ويتوزع الموضوع بين تسليط الضوء على «الجارة» الوافدة ومشاغل الحياة اليومية العادية في الفضاء المغلق من قبيل تقاسم أشغال التنظيف بالتناوب ـ النوبة ـ وحلقات الحمامات الشمسية وقهوة المساء ولقاءات السمر وطقوس التضايف بين الجيران في المناسبات العائلية كالخطبة والزواج والختان، وغيرها من ملتقيات التفاعل الاجتماعي؛ حيث يتم تبادل الأخبار والتفريج عن المكبوتات ابتداء من أخص الحميميات الى الشئون العامة، وعقد العلاقات الصداقات الجديدة دون نسيان ما يمكن يثار فيها من خلافات وأحقاد تنشأ عنها خصومات نسوية تتبعها سلاسل الشتائم ومنابذات بلمسة فكاهية، وما الى ذلك من المواقف المشاعر الانسانية الايجابية والسلبية التي شغلت الحيز الأكبر من الفيلم. هذه الملتقيات اتخذ منها المخرج بن ددوش اطارا لتسليط الضوء على السلوك والمواقف الاجتماعية المتباينة وتقييمها من منظورين متضادين هما: منظور المحافظة ومنظور الانفتاح أو الأصالة والحداثة. ويتجليان في الفيلم وفق تطور للمشاهد متواز، مع هيمنة ملحوظة لنموذج المحافظة لكونه التيمة المركزية للفيلم وفضاءه. ويبرز حضورهما في شكل جدلية للتجلي والغياب. ومما سبق ينبثق التساؤل عن مصير المجتمع التقليدي بأفراده وقيمه ومثله العليا: هل الى التكيف مع واقع الانفتاح الجديد أم الى الانكفاء على الذات كأسلوب لمقاومة الوافد الجديد ومقطوع الأصول مع النموذج الجزائري الذي نما بمعزل عن مشاريع المجتمع التي يقترحها خطاب الانفتاح؟ ألا يقف هذا النموذج المنظور اليه بحنين يكاد يلتبس مع غرائبية الاستشراق ليشكل عائقا في وجه توطيد أركان الانفتاح والانخراط في الحداثة، وبالخصوص من خلال ما يمكن أن ينشأ فيه من ميول أصولية؟ لا يكتفي الفيلم بطرح هذه الأسئلة وحسب، بل انه يركز في ذلك على هذين الموقفين المتقابلين لتعريتهما من خلال الجارة الجديدة الشابة والجميلة والغريبة عن المكان غربة تبدو تامة «يمينة» التي يعمل الفيلم على جر المشاهد للانخراط معها في رحلة اكتشاف لعوالم القصبة الظلية واستكشاف للذوات التي تنشأ فيها وتعيش أو تطرأ عليها: عاداتها وتقاليدها وطقوسها في ممارسة الحياة بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة في حالات الفرح والحزن والحب والمقت والغيرة والغضب والرضا والجد والهزل مما يجعل المشاهد في سفر وجداني دائم يتراوح بين مشاهد درامية وأخرى هزلية وأخرى وصفية هي من صميم السياحة الثقافية في فن العمارة واللباس والغناء والموسيقى. وبالتالي الخلوص الى أن رسالة الفيلم الاستنتاجية هي أنه لا الانفتاح وحده والانكفاء على الذات وحده أيضا، قادرين على تنمية كل واحد منهما نفسه بمعزل عن الآخر؛ فالدار الكبيرة في القصبة تظل «دارا كبيرة»، لكن مصيرها المرغوب فيه يتقرر بمدى ايجابية العلاقة التي تنعقد بينهما، أي بالانفتاح مقترنا بالارتباط بالجذور التي تمثل الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع. وهو مضمون الاعتراف الذي انطلق على لسان مخرجه غوثي بن ددوش على هامش تتويج الفيلم «الجارة» بالجائزة الكبرى لمهرجان لسينما الافريقية المنعقد خلال شهر يوليو الماضي في مدينة خريبقة بالمغرب الأقصى، حيث يقول: «ان هذا التتويج تكريم للنساء اللائي يعتبرن الحارسات الحقيقيات لقيم شعوبنا». تكريم لنساء القصبة ومن هن على شاكلتهن في مواجهة موجة «العصرنة» التي يحملها عصر الانفتاح في الجزائر!