يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. تعلق أملي بوعد سابق كنت قد تلقيته من مجلة «الصياد» اللبنانية. فبعد اقصائي عن الصحافة السورية، حاول طلال سلمان كما حاول آخرون أن يجدوا لي منبراً أبثّ منه أفكاري وأحصل منه على ما يقيم الأود. وزكاني طلال لدى صاحب دار الصياد ولابدّ من أنه أفرط في التنويه بكفاءتي واطرائي. ولكن الشهور الثلاثة في دمشق انقضت دون أن أتمكن من الالتقاء بالرجل. وبعد شهر أو اثنين من وصولي القاهرة، جاء اليها أركان دار الصياد، سعيد فريحه صاحبها، وابنه عصام الذي يصرّف العمل بالنيابة عن أبيه ومعهما طلال. وجئت الى الرجل المسن في جناح اقامته في فندق هيلتون النيل، فوجدته منصرفاً بكليته الى التلفزيون. ولم يبادلني المولع بالتلفزيون الا عبارات قليلة متقطعة دون أن يوليني انتباهه. بالرغم من هذا، فهمت أن صاحب الدار يرحب بمساهمتي في عمل المجلة، ولكنه أحالني الى ابنه. وأخضعني الابن الى تحقيق مدقق، ونبش في أفكاري، ثم سألني هذا السؤال: «ولماذا لا تكون مراسلنا في دمشق ؟». ووجدتني غير قادر على الكذب، فعرف عصام مشكلتي، وبهت «هَيْك !». وتحوّل ترحيب اللبناني بي الى رغبة سافرة في الخلاص مني: «مكتبنا في القاهرة فيه مراسلون كثيرون وأنت هنا غريب لا تنفعنا». لكن «من أجل عيون طلال»، كما قال عصام بنبرة ممتنّة، «لك أن تكتب مقالات من وقت لآخر، مرة، مرتين، في الشهر». ثم لم يفت عصام أن يشرح وهو يعرفني: «نحن ندفع مكافأة المقال الواحد اثني عشر جنيهاً ونصف جنيه». ولو روجعت أعداد «الصياد» في تلك الفترة فسيقع المراجع على مقالات لي، ذلك أني تحاملت على كبريائي بسبب حاجتي القاهرة وأرسلت بضعة مقالات. لكني سرعان ما توقفت لأني لم أحتمل قسوة شروط آل فريحة ومماطلتهم في الدفع معاً. وقتها، كان صديقي القديم هايل عبد الحميد الذي كثيراً ما حدثتك عنه هو معتمد اقليم «فتح» في مصر، أي ممثل «فتح» في البلد والمسئول عن تنظيمها والمشرف على نشاطاتها فيه، وكان لقب «أبو الهول» المشتق من اسمه والملائم لظرف مصر قد تلبسه فصار لا يُخاطَبُ الا به، جدّدت صلتي بصديق أيام الطفولة ورفيق المشوار الأول على طريق العمل السري والكفاح الوطني. ولكن الذي انقضى لم يكن له أن يعود بتمامه. ولئن بقيت الصداقة وبقي الود والاحترام، فان دروب المشاغل والآراء تمايزت. وكان هو قد غدا كثير الأشغال ولم يبق له وقت لشئونه الخاصة، فصعب علي أن أشغله بشئوني. بالرغم من هذا، وربما بسبب عمق المودة، استقصى أبو الهول أحوالي بالتفصيل وأدرك حاجتي الى المال وعرض المساعدة. جاء العرض من صديق، وبدا طابعه شخصياً، لكن العارض كان مسئولاً في «فتح»، فتحرجت، ثم لم أقبل. لم يدرك هايل سرّ ابائي، فساءه رفضي اذ رأى فيه دليلاً على أني لم أعدّه صديقاً حميماً. وشابت غمامة رفضي صفاء علاقتنا، وقلّت لقاءاتنا حتى تصور بعضهم أننا متجافيان. في هذا الجوّ، وصل عرفات الى القاهرة. لعلك تعرف أن هذا الرجل هو من مواليد القاهرة، ولد فيها في العام 1929 بعد عامين اثنين من وصول أسرته القادمة من خان يونس. هذه الواقعة بين مدينة غزّة وبلدة رفح والروايات التي وصلت اليك وذكرت أنه ولد في القدس التي هي مدينة أمّه أو في أي مدينة أخرى هي روايات أنشأتها دوافع سياسية في المقام الأول. وفي القاهرة، نشأ عرفات ودرس دون أن تنقطع صلته بفلسطين. فقد عادت أسرته الى خانيونس فأمضى فيها سنتين وهو تلميذ في الابتدائية. وجاء عرفات الى فلسطين شاباً في العام 1948 متطوعاً مع المجاهدين الذين قدموا من مصر ونشط في صفوف «الجهاد المقدس» المنظمة المسلحة التي أنشأها عبد القادر الحسيني. وفي القاهرة، أسهم عرفات في تأسيس أول رابطة لطلاب فلسطين الجامعيين وتكرر انتخابه رئيساً لها سنة بعد سنة. وبعد تخرجه، سافر عرفات الى الكويت من أجل العمل، ثم صار زعيماً لـ «فتح»، ثم رئيساً للجنة م. ت. ف. التنفيذية، وراح يشرق ويغرب في الدنيا الواسعة، دون أن يبارحه الحنين الى مهوى فؤاده: القاهرة. وصل عرفات الى الشقة الصغيرة التي يشغلها في شارع شامبليون في وسط البلد المكتظ بالسكان والحوانيت وعربات الباعة. وكانت هذه شقة وضعها الصحافي المصري فاروق القاضي في تصرف «فتح» منذ قرر أن يترك كل شيء وراءه ويلتحق بالثورة الفلسطينية ويتخذ لنفسه اسماً جديداً هو أحمد الأزهري. ومن هذه الشقة، هتف لي سعيد حمامي الذي كان بصحبة عرفات، فخففت اليها. وكان الفطور المجلوب من الحوانيت المجاورة جاهزاً فانضممت الى المائدة، ومع الطعام، عاودنا، سعيد وأنا، محاولتنا اقناع رئيس م. ت. ف. بضرورة زيارة مقرها، هذا الذي صرت أنا من العاملين فيه. لم يكن عرفات يستلطف ممثل المنظمة في مصر جمال الصوراني، فكان يتجنب زيارة المقر. أما نحن فرأينا أن الزيارة ضرورية. ولأمر ما، ربما كان هو الحاحنا الشديد، أبدى عرفات شيئاً من اللين وقَبِلَ أن يزور المقرّ، على أن تكون زيارة قصيرة، خاطفة كما قال. وهتف سعيد الى الصوراني وأخطره بالزيارة. وتدفق عشرات الفلسطينيين الى المقرّ، وأحاطوا بعرفات، واشتد تزاحمهم على الاستئثار به وهم يتنافسون في دعوته الى الغداء. وجلجل في المقر الجرس الصاخب للأيمان المغلظة والحلفان بالطلاق والصياح بالحجج التي يسوقها كل واحد من الداعين للتأكيد على أسبقيته في حق الظفر بشرف استضافة الزعيم الكبير. وكانت جلبة ضاق عرفات بشدّتها، هو الذي لم يكن راغباً في ايلاء أيما أحد هذا الحق. وفي تململه بضيقه، وجه عرفات الينا، نحن الذين ورطناه، نظرات لائمة. وشاء سعيد أن يُنقذ الموقف فأعلن بصوته الذي يصعب أن يعلو عليه أي صوت: «أبو عمار أعطى كلمته لفيصل ووعد بأن يتناول الغداء مع أسرته».فاجأني هذا الاعلان مفاجأة غير مريحة في واقع الأمر. فقبل كل شيء، كان يسوؤني أن أُحسب في عداد المتنافسين على استضافة أي زعيم. ثم ان جيبي كان خاوياً. ولم يكن في المنزل ما يليق تقديمه لأي ضيف. وفوق هذا، لم أكن من الذين يحبّون أن يُحشروا حشراً دون رغبتهم أو اذنهم المسبق في أي مسألة. أما عرفات فصمت ازاء اعلان سعيد صمتاً أريباً، وابتسم ابتسامة عكست امتنانه لتصرفه، ولم يفطن بالطبع الى ما كان يشغل بالي. وهكذا، وُضعتْ على عاتقي مهمة لست مهيئاً لحملها. وفي تصرف يبدو أن حرجي هو الذي أسعفني في ابتكاره، همست في أُذن سعيد بحزم: «حطّ في جيبي عشرة جنيهات، والا فاني سأعلن أني لم أَدع أحداً الى أي غداء !». واضطر سعيد الذي لا يعد في المسرفين الى التضحية. وأمكن بعدها أن أُوصي على الأطعمة اللازمة. في منزلي، تصرف عرفات كأنه في بيته؛ نحّى العقال والكوفية، وتخفف من الحذاء العسكري والملابس الثقيلة، واتخذ قعدة مريحة على الصوفا وعابث البنات، وتبسط في الحديث مع ربّة المنزل. وكم أدهش أبو عمار لمى حين ذكرها، هي التي لم تتذكر، أنه تلقى منها قبل ثلاث سنوات صفعة على خدّه ! وكانت تلك حكاية كدت أنا نفسي أنساها لو لم يستحضرها هو: «كنت في منزلكم، ذلك الذي في شارع نوري باشا في دمشق، ولكنك بدل أن تحييني صفعتني لأن لحيتي طويلة وصرخت في وجهي لماذا لا تحلق ذقنك، فهل تعجبك لحيتي الآن». وكعادته في استقصاء الأحوال الشخصية للمحيطين به، استدرج عرفات أم بناتي الى الحديث، فعرف ما صرت تعرفه عن ضائقتنا المالية، ولم يزد عن أن قال وقتها: «هذي بسيطة». ولأمر ما، فطن الرجل في تلك اللحظة الى ضرورة ابلاغ أمر وجوده عندنا ورقم الهاتف الى مكتب «فتح». وكان هذا الاجراء الضروري قد غاب عن بالي. فعجّلتُ بالاتصال. وجاءني على الهاتف صوت هايل. ولم أنتبه في عجلتي الى أن من الواجب دعوته هو الآخر الى الغداء. وكانت هذه، بمقاييس العلاقة بين الأصدقاء، كبيرة ارتكبتها بحق صديقي، وقد مضى وقت طويل قبل أن يغفرها. وفي اليوم التالي، جاءني مراسل من مكتب «فتح» وسلمني مغلفاً أرسله لي أبو الهول. وفتحت المغلف، فوقعت على مئتي جنيه، ورقتين كبيرتين. وما أسرع ما حزرت أنا الذي يعرف ما يعرف، وما أشدّ ما تحرجت ! قرر عرفات معونة شهرية لي تدفعها «فتح» وكلف معتمدها بأن يرسلها اليّ ليتجنب هو حرج مواجهتي بها.وما دام أبو الهول قد صار عارفاً بحساسيتي، ولما كان الى هذا مستاءً منّي، فقد تجنب أن يُسلمني المبلغ بنفسه. ولما كان في قبول المبلغ حرج لي وفي اعادته اساءة لهايل، فقد اهتديت الى حل وسط. فكتبت اقراراً بأني استلمت المبلغ من «فتح» بمثابة دين أتعهد سداده.وسلمت الاقرار للمراسل في مغلف هو الآخر مغلق. وبعد أيام، أعدت الورقتين في مغلف مغلق آخر. ثم لم يفاتحني أبو الهول أو غيره بشيء حول هذا الموضوع، ولم يتكرر العرض. ولكن عرفات دأب على التنويه بتعففي كلما جاء على ذكري. أما أبو الهول فان استياءه تلاشى بمضي الأيام اذ تغلبت دواعي الصداقة على اختلاف الأطباع.وفي مقرّ المنظمة، في مجال العمل الذي عينت له، لم أفلح في أن أجعل الأمر فسحة، مجرد فسحة. لم يوكل أيما أحد اليّ أي مهمة بعينها. ولم يكفّ عرفات عن تحذيري من اتيان ما يذكر «الذين أعرفهم» بوجودي. وخالد الحسن «أبو سعيد» كان يثق بي ويقدر كفاءتي وقدرتي على المبادرة، بل يبالغ في التقدير. وقد اكتفى صديقي الذي صرت أنا مرؤوساً له بأن وضع توقيعه وختم الدائرة على أوراق بيضاء تركها لي وأجاز لي أن أستخدمها ان احتجت اليها في أي عمل أبادر اليه. ووقع أبو سعيد أيضاً أوراقاً مهمات تبيح لي أن أسافر وأصرف نفقات السفر من الصندوق القومي ان احتجت الى ذلك. ولك أن تقول اني تعرفت في هذه الفترة على أبرز نجوم الصحافة والأدب والفنون والفكر السياسي المصريين، ممن لم أتعرف عليهم قبلها، ووثقت علاقتي بكثيرين منهم. ولم يقتصر الأمر على المصريين وحدهم، بل شمل ناس البلاد العربية المقيمين في القاهرة والذين يزورونها. وما كان أكثر هؤلاء ! أليست مصر كما يسميها ناسها هي أم الدنيا، وما هي الدنيا ان لم تكن هذا الجوّ المترع بالأصحاب والعلاقات ! ومع هذا التوسع في العلاقات، ومع المطالعة التي وجدت لها وقتاً أوفر، والأسرة التي أمتعني الانشغال بشئونها، زادت معرفتي بشئون مصر والعالم العربي كله، والعالم الاسلامي، وشئون العالم الثالث والعلاقات الدولية. كانت المنتديات الخاصة التي تضمني مع الأصحاب، مثلها مثل الندوات والمؤتمرات العامة، مصادر أتزود منها بأتمّ المعارف وأكثرها طزاجة وأحسن فيها قدرتي على التحليل والجدل وأتسلح بما يشحذ ملكة التعبير ويجوّدها. وكان رئيسي خالد الحسن، مثله مثل أي قائد فلسطيني أو متصل بالفلسطينيين يلم بالقاهرة، حريصاً على الاستماع اليّ شديد الثقة بما أزوّده به من معلومات أو آراء. وكنت أعتزّ في داخلي بدوري هذا وأتصور أني أؤثّر في الشأن السياسي، ولم يكن تصوري بغير أساس، حتى حين كان الزهو يدفعني الى الافراط في تزيين دوري. والى هذا، بل قبله، تابعتُ بالطبع تطورات الساحة الفلسطينية، تابعتها بامعان شديد في واقع الأمر. وكان أميز ما ميّز هذه الساحة في ذلك الوقت هو التردي المطرد في العلاقات الفلسطينية ـ الأردنية. فمأساة جرش يوليو 1971 ظلت تفعل فعلها وبخاصة استشهاد أبي علي اياد حولت الشهيد الذي رمز للانتقام وأنعشت أجواء المزايدة. لكن الجوّ المأساوي لم يلغ الحاجة الى التهدئة مع الأردن وطيّ ملفّ الاقتتال. ومع بروز مشاكل كثيرة في لبنان، تعززت هذه الحاجة. وفي النهاية، أفلحت وساطة سعودية مثابرة ومعها وساطة مصرية في جمع وفدين، فلسطيني وأردني، في مفاوضات دارت في جدّة باشراف السعوديين. كان رئيس الوزراء القوي وصفي التل هو رئيس وفد الأردن، فيما كان خالد الحسن رئيساً للوفد الفلسطيني. وقد انعقدت جولة المفاوضات الأولى بينما كنت أتهيأ للانتقال من دمشق الى القاهرة، ثم توالت الجولات بعد ذلك وأنا في القاهرة وأطلعني أبو سعيد أولاً بأول على ما دار فيها، والواقع أن المفاوضات جرت على مستويين؛ مستوى يشترك فيه أعضاء الوفدين كلهم، وهو المستوى الذي بدت الخلافات فيه عصية على الحلّ؛ ومستوى يقتصر على رئيسي الوفدين. وهذا هو المستوى الذي بقيت فيه طرق التفاهم مفتوحة وتبلور مشروع اتفاق شديد السرية ثم تواعد معدو المشروع على الالتقاء في القاهرة حيث سينعقد مجلس الدفاع العربي ويمكن وضع اللمسات الأخيرة على مشروعهم. وصل خالد الحسن الى القاهرة مبكراً. وجاء الأمير سلطان في موعد الاجتماع. وتلقى وصفي التل تحذيرات سرية وأخرى علنية تنذره بأن الفلسطينيين الناقمين سوف يغتالونه وتنصحه بعدم السفر الى القاهرة، لكنه جاء، فقد كان يعرف ما لا يعرفه محذروه ويحرص على اتمام ما بدأ به، وشغل وصفي التل جناحاً في فندق شيراتون النيل ليقيم بقرب الأمير السعودي. وقتها، لم يتسن لي الاختلاء بخالد الحسن في زحمة انشغاله، وهكذا، تابعت ما يجري كما يتابعه الصحافيون، غير أن ما أعرفه عن المفاوضات ميّزني عن كثيرين وان جعل فضولي لمعرفة الخاتمة أشدّ من فضولهم. وشاء صحافيون كثيرون أن يجروا مقابلات مع رئيس حكومة الأردن. إلا أن المنهمك في مشروع سرّي حساس ردّ الطلبات المنهالة عليه، ولم يقبل سوى طلب «الأهرام»، ورئيس تحريرها هو الصحافي النافذ محمد حسنين هيكل. وهكذا، ظفر صديقنا احسان بكر بموعد مع وصفي التل. كنّا في الثامن والعشرين من نوفمبر. وكان الموعد في الرابعة بعد الظهر. يومها، صحبني مصطفى نبيل الى الغداء والثرثرة في منزله، في حيّ الدقي، القريب من الشيراتون. وكان مصطفى ينفس على احسان ظفره بالموعد الفريد الذي يتوق هو نفسه الى مثله. ولم يطب لمصطفى البقاء في المنزل فاقترح أن نذهب الى الفندق: «تعال نشوف احسان قادر يعمل ايه». ولأن محرك سيارة مصطفى العتيقة استعصى على الاستجابة له، فقد استوقفنا تاكسي: «الى الشيراتون، يا ريّس !». وجاء الرد: «شيراتون ايه، يا عمّ ! اليهود قتلوا الرجل قدّام الشيراتون، أنا لسه معدي من هناك والدنيا قايمة قاعدة !». بلغنا الفندق فيما رجال الشرطة يستكملون الطوق الذي ضربوه حول المكان. واخترقنا فرجة في الطوق. كان جثمان وصفي التل لا يزال على الأرض ازاء الباب الخارجي. وكان كل شيء أمام الفندق وفي بهوه قد اختلط بكل شيء. ووجدنا نفسينا، مصطفى وأنا، تائهين وسط حشد مضطرب. وفيما أنا أخوّض في الزحام الذي فصلني عن مصطفى، فاجأتني صرخة من احسان بكر: «أنت الآخر هنا !». فلما اخترقت الاكتظاظ ودنوت من صاحبي، هتف احسان بنبرة المروّع: «تعال شوف صاحبك خالد الحسن، جالس في الكافتيريا، ماذا لو تعرف الحراس الأردنيون عليه !». وبهذا، لفت احسان نظري الى ما ينبغي عمله للتو: ابعاد القائد الفلسطيني عن موقع الخطر. ولم يكن أمامنا مكان أقرب من منزل احسان. فأخرجنا صاحبنا، الثائر على ما جرى، من الباب الخلفيّ، واجتزنا به الشارع جارين جرياً ودافعينه دفعاً، وأقنعناه بأن يمكث في المنزل الى أن تنجلي الأمور. وفيما انشغل احسان باتصالات هاتفية متتالية، استمعت أنا الى ما باح لي به خالد الحسن في ذلك الظرف وهو يكاد يتميز من الحنق. وعرفت الحكاية الكاملة لمفاوضات المستوى الثاني. وعلمت أن الاتفاق الذي توخى هذا المستوى ابرامه قد تم بين وصفي التل وخالد الحسن في جناح الأمير سلطان، في الساعة الواحدة من فجر اليوم الذي كنّا فيه، يوم اغتيال وصفي. وانكشف لي سر أقدّر أن الذين عرفوه من الفلسطينيين وقتها لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليد الواحدة. وكان هذا سراً خطيراً حملت ثقله. وبامكانك أن تعرف أني لم أكتب شيئاً عن حادث اغتيال التلّ، فلم أجار الذين فرحوا ولم أُؤخذ بمواقف الذين أظهروا الاستياء. ولك أن تعرف أيضاً أن بعض ما قيل عن مصرع رجل الأردن القوي انطوى على نفاق أو مكابرة، فيما انطوى معظم ما قيل على جهل كامل بملابسات الحادث. تصور العابرون الذين شهدوا الحادث أن الاسرائيليين هم الذين اغتالوا الرجل، ألم يكن التلّ عضواً في مجلس الدفاع العربي المنعقد كما يتوهم الرأي العام لاعداد الخطط العسكرية المشتركة في مواجهة اسرائيل ! وبهذا التصور، لاحق ضابط شرطة مصري مقدام مطلقي النار الى أن قبض على واحد منهم. وفعل آخرون ما فعله الضابط فوقع مطلقو النار في القبضة. وعندما عرف ضابط الشرطة أن من حرمه هو من النجاة كان فدائياً فلسطينياً، أعلن ندمه، وصرح بهذا للصحافة، فعكس المزاج المصري العام المتعاطف مع الفلسطينيين والضاغط على السلطات الرسمية كي لا يتعرض مغتالو التلّ الى العقوبات. الفلسطينيون أظهروا ابتهاجاً عاماً، انه المظلوم حين ينتقم له أحد من ظالمه. وفي مخيمات اللاجئين، تبادل الناس التهاني وقدّم بعضهم المشروبات والحلوى كما يحصل في الأعياد. وفي أوساط المقاومة، أظهر المتشددون فرحهم ودعوا الى مزيد من الانتقام، وجارى المعتدلون الجوّ السائد. وفي هذا الجوّ، أعلن ياسر عرفات أن اليد الفلسطينية نفّذت حكم الشعب الفلسطيني باعدام وصفي التل. الاستثناء الوحيد من الموقف الفلسطيني العام تجلى في رد الفعل المعلن من قيادة الصاعقة ومن يجارون قادتها في مجاراة الموقف السوري ويفرطون كثيراً في مجاراتهم له. فالعهد الجديد في سوريا كان، في سياق دعوته الى التضامن العربي، قد أفلح في تطبيع العلاقات مع الأردن. وقد عزى المسئولون السوريون نظراءهم الأردنيين بوفاة التل واستنكروا اغتياله. وهذا هو ما فعله الأمين العام للصاعقة عضو قيادة حزب البعث القومية زهير محسن الذي كان رئيساً للدائرة العسكرية في م. ت. ف. وهو الذي أبّن وصفي التل في جلسة التأبين التي عقدها مجلس الدفاع العربي فور اغتياله. وقد أفرط زهير في تعداده لمناقب الراحل والتفجع عليه. وهو ما فعله، أيضاً، العميد مصباح بديري الذي أفرط هو الآخر في التفجع.وقد أحرجني سلوك قائد جيش التحرير، صديقي، هذا، حرجاً كبيراً. ذلك أني كنت قد ساهمت بدور كبير في اقناع عرفات بتعيين مصباح للمنصب الذي يشغله. وكان مصباح قد تعهّد أمامي لياسر عرفات بأن ينصرف الى تطوير جيش التحرير ولا يسبب أي مشكلة للقيادة السياسية. لكن صاحبي لم يفِ بتعهده، بل قلب ظهر المجن لقيادة المنظمة وجعل أول همومه معارضة عرفات. وفي ردّ فعله على اغتيال التلّ، ذهب مصباح بعيداً، فصدم المزاج العام بغير رفق وخصص معظم وقته للتشنيع على عرفات و«فتح». ووقتها، ذكّرني عرفات بتزكيتي مصباح؛ لم يقرعني أبو عمار، لكنه قال ما هو عندي أوجع من التقريع: «في التحليل السياسي أنت معلّم. أما في فهم الرجال فيلزمك الكثير». في الأردن، أبّن الملك حسين وصفي التل ونوّه بمزاياه وخدماته للمملكة، وجارى المسئولون الأردنيون ملكهم. وأصارحك بأني، أنا الذي أطلعه خالد الحسن على السر، حرصت على تقصي ردود الفعل بامعان، وقد افتقدت في التأبين الأردني تلك الحرقة التي يفترض أن تكون لغياب من له وزن الراحل. ولعلي ما كنت لأنتبه الى شيء، لو لم أطلع على ذلك السر.وأياً ما كان عليه الأمر، فان اغتيال التل على أيدي شباب من «فتح» أوقف المفاوضات وأجج النزاع المشتعل بين الأردن و م. ت. ف. وأطلق جولة جديدة من جولات داحس والغبراء التي طال أمدها.وفي سياق المعارك الكلامية وغير الكلامية بين الجانبين، أعلن الملك حسين مشروعه الشهير، مشروع المملكة العربية المتحدة، ورأى الفلسطينيون في المشروع دعوة الى اعادة السيطرة الأردنية على الضفة الغربية ومواجهة التوق الفلسطيني الى الاستقلال. وتصورت القيادة الفلسطينية أن الأردن تفاهم سراً مع اسرائيل حول هذا المشروع. فانتقدت الهواجس القديمة وانضاف اليها ما استجد. وتداعى الفلسطينيون الى احباط المشروع. ولا أظن أن رد الفعل الفلسطيني على أي مشروع أردني قد بلغ الدرجة من الحدّة التي تجلت في رد الفعل ضدّ مشروع المملكة العربية المتحدة. وما انفجر كان، كما شهدته، هو مخزون الضيق المتراكم طيلة عقود، وليس الضيق بالمشروع الأخير وحده. وقد جاء الانفجار شديداً وشاملاً. حتى خالد الحسن المتعقل في العادة والراغب في اقامة صلة طبيعية مع الأردن والذي مضى بعيداً في مفاوضاته مع وصفي التل لتحقيق هذا الغرض، حتى أبو سعيد أخرجه المشروع الأردني عن أطواره كلها. اليسار واليمين، المتشددون والمعتدلون، الذين أرادوا طيّ النزاع مع الأردن والذين أرادوا غير ذلك، الفلسطينيون جميعهم ثاروا، وكانت ثورتهم عارمة. وفي سياق ردود الفعل، دعي المجلس الوطني الفلسطيني الى عقد دورة جديدة. وانعقد على هامش الدورة مؤتمر شعبي ضم أعضاء المجلس وضعف عددهم من الشخصيات الفلسطينية المختارة فبلغ العدد ما ناف على خمسمئة عضو. وتسنى لي قبل ختام فترة اقامتي في القاهرة أن أشهد هذه التظاهرة الكبيرة. جاء الأعضاء كالعادة من كل مكان في القارات الخمس فيه فلسطينيون، وكان بينهم أصحاب كثيرون لي. وفيما شهدت اجتماعات المجلس الوطني المناقشات المعتادة، الهادئ منها وغير الهادئ، الخطير وغير الخطير، فقد انتصب في المؤتمر الشعبي منبر للكلام المرسل، دون مناقشات. أحمد الشقيري، كان قد استعاد ثوب المحاماة القديم خصيصاً كي يدافع عن المتهمين باغتيال التل أمام القضاء المصري. وقد قدم الرجل مرافعة سياسية طويلة ضد النظام الأردني ووضع اليد على ذريعة قانونية تجيز الافراج عن مغتالي التل بكفالة، واستعاد بعض حضوره العملي في ساحة اهتمامات الفلسطينيين. وكان الشقيري منذ استقالته من رئاسة المنظمة قد امتنع عن المشاركة في اجتماعات المجلس الوطني بالرغم من أنه عضو دائم العضوية فيه.وقبل الدعوة الى المؤتمر الشعبي، كنت مع مصطفى نبيل وطلال سلمان في منزل الشقيري، وأجرى طلال مقابلة صحافية لمجلة «الصياد»، وانصبّ حديث الزعيم الفلسطيني كله على انتقاد سياسة المقاومة الفلسطينية وقادتها. وبعد ذلك، توجه وفد من قادة المقاومة الى منزل الشقيري، وكان أبو اياد على رأس الوفد، وحمل اليه دعوة لحضور المؤتمر الشعبي، فقبل الرجل الدعوة ولم يضع سوى شرط واحد: أن يُخلي بينه وبين المنبر ولا يُقيد حديثه بوقت محدد. وفيما المؤتمر منعقد، وبعد أن تحدث الشقيري فيه على مدى ساعتين متصلتين، اطّلع قادة المقاومة على النقد القاسي الذي وجهه الشقيري اليهم، اطلعوا على النقد بعد أن راق الجو بينهم وبين منتقدهم ففاجأتهم حملته عليهم. وعاتب أبو اياد الرئيس السابق للمنظمة. وتحرج الشقيري في ذلك الجوّ فاجتهد أن يتنصل من مسئولية الكلام الذي نشرته «الصياد» وأنكر معرفته بالأمر: «أنا لا أعرف هذا الطلال السلمان». ولكن جمال الصوراني تدخل وقال لرئيسه السابق بحضور أبي اياد: «لكنها، يا أبا مازن، لغتك وألفاظك». فازداد حرج الشقيري وأمعن في التنصل: «يزورني فيصل حوراني وهو صديق لطلال هذا، ولعله...». وجاءني أبو اياد معاتباً اياي أنا هذه المرة. ولم أفوّتها أو أبيّتها، بل صحبت معاتبي الى الشقيري واقتبست بلاغة الرجل البليغ: «يتقولون عليك أنك تتهمني بنقل الكلام»، وتلقيت اجابته بل قل ان أبا اياد تلقاها: «معاذ اللّه، أنت خير الناس». تم حسم الأمر عندما اكتشفنا أن مصطفى نبيل التقط صورة للقائنا الشقيري في منزله وفيها الشقيري وهو يتحدث وطلال مقابله وهو يكتب الحديث. ونشر طلال الصورة في «الصياد» وتحتها هذا التعليق: «الشقيري: أنا لا أعرف هذا الطلال السلمان». في هذه الأثناء، كانت «فتح» قد أشهرت ما عرف باسم «منظمة أيلول الأسود». وكان هذا اسماً نسبت «فتح» اليه عدداً من العمليات الخارجية الانتقامية التي أقدمت عليها في دنيا العرب أو خارجها.وصارت منظمة أيلول الأسود عنواناً للانتقام ودخلت به «فتح» على طريق العمليات المسلحة التي لم أتردد أنا في وصف معظمها بأنه ارهاب. وانتعش المنطق، ايّاه، انتعاشاً كبيراً: «العالم يتجاهلنا فمن حقّنا أن نضرب في أي مكان لنجتذب الانتباه». وفي الجولة الجديدة من داحس والغبراء الفلسطينية ـ الأردينة، أُدخلت «أيلول الأسود» على الخط الساخن. ولئن اجتذب العنف الانتباه حقاً فان السخط على الفلسطينيين كان هو حشو هذا الانتباه. وبدا الأمر لي في هذا النحو: شاءت الضحيّة أن تعكس احساسها بالظلم فوقعت فيما يسوّغه، واستثمر الأعداء أخطاء الضحيّة فأمعنوا في ظلمهم ! ومع اعتراضي على ما اعترضت عليه وشدّة انتقادي له، لم تتزعزع قناعتي بأن مطالب الشعب الفلسطيني انطوت على مقدار هائل الحجم من العدالة، ولا يجوز أن تُنتقص عدالتها بسبب أي سلوك يتبعه أيما أحد.والى هذه القناعة، استند قرار ألزمت نفسي به ولم أتزحزح عنه. فأنا ابن الخندق الفلسطيني، خندق المظلومين، وسأظل فيه ان كان ضعيفاً أو قوياً، ان أخطأ ناسه أو أصابوا، ان أحسنوا السلوك أو أساءوا، ان تشددوا وان لانوا. وبركوني الى قناعتي وقراري، توفرت لي راحة الضمير، فأنا لا أقصّر في انتقاد ما أراه سلبياً، غير أن سلبيات خندقي لا تعميني عن رؤية ايجابياته. ولقد كانت هذه، مثلها مثل السلبيات، كثيرة. ولكي أسلح نفسي بالعزيمة اللازمة للتشدد ضد السلبيات، وجدتني مضطراً الى الافراط في الانحياز الى الايجابيات. وربما أوقعني هذا في أي مبالغة في تقدير الحجوم، لكنه هو الذي عزز احساسي بالانتماء الى خندق المظلومين والى الوطن المغدور.واذا كان السكوت على أخطاء المظلومين فيه ضرر كبير لهم، فان في التعالي عليه بادعاء الطهرية أو بدعواها ضرراً أكبر. وقد يكون أيما انسان طاهراً حقاً، ولكن طهريته وحدها لا تنفع خندقه ان لم ينهمك فيما هو منهمك فيه أياً ما كانت عليه طبيعة هذا الخندق. مرة أخرى، وفى ياسر عرفات بوعده لي. فما أن انقضت على اقامتي في القاهرة ستة شهور حتى أمضى اجراءات عودتي الى دمشق. واحتاج الأمر الى بضعة أسابيع لتهيئة نفسي وأسرتي. ومع أول الصيف، في العام 1972، عدت الى المدينة التي نشأت فيها، وتسلمت عملاً حقيقياً في الدائرة السياسية، وغرقت من جديد في الأجواء التي تستغرقني.