بنيامين بن اليعازر كان مسرورا في نهاية الاسبوع: فقد بدا له ان اقتراحه الشهير باسم غزة أولا كفيل بأن يكون مقبولا من القيادة الفلسطينية فيؤدي الى هدوء في المواجهة العنيفة. كما بدا له ايضا ان لهيب العمليات يخبو: فمنذ أكثر من اسبوع وأكثر لم تقع أي عملية تخريبية قاتلة. بن اليعازر هو وزير الدفاع، ومتابعة مزاجه أمر مهم لفهم نمط تفكير القيادة الاسرائيلية تجاه الثورة الفلسطينية.وهكذا فان بن اليعازر يشخص لدى الفلسطينيين استعدادا أكبر من السابق للتوصل الى تفاهم مع اسرائيل على وقف العنف. ومنعا للحسد، وكذا كي لا يظهر ككاذب، فانه يسارع الى ان يضيف بأن ليس لديه ثقة في ان يتحقق توقعه أو أمله فلا تقع عمليات اخرى، ومع ذلك، فان احساسه هو انه تجري انعطافة مثيرة للاهتمام لدى الفلسطينيين. وليس بن اليعازر الوحيد في اطلاق التوقعات المتفائلة. فبعد حملة السور الواقي في ابريل من هذا العام، قال رئيس الوزراء، فيما كان لا يزال يشق طريقه نحو اللقاء مع الرئيس بوش، ان الحملة أدت الى نتائج مهمة وأوقعت صدمة بالسلطة الفلسطينية. وقد دفع الهدوء الذي ساد في أعقاب الحملة مساعدي ارييل شارون الى القول ان السور الواقي أعادت الأمن لسكان اسرائيل. وقد اعتبرت الحملة ناجحة لدرجة استعارة اسمها لأغراض وطنية اخرى. سلفان شالوم مثلا أعلن عن سور واقي اقتصادي. وبينما كان شارون يجري محادثاته مع الرئيس الاميركي، وقعت عملية وحشية في نادي البلياردو في ريشون لتسيون قتل فيها ستة عشر شخصا وأصيب ستون بجراح. وفي أعقابها وقع العديد من العمليات الانتحارية الاخرى. وفي يونيو انطلقت حملة الطريق الحازم. وهي الاخرى نجحت في الوقف المؤقت للعمليات. وهي الاخرى أثارت الأمل والأقاويل لدى قادة الدولة حول الانعطافة التي تقف على البوابة، ولكن هذه الأمنية خابت هي الاخرى. وتعيش الدولة الآن فترة ما بعد حملة ربما هذه المرة التي هي الاخرى تبعث قادتها على الاعتقاد والقول انه ها هو التغيير المنشود يحل. وهذا يصل الى درجة ان اوساط جهاز الامن تقول ان قادة الفلسطينيين توصلوا الى الاستنتاج بأن الانتفاضة فشلت وأوقعت عليهم الكارثة. وتستند هذه التقديرات الى استخبارات موثوق بها، تستمد من المتابعة الوثيقة لياسر عرفات وكبار مسئوليه. وبين هذا وذاك، عرض رئيس الوزراء أكثر من مرة تشخيصات مدروسة عن الوصفة التي عثر عليها لمكافحة العنف وعن الحكمة الناشئة في القيادة الفلسطينية بشأن الحاجة للتوصل الى تفاهم مع اسرائيل. بيد انه يمكن التقدير على نحو مؤكد، بأن الهدوء الحالي في اعمال التخريب سينتهي وسفك الدماء سيتجدد. وتذكرنا دائرة ردود الفعل الموصوفة آنفا بظاهرة مرض الخرف الذي يصيب كبار السن. فالظاهرة الأبرز للمرض هي النسيان ولكنه يترافق معها ايضا هذيان واحساس بالمطاردة. والقيادة الاسرائيلية تنسى كل مرة نتائج الحملات العسكرية السابقة التي بادرت اليها ضد السلطة الفلسطينية، ردا على العمليات. وردودها تكرر نفسها وكأنها لم تتخذها في المرة السابقة. كما انها تطور آمالا عابثة (عند مرضى الخرف فان الهذيان هو هذيان قلق) وكأن خطواتها تؤدي الى التغيير المنشود في الوضع، وهي تتشبث برأيها، كل مرة من جديد، بأن يقف أمامها عدو فظيع غير مستعد للتوصل معها الى اتفاق حقيقي في أي حال من الأحوال. فبعد ان جربوا ايام الهدوء السبعة والتسوية المتدحرجة في مدن الضفة ومحادثات أمنية ومباحثات عن الدخول الى مسار تينيت وميتشل، يتسلى قادة الدولة الآن بفكرة غزة أولا، على أمل ان يختفي عرفات أخيرا ويحدث الانقلاب في نهج القيادة الفلسطينية تجاه اسرائيل، هذه الحلول ناجعة مثلما هو الأكامول لمرضى الخرف: العقدة الاسرائيلية ـ الفلسطينية لا يمكن حلها الا بسبيل واحد: اتفاق يقوم على أساس استعداد اسرائيلي للتنازل عن المناطق. عن « هآرتس»