ما الأفضل «طنجرة ضغط» أم «إجراء الحار»؟، هل يفضل تفجير منزل على رؤوس ساكنيه المسمى بلغة جيش الدفاع «طنجرة ضغط» أم ان من الأجدر ارسال أحد الجيران، لحماية الجنود بجسده، الامر الذي يسمونه في قاموس الجيش الدارج «إجراء الجار»؟في اطار التدهور الاخلاقي الحاصل في الجيش الاسرائيلي في المناطق والذي تسارع جدا في الاسابيع الاخيرة يصفون تخبط قادة الجيش كخيار بين عمليتين مثيرتين للخلاف حيث يؤدي عدم استخدام احداهما الى تشريع الثانية بشكل اوتوماتيكي، وكلتاهما مبررتان في اطار مكافحة العنف التي تسمح بكل شيء تقريبا.بهذه الطريقة حاولوا في الجيش الاسرائيلي في نهاية الاسبوع تبرير الاستخدام المستهجن للجار المسكين نضال أبو محسن البالغ من العمر 19 عاما والذي أرسله الجنود بعد ان ألبسوه سترة واقية الى حتفه خلال محاولة وضع اليد على المطلوب ناصر جرار. الخيار الثاني الذي كان أمام الجنود، كما يقولون في جيش الدفاع، هو خيار «طنجرة الضغط»، ولكن جيش الدفاع لم يفوت الطريقة الثانية ايضا في هذه المرة فبعد ان فشلت طريقة «اجراء الجار» قام بدفن المطلوب المقعد بلا ساقين وبيد واحدة تحت أنقاض منزله من دون ان يعرف أحد من الذي يتواجد غيره في المنزل الذي دمرته الجرافة العملاقة، ولم ينبس أحد ببنت شفة حول هذا الامر في اسرائيل. جار مسكين أُمر بالسير الى حتفه وجرافة تهرس مطلوبا حيا مهما كانت مرتبته وقسوته، ومن دون ان يعرف أحد من الذي يتواجد غيره في المنزل، وضباط وسياسيون يبررون العملية من دون ان ترمش لهم عين أو يندى لهم جبين، واذا أردنا معرفة مستوى بلادة الحس وفقدان المشاعر الذي بلغته نفوسنا، فمن الممكن ان تكون هذه الواقعة مثالا ممتازا على ذلك، التسميات الملمعة التي اختارها جيش الدفاع للاسلوب المستخدم: «طنجرة الضغط» و «إجراء الجار» لا تستطيع ان تخفف المغزى الخطير الذي ينطوي عليهما والذي لا يمكن لمكافحة العنف الأكثر عدالة وأحقية حتى ان تبرره.استخدام أجساد الفلسطينيين لأغراض وخدمة جيش الدفاع ليس بالامر الجديد، ففي الانتفاضة الاولى كان الجنود يأمرون الفلسطينيين شبانا وشيوخا بتسلق أعمدة الهاتف والكهرباء لانزال علم فلسطين المحظور عنها بعضهم أصيب بصدمة كهربائية ومات، كما أمروا آخرين بازالة حواجز الحجارة خشية ان تكون مفخخة وكان هناك حالات تم فيها إجلاس الفلسطينيين على مقدمة السيارة العسكرية لحماية الجنود، تصعيد وتشديد وسائل مكافحة الانتفاضة الثانية أدى ايضا الى تشديد استخدام أجساد الفلسطينيين كترس واق بشري، فقد أمرهم الجنود بالدخول الى المنازل التي يشتبه بتفخيخها وأمروا باخلاء الأشياء المشبوهة والمساعدة في ملاحقة المطلوبين، المسألة ليست مسألة اعمال استثنائية شاذة وانما سياسة معلنة وثابتة لدرجة تثبيتها «كاجراءات» وانظمة معمول بها.في أساس كل هذه الوسائل يمكن ان نشاهد مدى بخس حياة الفلسطينيين في نظر الجيش الاسرائيلي، من الممكن ان نضعها في دائرة الخطر كلما خطر لنا ذلك، كما ان الفكرة السائدة في ان عملية الدفاع عن حياة الجنود تتيح لنا استخدام كل الوسائل التي تخطر ببالنا بما في ذلك حياة الفلسطينيين الأبرياء العزل، هي فكرة غير سليمة - اخلاقيا وقانونيا، حياة الجنود غالية، وعلى جيش الدفاع ان يحافظ عليها من كل سوء، ولكن حياة السكان الفلسطينيين غالية هي ايضا. في هذه العملية قام الجيش بغش محكمة العدل العليا وتحقير النيابة العامة: بعد ان تعهد ممثل الدولة قبل ثلاثة اشهر، المحامي ملخيئيل بلاص، باسم الجيش أمام المحكمة العليا بأن «جيش الدفاع قد قرر اصدار أوامر قاطعة لقواته العاملة في الميدان بالحظر المطلق لاستخدام المواطنين كائنا من كانوا كترس حي لحماية الجنود من العمليات أو اطلاق النار.. هذا الحظر يسري على المنازل والشوارع وفي كل مكان تعمل فيه قوات جيش الدفاع»، تأتي هذه العملية الآن والتي ليست الوحيدة من نوعها على ما يبدو لتبرهن ان قيمة التعهد أمام محكمة العدل العليا كورقة الثوم في نظر جيش الدفاع، وعملية الاغتيال في طوباس كانت ايضا رمزا لمرحلة اخرى من مراحل التدهور في سلطة القانون في الدولة: جيش يتعهد بشكل صريح في الامتناع عن القيام بعملية معينة أمام قضاة محكمة العدل العليا، ومن ثم يقوم بتجاهل تعهده بشكل فظ، هو جيش خطير على الديمقراطية، ولكن لا يوجد اليوم من يوقف هذا الاتجاه.ربما منعت عملية التصفية في طوباس تنفيذ عملية تخريبية كبرى، الا انها لم تهزم العنف ولم تدحره مثل كل العمليات، وهناك شك كبير في انها ردعت الفلسطينيين وأخافتهم، ولكن هناك عدة امور حدثت في طوباس يجب ان تثير قلقا عميقا في اسرائيل بالتحديد، اسلوب «اجراء الجار» لا يعتبر فقط رمزا واشارة الى ما تبقى من علاقات الجوار القائمة بيننا وبين الفلسطينيين، وانما اشارة الى ما يحدث لنا ايضا في داخل البيت في الوقت الحالي. عن « هآرتس»