يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. لما لم يكن وارداً عندي الربط بين تعليقي وأجهزة الأمن أو القوى الجوية، ولما لم يكن العميد هو المسئول عن الإعلام في قيادة الحزب أو عن أي إعلام، فقد هجست بأن استدعائي إلى مكتب العميد ربما تم بسبب تقرير ما تلقته الأجهزة عني، وتعمدت أن أذهب إلى مكتبه في مقر قيادة القوى الجوية ماشياً فأتيح لنفسي وقتاً أستحضر فيه ما قمت به مما قد يستوجب المساءلة الأمنية. وقد استحضرت واقعة جرت أثناء انعقاد دورة المجلس الأخيرة في القاهرة. إذ أني أجريت هناك مقابلة صحافية خاصة مع ياسر عرفات وأرسلتها إلى جريدة «البعث» فنشرتها الجريدة ونقلت وكالات الأنباء مقتبسات منها، فأثار هذا سخط بعثيّ عضو في المجلس لا يحبّ عرفات. وكان هذا العضو الذي أتذكر أن اسمه هو محمد ناصر ممن يصعب وصفهم باللباقة. وقد داهمني محمد هذا بسخطه وأنا واقف وسط حشد من المشاركين في الدورة، وكان فظاً ليس فيما قاله فقط، بل في النبرة المتعالية التي استخدمها : «مقابلة مع ياسر عرفات في جريدتنا ؟ لماذا لم تجر مقابلة مع الأمين العام للصاعقة، ألا يعجبك زهير محسن، وهل هذا لأنه هو الذي طردك من الحزب، ألم يكفك أننا أبقيناك في الجريدة بعد الطرد ! ؟». وسمع محمد منّي رداً قاسياً، ففقد صوابه ورماني بتهديد سافر: «سنعود إلى دمشق، وسنرى !». وفي طريقي إلى مكتب العميد تصورت أن تقريراً من محمد هذا هو الذي تسبب في استدعائي، وهيأت نفسي للرد. اختار العميد ناجي لمكتبه حجرة فسيحة، بل قل صالة كبيرة. فعل حديث العهد بالسلطة ما يفعله أمثاله الذين يتصورون أن ضخامة حجرة العمل هي التي تدلل على علوّ المكانة، وأقام العميد مكتبه في صدر الصالة أبعد ما يمكن عن مدخلها وملأ فراغها بعدد كبير من المقاعد الفاخرة. وعندما ولجت الصالة كانت المقاعد كلها مشغولة بالزوار، وكان معظم هؤلاء من الضباط العسكريين من مختلف الرتب. وهكذا توجب أن أجتاز شبكة مديدة من النظرات التي أحاطت بي وأنا أعبر المسافة بين المدخل والمكتب. وكان أول ما لاحظته على الرجل الذي اتجه نحوه أن وجهه طافح بالحنق. وقد تعمد هو أن يظل في العقدة المتعالية التي اصطنعها ولم ينهض لاستقبالي ولم يتحرك من كرسيّه ولا مدّ يده للمصافحة، ولم يدعني إلى الجلوس، ولا كان بقربه مقعد شاغر أجلس عليه. وقد ملأني مسلك الرجل بالسخط، أنا الذي صرت تعرف شدّة تأذيّ من الاستهانة بي. وأول ما فاه به الرجل الذي لم يرد على تحيتي كان تقريعاً لي: «ما هذه المواقف التي تفرضها على البلد فرضاً ؟». ولأني لم أدرك ما يشير إليه هذا الحانق فقد سألت بنبرة مستنكرة وساخطة : «أي مواقف، وأي فرض ؟». العميد الذي ألف أن يواجه تقريع رؤسائه له بالإذعان ولم يألف أن يواجهه مرؤوسه إلا بإذعان مثله والذي يعدني بالطبع أدنى مكانة منه ما كاد يسمع عبارتي حتى انفلت زمامه: «تتجاهل فعلتك، من أنت حتى تفرض على القطر مواقف لا نؤيدها». فكاد زمامي أنا الآخر ينفلت: «أنت تتهمني بما لا أعرف، فلماذا لا تهدأ وتقول لي ما الحكاية». ويبدو أن الرجل أُخِذ بجرأة الصحافي الذي يصرخ في وجهه، فلم يهتد إلى ما يفعله إلا إلى استخراج ورقة من ملفّ موضوع أمامه وقراءة ما فيها ومطالبة الحاضرين بأن يصغوا إليه. كانت «لوريان لوجور» التي تصدرها دار النهار في بيروت باللغة الفرنسية قد التقطت ما في تعليقي من نفس يميزه عن الخطاب السوري السياسي الرسمي. وشاءت الجريدة التي تخاصم سوريا أن تجسّ النبض وتستقصي ما إذا كانت ثمة بوادر تبدل في الموقف السوري، كما قال لي فيما بعد عميد دار النهار غسان تويني. وقد ترجمت الجريدة تعليقي وتعمدت أن تجعل كلمة كيان دولة ونشرت منه مقتبسات في صدر صفحتها الأولى تحت المانشيت الرئيس: «موقف مفاجئ لسوريا، البعث تطالب بدولة فلسطينية». وما قرأه العميد كان الترجمة التي أعدتها الجهات الرسمية للنص الذي نشر بالفرنسية فلم أتعرف فيه أنا على ما كتبته ولم أتذكره. وعندما ختم العميد قراءته، جبهني بنبرة من وقع على ما يفحمني: «كيف تكتب مثل هذا الكلام». ورددت أنا بثقة: «هذا كلام لست أنا كاتبه». العميد الذي لم يكلف نفسه عناء مقارنة الترجمة المكررة بالنص الأصلي المنشور في جريدة حزبه تلقى جوابي بتهيئة من تلقى صفعة، وما أسرع ما رماني بسيل من الشتائم والتهم. ووجدتني أنتفض من الحنق: «شتائمك لا تخيفني فهي عندي دليل ضعف، واتهاماتك، فلماذا لا ترجع إلى النص الأصلي». وأُخذ العميد مرة أخرى بجرأتي ولم يعرف كيف يتصرف إلى أن أنجده سكرتيره حين أحضر جريدة «البعث» وقال لسيده : «التعليق هنا». ومرة أخرى توجه العميد إلى زواره وقرأ بسرعة ما اختار قراءته من التعليق ثم سألهم وهو يلوح بالنص الأصلي والترجمة معاً : «أليس هذا الكلام هو هذا الكلام ؟». وترددت في الصالة «نعم» صاخبة وانداح صداها. عندها، اندفع كل ما في جوف الرجل إلى فمه وسال فيض آخر من الشتائم والتهم. وقد ميزت بين الشتائم والتهم اثنتين كررها العميد الحانق أكثر من غيرهما: «جاهل، متآمر على الحزب». وعندما لم يعد بالإمكان أن أضبط رد فعلي، فاض مخزوني أنا الآخر: «تقول : متآمر. هذه انتهينا منها منذ ثلاث سنوات وأنا خارج الحزب الآن. أما جاهل، فاسمع: كل الذين يعرفونك يقولون عنك إنك جاهل ويضربون بغبائك الأمثال. أما أنا فكل من يعرفني يشهد لي بالذكاء». ولم أكن قد أنهيت كلامي حين رأيت أمامي رجلاً يهتزّ كله على مقعده ويعجزه الغيظ عن مقاومة الاهتزاز، بل يعجز حتى عن أن يواصل تقريعي أو يقوم ليضربني هو الذي بدا لي شديد الرغبة في تأديبي. وكل ما فعله المحتقن بغيظه أن ضغط على زر الجرس وظل يضغط حتى بعد أن فزع إليه ناس مكتبه جميعهم، ثم راح يصرخ: «برّة» وهذه التي تعني إلى الخارج تكررت، ثم تبعتها: «اسحبوه، خذوا هذا المتآمر إلى السجن، من هنا إلى السجن فوراً !». وفيما تولى موظفو مكتب العميد سحبي من أمامه سمعته يصدر أوامره : «خذوه إلى العقيد حكمت وقولوا إنه مرسل من قبلي !». وهكذا، أدركت أني مرسل إلى مدير المخابرات العامة. في المكتب الذي أخذتني إليه جيب عسكرية، في مبنى وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة للجيش القريب من مبنى الإذاعة والتلفزيون، وجدتني في جو مختلف تماماً من جميع الوجوه. فقد وجدتني هنا في حجرة سعتها معقولة وقد فرشت بأثاث يشي بذوق شاغلها الرفيع. ووقف شاغل المكتب أمامي بأناقة لا يشوبها التصنع، واستقبلني مرحباً كما يُستقبل زائرٌ مرموق، ثم انتقل من وراء المكتب وجلس على مقعد ودعاني إلى الجلوس قبالته، ولم يجلس هو إلا بعد أن جلست أنا. وأدركت بغير عناء أني إزاء مسئول غير ساخط عليّ. فشعرت بالاطمئنان، وجلست براحة. ثم تقبلت بامتنان السيجارة التي قدمها الرجل إليّ. ونفثت أول الأنفاس برويّة، وقلت قبل أن يبدأ هو الحديث: «أنا لا أفهم لماذا يشغلون مسئولاً كبيراً مثلك بتهم يختلقونها اختلاقاً، ولا أقرّ أن أعتقل. لكني إزاء استقبالك الكريم لي أضع نفسي في تصرفك، وسأجيب بصراحة تامة على أي سؤال». والواقع أني التزمت الصراحة التامة خلال ساعة ونصف ساعة هما الوقت الذي استغرقه التحقيق. ولكي أكون أكثر صراحة عليّ أن أقرّ بأن الحديث كان أقرب إلى الحوار وتبادل الآراء منه إلى التحقيق. بدأ العقيد حكمت الشهابي حديثه بمجاملة ذات مغزى، فقال إنه يعرفني معرفة دقيقة حتى وإن لم نلتق قبل الآن. وذكر العقيد أن صديقين مشتركين هما العميد محمد الشاعر والعميد مصباح البديري حدثاه عني كثيراً، وهو يعدني صحافياً كفؤاً ووطنياً مخلصاً، ثم أفهمني في نحو غير مباشر أنه هو لم يكن ليأمر باعتقالي أو التحقيق معي بسبب التعليق وإن لم يتفق معي في الرأي. وقال العقيد إنه قرأ التعليق بإمعان، أمس وأعاد قراءته اليوم وهو ينتظر وصولي، ووصف التعليق بأنه مكتوب بذكاء شديد وعباراته توحي بأعمق مما يحمله ظاهرها. ومع ابتسامة مطمئنة، قال الرجل عني إني أقرر في مقالاتي آراء لا تتطابق مع سياسة الدولة، ثم طرق الموضوع المشكل: «لا توجد في التعليق دعوة صريحة إلى إقامة دولة فلسطينية، إلا أن قارئه يستنتج أنك مؤيد إقامتها، فأنت لا تدعو إلى مجرد كيان». عند هذه النقطة، شئت أن أقول شيئاً. إلا أن العقيد أشار بيده إشارة عنت أنه لم يتم كلامه: «وإذا كان هذا ما يستخلصه القارئ العادي فلك أن تتصور ما يستخلصه الذين يعرفون أنك تحثّ إخوانك على القبول بتسوية سياسية مع إسرائيل مقابل دولة صغيرة في الضفة والقطاع». وفي شرحي لموقفي، قلت إني أفهم الدعوة إلى الاستقلال الفلسطيني على أنها موجهة ضد إسرائيل وليس ضد الوحدة العربية ثم بسطت رأيي الذي تعرفه وموقفي من التسوية السياسية. وقلت إني أعرف أن ما أؤمن به مخالف للموقف السوري الرسمي،. لكني أُلزم نفسي بنفسي ألا أكتب في جريدة الحزب الحاكم ما يتعارض معه، ولهذا، تعمدت استخدام كلمة كيان، وقد سبق لحزب البعث أن نشر في العام 1964 مشروع خطة كاملة لتأسيس كيان فلسطيني ثم لم يتراجع عنه. أصغى العقيد إلى شروحي بانتباه. وعندما وصلت إلى النقطة الأخيرة، بدا كمن تذكر ما أوكل اليه، فقطع سياق تبادل الآراء، وقال إنه لا يود أن يتهمني بالتلاعب بالألفاظ فكان كأنه ينبهني إلى أني أتلاعب بها فعلاً. ثم عاد العقيد إلى مكتبه حيث جريدة «البعث» وقال وهو جالس إلى المكتب : «لنقرأ التعليق معاً !». وقرأنا التعليق. وتوقفنا عند دلالات الألفاظ والعبارات. حتى دلالات علامات التنقيط توقفنا عند بعضها. وظل ما تبرزه السطور وما تبطنه حمالي أوجه كليهما. واحتدم الجدل دون أن أقنع الرجل أو يقنعني، فلا هو أقتنع ببراءة قصدي ولا أنا اقتنعت باستحقاقي الاتهام. مع هذا، أمتعني الجدل مع رجل المخابرات المهذب والمتفهم. حتى لقد نسيت أني معتقل أو أن ما يدور هو تحقيق. ولم يصدر عن محدثي ما يذكرني بوضعي. وقد استخلصت من حديث العقيد ما عزز استخلاصاتي السابقة. فالسياسة السورية في عهد الأسد تضمر ميلاً إلى التحرر من التشدد الموروث، أما الإفصاح عن هذا الميل فما زال موضع مناقشة بين ناس العهد ولم يحسم أمره بعد داخل القيادة. وحين وقف العقيد مؤذناً بانتهاء الحديث، وقفت أنا ومددت يدي للمصافحة وشكرته على الاستقبال الرائق وكدت أردد عبارات الوداع على أساس أني منصرف. لكن مدير المخابرات العامة أخرجني من توهمي: «سأرسلك إلى مكان قريب وستكتب هناك إجابات خطيّة على الأسئلة. وتذكّر أن عليك أن تقنع الذي أرسلك إليّ. أما أنا فإني أفهمك وأقدرك !». تجنب الرجل ذكر كلمة سجن أو كلمة تحقيق وتطوع بنصيحة مفيدة، وكان هذا كرماً زائداً منه وقد قدرته له، ثم صحبني إلى الباب وقال لأحد معاونيه: «خذوا الأستاذ إلى الرائد عدنان !». أُخذت إلى فرع التحقيق العسكري الذي يرأسه رائد له هذا الاسم. وهناك سُلمت إلى ديوان الفرع كما تسلم بضاعة موصّى عليها. وقد أكرمني موظفو الديوان الذين لم أميّز رتبهم بسبب ملابسهم المدنية وأجلسوني على كرسي بينهم. وعندما عرف هؤلاء تهمتي تذكر واحد منهم أنه قرأ التعليق دون أن يستوقفه شيء غير عادي فيه، وجاء آخر بالجريدة وقرأه لزملائه. وتبادل هؤلاء نظرات وشت بأن الأمر ليس أمر تعليق في جريدة. ولحظتها، لحظتها فقط، تذكرت محي الدنيوف ونخبه وإطراءه لي وتحذير نبيه لي من العواقب. كان العميد ناجي جميل من القوميين المتعصبين الذين لا يرتاحون لزيادة الحضور السوفييتي في البلد وبروز الشيوعيين في الحياة السياسية. وسطعت فكرة : هذا الرجل قد لا يكون غبياً بالمقدار الذي يتحدثون عنه. وداهمتني الهواجس. أما الرائد عدنان فأوضح منذ أُدخلت عليه أنه غير مسئول عن مشكلتي وأني عنده مجرد وديعة لحساب العميد ناجي. وصارحني الرائد بأنه قرأ التعليق فلم يجد فيه ما يسوغ حنق العميد عليّ. ثم قدّم رئيس فرع التحقيق قائمة أسئلة مكتوبة وقال إنه أوصى بأن أبقى في الديوان إلى أن أفرغ من كتابة إجاباتي عليها. كان جرس صوت الرائد قاسي الوقع. ويبدو أن الصوت اكتسب قسوته من نشأة صاحبه في المنطقة الجبلية التي تشي لهجته بأنه منها ومن المهنة. إلا أن سلوك الرجل إزائي خلا من أي قسوة. وقد حاول الرائد أن يعرف ما إذا كان ثمة شيء خاص وقع بيني وبين العميد ناجي. استفهم الرجل عن هذا بعدما أكد على أنه لا يحقق معي بل يسأل بدافع الفضول الشخصي، وأغلب ظني أنه لم يصدقني حين قلت إني لا أعرف. مكوثي في حجرة الرائد وفّر لي فرصة ما ظننت أني سأظفر بها. فقد جاء إلى الحجرة رجل من «فتح» يعرفني وأعرفه وهو يحمل رتبة نقيب في قوات الثورة الفلسطينية ويشغل موقعاً في قيادة تنظيم «فتح» في سوريا جاء الفتحاوي مراجعاً في شأن من الشئون، ففوجئ بوجودي. وفيما هو واقف باستعداد في حضرة الرائد السوري، ألقى النقيب الفلسطيني عليّ نظرة متفهمة. ولم أكن أجهل أن الرجل قليل الفطنة كما لم يكن بإمكاني أن أجيب على تساؤله بكلام سيسمعه الرائد، فضممت معصميّ في حركة يفهم منهما أي إنسان أني معتقل. ومنيت نفسي بأن القيادة الفلسطينية ستعرف مكان اعتقالي. ولم أحتج إلا إلى وقت قصير كي أنهي ما كتبته. غير أن موظفي الديوان أبقوني عندهم وظلوا يجاذبونني أطراف أحاديث متنوعة وأنا أراقب عملهم. وفي جلستي تلك، جيء إلى الديوان بموقوفين غيري، فكان واحدهم يصل بصحبة الذين جلبوه، فيتسلمه موظف في الديوان، ويسجل اسمه في سجل، أو يغفل هذا إن قضت التعليمات بالإغفال، ثم يفتشه ويفرغ ما في جيوبه ويوجب عليه أن ينزع ربطة العنق وأربطة الأحذية والحزام، ثم يقتاده إلى الداخل. وعندما حلّت الساعة الثالثة بعد الظهر، غادر الموظفون الحجرة واحداً إثر آخر إلى أن بقي فيها واحد منهم فقط، وهو من كان أشدّهم تعاطفاً معي وهو ذلك الذي كان قد قرأ التعليق. وبعد تردد، قال الرجل بادي الحرج: «لا بدّ من وضعك في الزنزانة». ولكي لا يزيد حرج الرجل، بادرت بنفسي إلى إفراغ جيوبي وفك الحزام وأربطة الحذاء، وهتفت متصنعاً المرح: «أنا جاهز». وأشار هو إلى معصمي : «الساعة إن سمحت !» وكان في الزنزانة التي قادني إليها الرجل حشيّة ومخدّة وبطانية ووعاء لقضاء الحاجة له غطاء، وكان لها نافذة يجيء منها ضوء النهار فأدركت أني حظيت بمعاملة متميزة. وقبل أن يقفل عليّ الباب، سألني الرجل عما إذا كنت بحاجة لشيء، فقلت إني أود لو أمكن أن يعرفوا في الجريدة مكان وجودي. فهمس الرجل : «هم يعرفون، أصحابك قائمون قاعدون من أجلك». وما كنت بحاجة إلى أكثر من هذا لأعلل نفسي بالأماني الطيّبة. وتذكرت أني لم آكل شيئاً طيلة النهار. وذكرت هذا للرجل، فما أسرع ما أحضر طاسة طافحة بالطبيخ الذي يأكله العسكر ورغيفاً من خبزهم الكبير . وأتيت على ما يأتي عليه جائع نهم. ثم سرى الخدر منحى الهواجس، واستسلمت لنوم عميق، لم ينتزعني منه إلا صرير باب الزنزانة حين انفتح ثانية وانتصبت أمامي قامة سجان جديد، وكان الليل قد أطبق. داهمتني لحظتها الهواجس: إنهم يعذّبون في الليل. ويبدو أن دوري قد حلّ. وإذا شئت أن تعرف ما إذا كنت قد خفت، فلتعرف إذن أن ترقب التعذيب قد يكون أشق من التعذيب ذاته، غير أن صوت المنتصب عند الباب حمل مغزى مغايراً: «إفراج». كلمة واحدة لم يفه الرجل بغيرها، حتى لقد خشيت أني أخطأت السمع، فليس من المألوف أن يُفرج عن نزيل زنزانة منفردة بهذه السرعة. وحين تبعت إشارة السجان إليّ بأن أتبعه، سرت وراءه ومعي هواجسي. في حجرة الضابط المناوب، أبلغ إليّ شاب يجلس وراء مكتبه وهو في ثياب النوم أنه تلقى للتوّ أمراً بالإفراج عني، ولم يفته أن يضيف أن الإفراج عن موقوف في مثل هذه الساعة أمر غير مألوف: «إنها العاشرة»، قال الشاب هذا ليؤكد على فكرته. ولا أدري لماذا تهيأ لي أن الضابط يحس بالأسف لأني أنفذ بجلدي. وبعد أن أعيدت إليّ أشيائي، عرض الضابط أن توصلني سيارة التحقيق إلى منزلي، وعندما تلقى رفضي لم يلحّ : «تذكر، نحن لم نسئ معاملتك». ولم يضف إلى هذا ولو كلمة وداع.الإفراج المفاجئ وغير المتوقع أسلمني إلى هاجس بغيض. فقد تذكرت واقعة قديمة جرت أيام ازدواجية السلطة. فقد اعتقل وقتها شاب شيوعي من معارفي، فاشتكى حزبه الذي كان له وزير في الحكومة، وصدرت التعليمات إلى الجهاز الذي يعتقل الشاب بالإفراج عنه. وخرج المعتقل فعلاً من المبنى الذي احتجز فيه. لكن سيارة تابعة لجهاز آخر كانت على الرصيف في الانتظار وحملت الشاب إلى مكان آخر لم يعرفه المهتمون بالإفراج عنه. وبالرغم من أن العقيد عبد الكريم الجندي، وهو من كان آنذاك رئيساً لمكتب الأمن القومي، قد اهتم شخصياً بسلامة هذا الشاب، فقد تعذر عليه تحديد الجهة التي تحتجزه، وانتهت الحكاية بعد أيام بجسد الشاب ملقى على رصيف في المدينة وهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة. وأغلب الظن بأن الذين ألقوا الجسد على الرصيف تصوروا أنه فارق الحياة. تذكري لهذه الحكاية هو الذي جعلني أرفض عرض الضابط. وعندما وجدتني على رصيف شارع بيروت في الهواء الطلق، انتعش مزاجي دون شك، غير أن الهاجس لم يبرحني بل انتعش هو الآخر. كان الشارع خالياً من المارّة. وكنت بمحاذاة مقرّات عسكرية. فتضخم هاجسي. وما سمعت صوت سيارة إلا تهيأ لي أنها اللحظة المخيفة، وغنيّ عن البيان أني امتنعت عن استخدام تاكسي، بل توجهت إلى منزلي ماشياً وأنا أتلفت حولي. ولم يبارحني الحذر حتى بعد أن تركت شارع بيروت الخالي وغمرتني أضواء شارع أبو رمانة وصخب الساهرين فيه. وفي المنزل، وجدت في انتظاري حشداً كبيراً من الأصحاب. كان نبيه، هنا، ومنير، ومحمد الشاعر ومصباح بديري ومندوب أرسله ياسر عرفات وآخرون كثيرون. ولم أكد أفرغ من التحيات حتى وصل صالح السغبيني. وعرفتُ سرّ المعاملة الاستثنائية التي حظيت بها. كان صالح يعرف ما يعرفه غيره عن فظاظة العميد الذي استدعاني فباشر منذ حلوله في مكتبه الاتصالات اللازمة لحمايتي. وتابع صالح ما جرى خطوة خطوة، ولم يكفّ عن الاحتجاج. واتصل رئيس التحرير الذي يحترم مسئولياته بمدير المكتب الصحافي للرئيس حافظ الأسد، وهو صديقي المتعاطف معي الفلسطيني أسعد كامل إلياس، وطلب أن يصل رأيه إلى الرئيس: «أجزت نشر التعليق فأنا، إذن، المسئول ولا تجوز معاقبة الكاتب». وعندما عرف صالح أني وضعت في زنزانة منفردة، شدد احتجاجاته وعرض أن يحلّ محلي أو يزاملني، وطلب أن يقابل الرئيس. واستخدم ياسر عرفات نفوذ الفلسطينيين في سوريا وعلاقاتهم، وعمل كل ما يمكن عمله لحمايتي، وبذل آخرون، بعثيون وغير بعثيين جهودهم بعد أن عممت زوجتي نبأ اعتقالي على أوسع نطاق. وبإلحاح منه، حظي رئيس تحرير «البعث» بلقاء مع الرئيس الأسد في المساء. ودعي العميد ناجي إلى هذا اللقاء. وانتهى الأمر بتسوية: أن يفرج عني فوراً، على أن أسرح من العمل في الجريدة وأمنع من الكتابة لأي من أجهزة الإعلام في البلد. عند هذه النقطة من رواية صالح، وجّه نبيه ارشيدات إليّ النظرة التي أعرف أنها تقول: هل صدقتني، ثم قال : «هذا هو بيت القصيد، لعبوها، لعبها من لعبها كي يمنع فيصل عن الكتابة». وعقب صالح : «اشترطوا أن يُمنع أيضاً حتى عن دخول مقرّ الجريدة».لم أنتبه وقتها إلى قسوة العقوبة مع أن فيها أقسى ما يمكن أن يعاقب به صحافي. تركز انتباهي على نجاتي من الحبس. وابتهج الجميع، على أي حال، بسلامتي، بمن فيهم بالطبع نبيه. إلا أن صالح ظل بادي الاستياء، وقد صارحني بأنه قبل التسوية لأنها أخرجتني من السجن دون أن ترضيه بنودها الأخرى. وقال صالح إنه يفكر في الاستقالة. وكان من الطبيعي أن أحثّه أنا على الاستمرار في منصبه. وهم على أي حال لن يبقوه في الجريدة مدة طويلة بعد هذه الواقعة. في اليوم التالي، تلقت الجريدة قرار فصلي من العمل الصادر عن القيادة القومية لحزب البعث وعليه توقيع أمينها العام المساعد، أي مساعد الأمين العام حافظ الأسد، عبداللّه الأحمر. وجاء صالح بالقرار إلى منزلي. وجاء معه محاسب الجريدة. أراد صالح أن يستخدم صلاحياته لأحصل على أفضل تعويض نهاية خدمة ممكن، فاكتشف وقتها ما كنت أعرفه وأهمله، وهو أن العاملين في «البعث» غير مسجلين لدى مؤسسة التأمينات الاجتماعية، وأني لن أحصل، لهذا، على أي تعويض. وكان لدى المحاسب عرض رضي صالح به على مضض لأنه لا بديل له وشاء أن يستخرج رأيي فيه. فقد اقترح المحاسب حتى لا أسرح دون الحصول على شيء أن تطبق الجريدة عليّ ما نص عليه قانون العمل القديم. وعنى هذا أن أحصل على أجر نصف شهر عن كل سنة من سنوات خدمتي الخمس الأولى وأجر شهر عن أي سنة تالية. قبولي الاقتراح كان سيوفر لي مبلغاً أضأل مما استحق لو كنت مسجلاً في التأمينات، أما الرفض فلا يوفر أي مبلغ. وكان البديل عن الرفض أن أتوجه إلى محكمة العمل وأقاضي قيادة الحزب الحاكم. فهل كان في متناولي إلا قبول اقتراح المحاسب !. تلقيت تعويضي المنقوص في اليوم ذاته. وقررت ألا ينقضي النهار قبل أن أسدد ما عليّ من ديون جميعها. وقد سددت في ذلك النهار فعلاً ما وفى به المبلغ، وأرجأت تسديد البقية إلى أن يتبدل الظرف. وهكذا، وطّدت نفسي على مواجهة البطالة وأنا خالي الوفاض. ونمت تلك الليلة مرة أخرى نوماً عميقاً. ألسنا نعرف أن نوم المقهور يعمق ويمتد. وفي الصباح، تلقيت هاتفاً مبكراً: «طلب الختيار أن أوقظك وأدعوك إلى تناول الإفطار معه. يريد أن يراك قبل أن يزحمه الآخرون». ووصلت إلى مكتب الـ «3» وأبو عمار يصلي. لم يكن هذا وقتاً عادياً للصلوات المفروضة، لكنها عادة عرفات وطبيعته وحساباته. وقد انتبهت منذ وقت طويل، أنا الذي لم ينس ما درسه من أحكام الفقه الإسلامي وقواعد العبادات، إلى أن قائد الثورة الفلسطينية المسلحة يستفيد في صلواته من رخصتين أُبيحتا لأمثاله، فيما هو على سفر دائم فهو يجمع الصلوات وبما هو محارب دائم فهو يقصرها. وبالجمع والقصر.،كان عرفات يصلي مرة واحدة في اليوم ولا يكررها إلا إذا اقتضت ذلك الظروف، كأن يكون في جمع يؤدي صلاة جماعة أو يكون عنده زوار يحرص هو على أن يعرفوا أنه متدين مواظب على أداء الفرائض. ولم يطل انتظاري، إذ سرعان ما فرغ عرفات من صلاته وأتم الدعاء الذي يعقبها ثم فرغ لي.استقصى أبو عمار تفاصيل ما جرى لي بعناية وظل يحثني على الإفاضة. وفي غضون ذلك، أدخل الإفطار، وكان كالعادة وجبة متواضعة، فهو لا يأكل في قوات الثورة إلا ما يأكله المقاتلون العاديّون. وبالرغم من ولعه بالطعام الجيّد وقدرته على التهام الكثير منه فهو يأكل في هذه المقرات القليل. وبعد الإفطار، انتقل عرفات إلى كرسيه وراء مكتبه. واستعادت تعابير وجهه سمات القائد المتمرس، وقال: «دعوتك لأقول لك إننا معك صحيح أنك تكتب أشياء لا أوافق عليها، لكنك ابن هذه الثورة ولن أسمح لهم بأن يذلّوك». واكتسى وجه عرفات صرامة منذرة: «ليس ما تكتب هو الذي يغيظهم، إنه النفس، يغيظهم أن عندهم فلسطينياً مستقلّ الرأي مرفوع الرأس، يجوّعونك لتخفض رأسك، تعرف من الذين أعنيهم». قال عرفات هذا وأدى حركة أراد أن أفهم منها أنه يخشى أن يكون في الحجرة جهاز تسجيل خبأه الذين عناهم بكلامه. فلم أملك أنا إلا أن أردد: «أنا فاهم» وأخفض رأسي احتراماً وامتناناً لأريحية هذا الرجل، ولولا هذا لبدوت أبله وناكراً للجميل. وفيما كان تحرجٌ دوافعه كثيرةٌ يطوقني، أمسك أبو عمار سماعة الهاتف وخاطب شخصاً على الطرف الآخر: «سيجيئك فيصل حوراني فادفع له ما يطلبه !»، وأعاد السماعة إلى موقعها، ثم وجه الخطاب إليّ : «أبو أسامة محمد، اذهب إليه، وخذ ما يلزمك لتعيش بكرامة !». يقيناً إن مبادرة عرفات أحلّت في نفسي الطمأنينة التي افتقدتها منذ أدركت أنني مفلس. ولو انسقت مع حاجتي وحدها لقبلت العرض بغير تردد. وقد كنت أعرف أن «فتح» ألزمت نفسها تقديم العون لأي فلسطيني ناشط في العمل العام إذا شحت موارده أو قطعت بسبب نشاطه، حتى لو لم يكن من أعضاء «فتح» أو مؤيديها. غير أني كنت أعرف أن عون «فتح» لا يقتصر على المحتاجين إلى العون وحدهم، بل يشمل أيضاً من تحتاج هي إلى تأليف قلوبهم أو تليين عدائهم أو ضمائرهم. وإزاء هذا العرض الذي بدت نزاهته سافرة لم أتمكن من تنحية الدوافع الأخرى عن بالي واستحوذ عليّ تزمتي المزمن ضد الشبهات: عشت مرفوع الرأس، أحصل لقمة عيشي وعيش أسرتي بكدّي وأرضى بأقل مما أستحق كي لا يأسرني فضل أحد عليّ أو يقيّدني التعود على التمتع بالامتيازات، وليس في نيتي، خصوصاً في هذا الظرف الذي يبهظني فيه ذلّ الحاجة، أن أتبدل. وبتأثير تزمتي نبت الهاجس المحذّر : إياك أن تقع في ما وقع فيه غيرك، احتفظ بتميزك ! ووجدتني أرد على عرض الرجل الكبير بخلاف ما تمليه الحاجة : «كرامتي أجدها في العمل وما أزال قادراً على عمل الكثير، وفي مؤسسات «م . ت . ف.» متسع لأمثالي. وأنا لا أقبل أن آخذ من مال الثورة عوناً بغير عمل». لم يخامرني أي شك في أن عرفات التقط هاجسي. ولم يترك هو الأمر ملتبساً : «لا تظن أني أجهل حرصك على نقاوة ضميرك، ما أنشف راسك ! نحن نشتري بالمال الساقطين، وليس المناضلين». قال عرفات هذا وفي نبرة صوته شيء من الحنق، وكان حنقاً حقيقياً كما بدا لي، وأغلب ظني أنه انتبه، وهو الفطن، إلى ما ينطوي عليه رفضي من تشكيك بدوافع عرضه، لكنه هدأ النبرة بعد لحظة صمت، ثم عرض حجته. لم يكن في استطاعة رئيس «م . ت. ف .» بعلاقاتها المتشابكة مع سوريا أن يندبني إلى عمل فيها في اليوم الذي يسرحني رئيس سوريا من العمل: «افهم ! لا بدّ من أن يمرّ بعض الوقت إلى أن ينسوك، ثلاثة شهور، هل هذا كثير ؟ !». وكانت هذه حجة دامغة. لكن، صعب علي وقد أشهرت تزمتي أن أتراجع : «عندي ما يكفيني لثلاثة شهور، فاعفني من الذهاب إلى المالية !»، لم يكن هذا صحيحاً كما صرت تعرف. لكنه الإباء العنيد وهو الذي يشعل عنادي حتى حين لا يكون للعناد لزوم. ما أقوى ذاكرة ياسر عرفات حين يعزم على أن لا ينسى ! ظللت ألقاه طيلة الشهور الثلاثة التالية، وكان يقع لي أن ألقاه مرة أو أكثر في يوم واحد دون أن يجيء على ذكر هذا الموضوع أو يلمح إليه. وفي ختام الشهور الثلاثة، في اليوم الأخير من أيام ثالثها بالضبط، استدعاني أبو عمار استدعاءً، واستقصى خياراتي. وكان من شأني أن ألتحق بعمل في دائرة الإعلام والثقافة أو في الدائرة السياسية لأن هذا هو ما تؤهلني له خبرتي. وقد اخترت الدائرة السياسية لأن خالد الحسن كان هو رئيسها ولأن العميد عبد الرزاق اليحيى كان قد صار مديرها العام. وهكذا صرت رئيس قسم في هذه الدائرة. كنا حين عُينت لهذا الموقع قد صرنا في أكتوبر 1971، وكان عدد العاملين في مركز الدائرة التي تشرف على مكاتب «م. ت. ف.» لا يزيد على عدد أصابع اليدين، وهم موزعون بين دمشق وبيروت والقاهرة. وكانت الاستهانة بالعمل السياسي لا تزال ماثلة.وقع عرفات قرار تعييني وصار عليّ أن أنصرف، لكنه استبقاني إلى أن تخلو الحجرة من زواره. وعندما صرنا وحدنا، قال عرفات: «ستذهب في البداية إلى القاهرة، لا تجادل! ابق هناك إلى أن ينساك الذين هنا، ولا تقم بأي نشاط يلفت انتباههم إليك! إن اتبعت نصيحتي فسيصير بإمكاني أن أعيدك إلى دمشق بعد ستة شهور». لم ينتبه أبو عمار إلى أنني أحبّ القاهرة وأتوق إلى الذهاب إليها. وأغلب الظن أنه توقع أن أعترض ولما وجدني صامتاً ظن أني مستاء، فكرر: «اسمع منّي، ابتعد لبعض الوقت، لا أريد بطولات، تفسّح في القاهرة، وبعدها يجيء وقت العمل الكثير !». ولم أجادل لقد سعدت بالفرصة المؤاتية. وقبل أن أنصرف، سألني أبو عمار هذا السؤال: هل هي المرة الأولى التي تعاقب فيها على وطنيتك الفلسطينية؟ فاجأني السؤال وأعاد إليّ شريط معاناتي الطويل في حزب البعث. وأغلب الظن أني جمجمت برد غير واضح. ولكن ما أثاره السؤال انداح بعد أن انصرفت وقد تنبهت إلى حقيقة أني انتقلت فعلاً من قومية البعث العامة إلى الخصوصية الفلسطينية. ولم يكن هذا عندي انتقالاً من موقع إلى نقيضه بل تمركز في الخندق الملائم لي داخل الموقع ذاته وتخصص وليس ذنبي أن بعض ضيقي الأفق يضعون الوطنية الفلسطينية في موقع متعارض مع القومية العربية.